تخيّل يوما مرور إنسان بجوار محل، في غضون التسعين دقيقة التي تصادف مباراة الفريق الوطني في كرة القدم، وأثار انتباهه صاحب الدكان في انشغاله الكامل وانهماكه التام بعمله غير ملقٍ بالاً للحدث، أو غير ملتفت من حين لآخر لإحدى زوايا محلّه، ومتابعا للمباراة من خلال تلفاز وضعه خصيصا لذلك. كيف سيعلّق ذلك الإنسان على هذا الحدث؟
أو أيضا لو التقى في تلكم الأثناء، بطالب علم قاصدا مركزا علميا، أو جالسا في مكتبة وهو غارق بين أحضان كتاب! لا شكّ وأنه وإن لم ينزع من الشخصين “روح الوطنية”، فقد يصنفها لديهما في “الدرجة الثانية”، وذلك لاقترافهما لهذا الفعل الغريب…
ولكن لو توقف ذلك الإنسان لدقيقة فقط في نقطة نظام سائلا نفسه: هل روح الوطنية تنحصر فقط في الحرص على حضور مواعيد المباريات وتتبع أخبار المدربين واللاعبين الوطنيين؟ وفي معرفة كل المستجدات والمجريات عن أخبار الفريق الوطني، وحتى حفظ ألحانه وأغانيه الهتافية في ما يسمى بالأعراس الكروية؟ هل هنالك علاقة ترابطية بين كل هذا وحب الوطن الذي أمر به ديننا الحنيف ورسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم حيث اعتبر أن حب الوطن من الإيمان؟؟
في رأيي فتلك أدنى درجات الروح الوطنية، وحب الوطن الحبيب، فحبّ الوطن مرتبط بمفهوم أسمى وأجلّ وأعمق من أن ينحصر في بضع دقائق من مباراة. إن العمل الدؤوب، وطلب العلم بغية التغيير والتطوير والتكوين، والحرص على أمن الوطن… وأي “عمل فعّال” يقوم به الإنسان البسيط بكل تفانٍ وإخلاص قاصدا وجه الله تعالى، كل ذلك هو من “حب الوطن”، حتى وإن لم يهتف الإنسان بذلك ليل نهار، ولم يجعله موضوع حديثه أينما حل وارتحل…
نعم، فهؤلاء حقا هم من ينتظر منهم ذلك الوطن يوما تحقيق الصحوة المأمولة، وإحداث التغيير المرجو، ويمكننا القول بأنّ نقدَ ما يقترفه البعض من أعمال، وما يحدث في أرجاء الوطن من أحداث، هو “نقد بناء” بنية “البناء لا الهدم”، بنية التغيير لا التقاعس والشكوى، وهو مما يمكن اعتباره وجها آخر من حب الوطن. أما خلاف ذلك من تشجيعات وهتافات وشعارات ورحلات من هنا وهنالك، فقد تعتبر بحق إحدى نزعات الروح الوطنية، ولكن ذلك الحيز الضيق من المستحيل أن يحتوي مفهوم وفلسفة “حب الوطن”.
أثناء تتبعي يوما لإحدى قنواتنا التلفزيونية، قامت حصة من الحصص بتكريم مواطن “مخلص” ذو روح وطنية سامية، وذلك لكونه لم يغب عن حدث رياضي أو مباراة للفريق الوطني منذ عشرات السنين إلى يومنا هذا، في حضر وسفر، في حل أو ترحال… قد يكون جميلا هذا التكريم إذا كان ضمن إطار خاص، ولكن الأجمل منه لو تُركز الجهود والأوقات والأفكار… في كيفية تكريم ذلك الذي يعمل “عملا فعالا” لوطنه في: صمت، وبفعالية وتفان، أيا كان: عالما أو متعلما، مربيا أو بنّاءً أو مزارعا…، هؤلاء بحقٍّ هم “أهل للاستثمار، وأحق بالاهتمام والتكريم”.
إن حب الوطن نتاج عمل، وتكريس فكر ليل نهار في كيفية الصعود قُدما بهذا الوطن نحو علياء الحضارة والتطور، على أمل أن نرحل عنه يوما فيقال: “قد مرَّ وهذا الأثر”.
عبد الهادي الشيخ صالح
المصدر: فييكوس نت
