أنفاس قلم (4): روهنجيا… حين يغدو الإسلام ذنبًا

اغتربت آهاتُهم إلى حدُود العالم الرّحب صادحةً مستغيثة، وتفجّر الصّخر أنهارًا من الدّمع حَزَنًا على صرخاتهمُ المدويّة، وبحّت أصواتُهم بعد أن استماتت جاهدةً في تبليغِ مأساتهم آذان إخوانهمُ الغافية…

هو ذا أبٌ حائرٌ في إعالةِ أبنائه وإطعام بطونهم الجائعة مُطالَبُ بدفع ديّةٍ لتحرير إبنٍ آخر من صُلبه قد “صادرهُ” العدوان الجائرُ بُغيًا وظلمانا، وها هي ذي الصّبية الشّاحبُ وجهُها بالعَبرات لا ترضى أن تدعَ يمنى أمّها المباركة، وتأبى أن تُذعن لأصوات الموتِ التي سلبتهاَ ياقوتةَ دنياهاَ، وها هو إمامُ المسجِد الهَرِم يغسِل بدمعهِ المنصبِّ، الغَبَرَة التي اعتلت سبحتهُ حين بصُر مئذنة الجامع العتيقة قد استوت جثّة خامدةً على الثرى، بعدَ أن أدمتها صواريخُ الطّغيان والجور العاتية…

بورما، هو اسمٌ آخر لبُقعةٍ قد اعتلت فوق أرضها رايات الظّلم الحالكة، ونفثت فيها أرواحُ الحقدِ سمومَها، وأبى التّاريخُ إلاّ أن يضمّها إلى سجلّ المضطهدين عبر ربوع العالم الإسلاميّ الجريح، واتّخذ اسمُها جوارًا إلى بلاد الشّام والعراق، وفلسطين وأفغانستان، وغيرها من الأمم التي استبيح أبناؤها نعمةَ الحياة، وحُرموا البسمةَ وسُبل العيش الهانئ الآمن.

تتصاعدُ فيهَا عندَ صُبح كلّ يومٍٍ جديد أدخنة الصّواريخ والنّيران بدل ندى الغداة وريحه الفوّاح، وفيمَا تعلوُ الأرقام وتخبو في بنوكِنا وحسابتنا ومبارياتنا… فإنّ الرّقم الوحيد المألوف لهؤلاء هو عددُ الموتى المتسارِع سرعة السّعِير الملتهمةِ للحطبِ، وهو جزمًا لا يسلُك سوى درب الزّيادة ساعة بعد ساعة، ويومًا بعد يومٍ… وترى الأرواح منتظرةً حائرة، أمّا الانتظار فهو للأجل المحتوم المترصّد في الجوارِ، وأمّا الحيرة فجاءت رفيقةً للسّؤال الذي أعيا أفئدتهُم: ما الذي استغرق إخوانًا لنا في الدّين كلّ هذا الوقت ليبلُغهم صدى آهاتنا؟؟

ليس بيدٍ أيٍّ منّا عصًا سحرية يغيّر بها رفقة تمتماتٍ غامضات سيرورة الواقِع الذي يعيشه إخواننا، غير أنّنا لا محالة، نملِك منابِع الخير في نفوسِنا والعطاء في أموالنا لقضايا إخواننا الإنسانية، ونحن نملِكُ تأثير الكلمةِ وسُلطة القلمٍ الحصين ووقعَ الصّوت وسرعة انتقاله في الأراضين، ونحنُ نملكُ بعد كلّ هذا حبل الدّعاء المتين لربّ الأنام العظيم والسّؤال لهُ بأن يرفع البلاء عن إخواننا المسلمين…

قد تختلفُ سبُل ردّات فعلناَ وفعاليّاتها، غير أنّ علينا أن نعي ونتذكّر أن وهج الإسلام في قلوبنا، سيرسُم لنا طريقًا بين القلب والعقل، يكون لنا نبراسًا طيلة دربنا في مُحاربة الظّلم والطّغيان، وأنيسًا لنا حين نجعلُ من قضيّة نصرة إخواننا المستضعفين في العالم رسالةً وغاية.

عمر بن إبراهيم بوغالي

Exit mobile version