أنفاس قلم (09): دِينُ الجَمال

جُبلت فطرة الإنسان منذ الأزل على التّناغُم مع تردّدات الجمالِ التي تنبثقُ جيّاشة من حواليهِ، ووُسمت من لدنّ العليم الحكيم بقَدَر من الانسجامِ مع مظاهِرهاَ وانعكاساتها تجليًّا في نوعٍ من راحةٍ وسكينةٍ عظيمتين، فارتقت بالأحاسيس إلى سماوات الإبداعِ والابتكار وروّضت العقل على الاغتراف من بواتِقها أينماَ أناخت وحطّت أجنحتهاَ، فجاء الإسلام دينًا منسجِمًا مع السّرائر المنقّاة، ودُستورًا يدعوُ عند كلّ حنايَا أحكامهِ وتعاليمه إلى استحضار وانتهاج مبدإ الحُسنِ شِرعةً وسبيلاً، واتّخاذ حِسّ الجمال ريشةً نلوّن بها مُحيّانا وخُلُقناَ ونفوسَناَ وأعمالنا، ونخطّ بها على صفحاتِ حياتناَ الغرّاء تفاصيل تزيدُها مُهجةً ونضارة، ومرآة تعكِسُ لنا في بهائهاَ عظمة البارئ المصوّر سبحانهُ وتعالى، وقد دعى المسلمينَ إلى اتّخاذ الملاحةِ عنوانًا لكلّ فعلِ وقولِ يصدُرُ منهم ووجّه أنظارهُم إلى آيات البديع جلّ وعلا في خلقهِ حاثّا إيّاهم على اتّخاذها تبصرةً تُلهِم أفئدتهم وأرواحهُم في الانطلاق برايات الجمال في كلّ نَفسٍ يتنفّسونهُ في هذه المعمورة، فقال جلّ من قائل:

(أفَلَم ينظُروا إلى السَّماء فَوقَهم كَيفَ بَنينَاهَا وزَيّناهَا وما لها من فروج* والأرضَ مددناها وألقينا فيها رَواسِي وأنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوجٍ بَهِيج* تَبصرةً وذِكرَى لِكلِّ عَبدٍ مُنيب* ونَزّلنَا مِنْ السَّمَاء مَاء مُبَارَكَاً فَأنْبَتْنَا بِه جَنّاتٍ وحَبّ الحَصِيد* والنَّخلَ بَاسِقَات لَهَا طَلعٌ نَضِيد* رِزقَاً للعِبادِ وأحْيَيْنَا بِه بَلدةً ميتاً كذلك الخروج ) سورة ق الآية 6-11

ودينُ الجمال يقتضي ضرورةً أن يكونَ حاملهُ إلى العالمين بؤرة تترى منها فيوض الحُسن والبهاء، ومشكاةً يحملُ بين ضلوعهِ الكريمةِ أنوار رونقٍ وغضاضةٍ رقراقة، وكم أكثرهَا عددًا تلك المواقف التي رسَم بها سيّد الخلقِ صلاة الله وسلامه عليه بماء الذّهب لوحاتٍ مخلّدة في تاريخ الإنسانية وقّع أحداثهاَ بقلمِ الجمالِ الفيّاض، فكان جميل الخِلقة والخُلق، جميل الفِعل والكلِم، جميل العقلِ والفكرِ، حريصًا على استدرار لآلئ الحُسن في سرّه وحِراكِه، فكان يطرّزُ دعاؤهُ بعباراتٍ تتجلّى فيها رقّة ورهافة حسّه السّماوية إذ يقول في دعائه عند صلاة الاستسقاء: “اللهمّ أنزل علينا في أرضنا زينتها” ويستعيذ في دعاء السّفر من كآبة المنظر… ولا يعدو هذان المثالان أن يكونا قطرات في بُحور أمارات الجمال التي جاء الحبيب داعيًا وهاديًا إليها.

ومن نِعم الله على جزائرنا الغالية أن منّ عليها من أقصى شرقها إلى غربها، ومن شمالها إلى جنوبها بمناظر تأسر الألباب، وترمي إلى النّفوس العطشى زخّات حُسن اعتلت جبالها وجرت في أنهارها وامتزجت بثراها الطيّب، ولهُ الحمدُ أن أرانا في جمال ما تركهُ لنا أجدادُنا من مواريث حضارة أقيمت أسسها على مخطّطات هندسية تنضخُ بالبهاء، عَلَّنَا نقفُ عندها مواقف عبرةٍ واتّعاظ نبني من خلالها جسورًا إلى مواراة نيّاتنا وأقوالنا وأفعالنا برداء الجمال الأخّاذ، ونروّض نفوسنا على ضرورة وجوده في حياتنا ومشاريعنا ومعاملاتنا … فما أعلى الإسلامُ من شأن هذا الخُلُق سوى لأثره ووقعهِ المشعّ راحةً في النفوس وانشراحًا للصّدور ولكونِه الخطوة الأولى في درب الحضارة المديد.

عمر بن إبراهيم بوغالي

Exit mobile version