في ذكرى وفاة الشّيخ إبراهيم بن محمد أحمد تعموت

تحلّ اليوم الذّكرى الخامسة عشرة لوفاة أستاذنا وصديقنا الشّيخ إبراهيم بن محمد أحمد تعموت، رحمه الله. كانت وفاته يوم 16 من أغسطس 2005م.تقبّل منه أعماله الصّالحة وغفر له ذنوبه، وأسكنه فسيح جنّاته.

أستاذنا من مواليد مدينة القرارة، ولاية غرداية، الجزائر عام 1929م. زاول تعلّمه الابتدائي في مدرسة الحياة بالقرارة، بعد استظهاره القرآن الكريم التحق بمعهد الحياة،. وقد كان من بين زملائه في الدّراسة الأساتذة والـمشايخ: محمد بن بابه الشّيخ بالحاج – شفاه الله –، بكير بن محمد الشّيخ بالحاج (باش عادل) الـمرحومان صالح بن بابه خبّاشة ومحمد بن عمر الشّيخ أحمد..

بعد تخرّجه في معهد الحياة سافر إلى تونس للدّراسة، عاد بعد سنتين تقريبًا، إلى الجزائر، في زيارة خاصّة، فلم يتمكّن من العودة إلى تونس؛ بسبب قيام الثّورة التّحريريّة.

عيّن معلّمًا في مدرسة الهداية بالعاصمة، وبقي فيها مدّة خمسة عشر عامًا (كان لي شرف مرافقته في التّدريس فيها في السّنة الدّراسيّة: 1972/ 1973م، بعد تخرّجي في معهد الحياة، وفي فترات أخرى متقطّعة خاصّة في الصّيف.

بعد تخرّجه في جامعة الجزائر بشهادة اللّيسانس في الأدب العربي سنة 1973م، التحق بمعهد الحياة مدرًّسا. أمضى فيه ما يقارب الثّلاثين عامًا.

كان عضوًا في إدارة عشيرة البلات بالقرارة، عرف عنه نشاطه الكشفي، ومشاركاته العديدة في إحياء حفلات الأعراس مع الـمجموعات التي تشرف عليها. عرف بصوته الـمتميّز الذي يعرفه أصدقاؤه وأقرانه. كان عضوًا بارزًا في أنشطة الجزائر العاصمة.

كان مغرمًا بالطّبيعة والرّحلات، خاصّة الرّحلات في الخلاء، أي المناطق المحيطة بالقرارة، وكان مُتيّمًا بالسّيول والأودية، يسأل عن سيلانها، ويهتزّ شوقًا لزيارة مجاريها وأمكنة وجودها بشغف شديد.. تصفّحت جريدة الشّباب التي يحرّرها طلبة معهد، فوجدت أنّ أغلب ما كتب يدور حول الواد والطّبيعة والرّحلات.. هذا يعني أنّ الطّبيعة ممزوجة بدمه ومندمجة في ذاته، منذ الصّغر. هذا الغرام وهذا الاندماج مع الطّبيعة انعكسا على طبعه وخلقه، فكان يُرى ويظهر دومًا بشوشًا مبتسمًا، طلق الـمحيّا، يبشّ في وجه كلّ أحد يستقبله أو يلتقي به، يتميّز بالتّواضع وحبّ الخير لكلّ النّاس، وعرف بصفاء الطّوية وحسن الظّنّ بالنّاس.. لذا كان محبوبًا كثيرًا من مختلف فئات المجتمع..

طبعه الكرم وتقديم الإحسان والخدمات لكلّ من يستطيع أن يعينه ويساعده.. عرف بأنّه كان مقصد الـمحتاجين والفقراء والـمساكين لطلب الـمعروف وما يحتاجون إليه.. هو متوسّط في حالته الـماديّة، لكنّه كان لا يردّ من يقصده، يقوم بعمل الوسيط بين الأغنياء والفقراء.. فالـمحتاجون يطمئنّون إليه، فيؤمّون وجهته لطلب حاجاتهم، والـمحسنون يثقون فيه فيمدّونه بما يستطيعون ليوصله إلى الـمحتاجين والـمعوزين.. هذه مكرمة يخصّ الله بها عباده المتّقين الـصّادقين.

كما كان النّاس يقصدونه لكتابة الوصايا لارتياحهم لأخلاقه وحسن تعامله، وكفايته ودرايته بكيفية التّصرّف مع من يأتي ليكتب له وصيّته، فلا يحرجه بما قد ينفّره من القيام بهذا الواجب الشّرعي..

كان شديد الاهتمام بالـمطالعة، يقيم حلقاتها في منزله، وفي محلّ تجارته، ” مكتبة القطب ” بالسّوق العلوي في القرارة، أو مع أصدقائه وإخوانه في دورهم.. وقد حضرنا بعضها والحمد لله.

بدأ مع ثلّة من الإخوة الكرام تسجيل بعض الأناشيد القديمة بألحانها الأولى؛ لحفظها في الأرشيف، وللمحافظة على التّراث، لكنّ العمليّة – للأسف – لم تتمّ. وكان الذي تولّى الإشراف على هذا التّسجيل هو الـمرحوم الأستاذ مصطفى بن بكير حشحوش، قيّم مكتبة الحياة، حصل هذا النّشاط في أواسط الثّمانينيّات من القرن العشرين. (نرجو أن يكون ما سجّل محفوظًا في مكتبة الحياة).

كان يلبّي طلبات إلقاء دروس الوعظ والإرشاد في بعض الـمساجد في شهر رمضان – بخاصّة – من بين الـمساجد التي واظب على الوعظ فيها مسجدا الإباضية في مدينة ” تقرت” و ” باتنة “. تقبّل الله منه جهاده.

كان لي شرف مرافقته في بعض محطّات حياته وبعض أسفاره، من بين هذه الرّحلات أو الأسفار خارج الوطن. زيارة الحجاز لأداء العمرة في رمضان من سنة 1405ه/ يونيو 1984م. رفقة الأستاذ عمر بن حمّو شريفي (مؤذّن الـمسجد الكبير بالقرارة حاليا). بعد أداء العمرة قصدنا سلطنة عمان في شهر أغسطس من العام نفسه. وقد كانت هذه الرّحلة تاريخيّة متميّزة؛ إذ كانت لي شخصيًّا أوّل زيارة لعمان، كما كانت لي بداية توطيد العلاقة مع عمان بكلّ مكوّناتها وخصوصيّاتها ورجالها والحمد لله.

ما يمكن تسجيله عن حياة أستاذنا الشّيخ إبراهيم تعموت كثيرٌ، لكن حسبي تقديم صورة تقرّب للأجيال المتعاقبة شخصيّة أستاذنا الـمرحزم.. وكان اعتمادي في هذا التّقديم على ما حضرني وأنا أكتب هذه الأسطر من الذّاكرة.. التي – عادة – لا تخيّبن ولا تخونني والحمد لله، هذا فضل من الله ونعمة -.

ما عرف عن شيخنا أنّه ( نسّاي ) من الطّراز الكبير، حاز فيه الـمراتب الأولى مع أقطابه، حتّى أصبح اسمه مرتبطًا بالنّسيان.. أنا شخصيًا حضرت كثيرًا من الـمواقف التي نشط فيها النّسيان معه نشاطًا واسعًا، وحفظت بعضها ممّن نقلها لي أو حكاها عنه.. وكنت أتندّر بها في بعض المجالس – وكان لا يمانع في ذلك – بل كان يطرب لـما أعيده على مسامع النّاس ن هذه الـمواقف الطّريفة الـمضحكة. لذا كان كثيرٌ من الإخوان يطالبونني بتأليف كتاب عن نوادر تعموت في النّسيان. عسى أن يوفّقنا الله لذلك.

أقدّم في هذه الـمقالة موقفين:

ـــــــ في صيف 1974م. طرقت باب مدرسة الهداية في آخر النّهار، لنترافق إلى منزلنا لتناول العشاء معًا (الـمنزل في باب الجديد، 98 نهج ذبيح الشّريف). فتح لي الباب وقال لي: تَعَالَ أَحْكِِ لك (مَا أَبْلَدَنِي)، قلت له ماذا تعني؟ قال لي فتحتُ ااـمذياع قبل قليل، على تلاوة آيات من سورة مريم، فسمعت قوله تعالى: ( يا زكريّاء إنّا نبشّرك بغلام اسمه يحي…) تذكّرتُ أنّ امرأتي حامل، فردّدت مع نفسي: أرجو أن يرزقني الله بولد أسمّيه (يحي)، ثمّ قلت :كأنّ لي ولدًا اسمه يحي.. وبدأت أعدّد أسماء أولادي: محمد، أحمد، عبد الله.. كأنّ من بينهم يوجد ولدٌ اسمه يحي.. كرّرت العمليّة ثلاث مرّات.. ثمّ أفقت من لجّة النّسيان فقلت ضاحكًا مخاطبًا نفسي مرّة ثانية: (ما أبلدني! ما أبلدني! ما أبلدني!) فإنّ لي ولدًا اسمه يحي. أي تذكّر ابنه يحي.. (كانت لزملائه تعليقات كثيرة مثيرة على هذا الـموقف)..

ـــــــ رأيته مرّة جالسًا خارج الـمسجد الكبير بالقرارة، بعد أداء الصّلاة شارد الذّهن، ، وكأنّه يبعث عن شيء ضاع منه.. اقتربت منه وقلت له: عمّاذا تبحث؟ أجابني: أنا أبحث عن شخص أحتاجه، لكنّني نسيت من هو هذا الشّخص، ونسيت ماذا أقول له؟ قلت له: أنت لم تذكر أيّ شيء، يمكن لنا أن نبدأ به البحث معك فيما تريد. سبحان الله على هذه الحالات النّادرة العجيبة.. يصدق في أستاذنا قول القائل: لقد أفرط النّسيان بي إلى حدّ لم يترك لي النّسيان حسًّا.

الشّيخ إبراهيم تعموت ظريف بنسيانه، خفيف بدعاباته، متميّز بعباراته التي هي علامة على شخصيّته المتميّزة، مثل (ما أبلدك، بلادة لا تطاق، بليد…) لا يحسن النّطق بها ولا يعطيها النّكهة الخاصّة إلاّ صاحبُ العبارة النّاقلة روحَه الخفيفة الشّيخ إبراهيم تعموت.

من حسن الفأل والطّالع أنّ أمّه كانت تناديه (الشّيخ) وهو طفل صغير؛ تفاؤلاً أن يكون شيخًا في العلم والأخلاق.. فكان كذلك والحمد لله. خلّده زميله الـمرحوم سليمان بن محمد الشّيخ بالخاج (المعروف بالباروني). بنشيد مهمّ وتاريخي، باللّغة الدّارجة، وذلك بمناسبة نجاحه في امتحان القبول في الجامعة، التي حصل عليه في جامعة وهران، ودرس في جامعة الجزائر.. النّشيد يقدّم صورة عن شخصيّة الشّيخ تعموت الـخاصّة. مطلع النّشيد:

هَا هُو جَا الحاجْ أَبـِّيْ قالُو ماتْ هُوَ حَيْ

قُمْ اتْحـَرَّكْ شْوَيْ مُولَلْهَمَجِيَه (الحاج أَبـّيْ هو إبراهيم تعموت)

رحم الله أستاذنا وصديقنا الخيّر الكريم الظّريف الخلوق.. وأسكنه فسيح جنّاته.. إنّه سميع قريب مجيب.

الجزائر يوم الأحد: 26 من ذي الحجّة 1441ه

16 من أغسطس 2020م

محمد بن قاسم ناصر بوحجام

Exit mobile version