ابيانّو من العادات الضاربة في القِدم، والمتجذرة في المجتمع المزابي منذ أمدٍ بعيد يصعب تحديد بداياتها الأولى، وإن ارتبطت بالسنة الهجرية في التقويم القمري.
وهذه الاحتفالية، لا تخص المزابيين فقط، بل جل الأمازيغ في شمال أفريقيا، لا يزالون يحتفون بها ومعظمهم يشتركون، في تسمية (ابيانوّ Abyannu ) كأدرار، وما جاورها، وارجلان، منطقة وادي ريغ، وقد تتعدى الحدود الجغرافية للجزائر مع اختلاف طفيف في النطق، مثل (أبيهانو، بابيانّو، أبيانو، لالة بابيانو)، وهو بمثابة عيد استقبال السنة الهجرية الجديدة، إلى غاية يوم عاشوراء وقد تزيد لأيام في بعض الأماكن مثل التوارق (بالنيجر ومالي) وقد تعني شهر محرم ذاته.
ذكرت عدة مصادر تاريخية هذه العادة وأولاها الأنثروبولجيون الفرنسيون كثيرا من الاهتمام وتناولوها بالدراسة.
وسكان آت يزجن إحدى مناطق وادي مزاب، ولاية غرداية، يولون لها عناية خاصة وهي مرتبطة بالطفولة، ولها نكهتها وتميزها.
الأطفال هم المعنيون أكثر باحتفالية طبق أبيانو، وهم من يقومون بالقرع على الأبواب لتوزيعه على الجيران والأقارب والفقراء والمعوزين في أحيائهم، بترديد أهازيج خاصة، يلهجونها بصوت كله بهجة، ويوزع لهم نصيبا من مختلف ما جمع من الحلوى والمكسرات، وفول يابس ثم يلتفّون بشّباك البيت مرددين جماعيا بصوت طفولي كله براءة: آبياهانو نانًانو صدق الله وتعالى.. وبعد ذلك يتأهبون لرميه جماعيا، وأثناء الرمي يصرخون بكل حماس وغبطة بلفظة هااااااي.
ثم يهرعون إلى ربة البيت والفرحة تحدوهم لتمدهم بأكياس صغيرة فيها ما يستمرئونه من تلك الحلوى وفول محمص، وكاوكاو..
وكمسايرة للعصر هناك من يضيف لهم علب عصير أو ما يرسم فيهم الفرح وينعش طفولتهم البريئة تيمّنا واقتداء -حسب الاعتقاد السائد- بسيدنا نوح عليه السلام بعد حادثة الطوفان واستواء سفينته على الجودي وإنزال كل من فيها، معتقدين بذلك أن هذا اليوم هو نفس اليوم الذي أنجى الله فيه سيدنا نوح عليه السلام هو ومن معه، فحمد الله على ذلك وقام بتوزيع ما تبقى من المُؤن عليهم، (منها إيباون أي الفول). بالإضافة إلى أحداث تاريخية أخرى، منها خروج سيدنا إبراهيم سليما من النار التي ألهمها الله لتكون بردا وسلاما عليه.
وهو أيضا نفس التاريخ الذي نجا الله سبحانه وتعالى وأخرج فيه سيدنا يونس (يونان) من بطن الحوت التي التقمه، وهو أيضا اليوم الذي عبر فيه سيدنا موسى عليه السلام البحر ومنحه الله تلك العصا التي شقت له عباب الموج فمخر له القاع حتى نجا من بطش فرعون الذي أغرقه الله ليكون عبرة للعالمين.
كل هذه الأحداث وردت في قصص القرآن دون تحديد تواريخ وقوعها بغرض الاعتبار.
مدة الاحتفال تستمر أسبوعا كاملا، من غرة محرم إلى غاية التاسع منه وهو اليوم الذي يتم الصوم فيه وهناك من يضيف له العاشر، ويشترك مع باقي القصور في طريقة تحضير طبق إيباون، أي الفول المطبوخ في الماء مع شيء من الملح، والتوابل مثل الكمّون أو ما يعرف عند الأمازيغ بإشامّن.
بالإضافة إلى ممارسات طقسية أخرى لم نردها هنا وهي تختلف من قصر إلى أخر، مثل الإكثار من قول السلام عليكم، وتزمزمم عوكبى غل ايمال، بمعنى ابتهجتم إلى العام المقبل، كما في قصر آت مليشت.
وقد ورد في الأثر أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم أمر بصيام تاسوعاء مخالفة ليهود المدينة لما وجدهم يصومون يوم عاشوراء، تخليدا لذكرى نجاة النبي موسى عليه السلام، فقال لصحابته نحن أولى بموسى منهم.
من هنا يتجلى لنا أن الاحتفال غرضه التذكر والاعتبار والتواصل بين الأجيال.
قبل أن نسدل الستار على ما سبق من موضوعنا لابد من لفتة لغوية تأملية لكلمة أبيانو، علنا نجد شيفرة، تفتح شهية البحث في ذات اللفظة، تتمة لما توارثناه من الذاكرة الجمعية، عبر السنين.
يرى الباحث عبد الرحمان حواش رحمه الله من خلال تسجيلات أجريناها معه، أن أبيانو هو عبارة عن تهنئة بالعام الجديد، أبيهانو وقارنها باللغة الإنجليزية التي هي من اللاتنية happy ano، وتوسع في الحديث أن أصل bonne année الفرنسية، أمازيغي من معنى بنين، bnin بوين، bwin أي مريء، وطيب، والإنجليز يقولون للسنة year، فجمع بين السنة والشهر بالأمازيغية يور، yur، أو اڨور، agur، والشهر الأول في الأمازيغية هو ينّار، فذكر حسبه أن ينّار أصله، ين يور، أو يڨ يور أي أول الشهر. يبقى هذا رأي واجتهاد، يا حبذا لو نؤكده بالمقارنة بين التنوعات اللهجية من نفس اللغة.
إنّ لفظة أباو، تجمع إلى إيباون أي الفول من الناحية الدلالية واللغوية والتاريخية، لها رمزية عميقة عند الأمازيغ القدامى، فهي تمثل فأل القوة، الخصوبة والعمر المديد والعدل، والمساواة.
علاوة على ذلك، نلاحظ من الناحية الصوتية تقارب وطيد بين إيباون وبين لفظة أبيانو.
والسؤال المطروح هل من علاقة بينهما!؟
إيباون تنطق عند بعض الزناتيين من منطقة وارجلان ووادي ريغ اوّن awwen، وعملية إلي ما نريد أكله أو شربه نسميه أسوٌي asewwi، هناك من ينطقه أصمّي aṣemmʷi اصبّي aṣebbʷi، مع واو خفيفة في آخر الحرف الساكن، (ب، م) الباء والميم متبادلان في اللغة الأمازيغية من فعل eww, ebbw,ʷ emmʷ, yessemʷ, yessebw، وبالدارجة تطياب، والعبارة الشائعة لترويج شي ما، يقال “فولي طياب”، هل من علاقة بين تسمية إيباون وعملية “اتطياب” بالأمازيغية !؟
لو تأملنا شكل حبة (أباو)، لوجدناها ذات فصين متساويين، وحتى شكل حرف ياب ⴱ أي الباء عند الأمازيغ يشبه في دلالته (أباو)، وهو الحرف البارز فيه بين صائت أ ثم أ، ياو. (ⴰⴱⴰⵡ)، وبتفصيل أكثر ودلالة أعمق، فأن هذا الحرف مثل حبّة أباو يعطي معنى تجزئة بعد اتصال أو انفصال بعد وحدة، مقسم إلى نصفين متساويين، فلفظة أبّي، أبّاي، أبوي، كلها تعني جزء من الكل، أو أشطار متساوية، أو حق متساو من مجموع الحقوق. فلفظة أبيّانو بالإضافة إلى التفاسير المتداولة، هي حسب اعتقادي تعني أبّاي- ينو أي نصيبي أو الجزء الذي استحقه من مجموع ما يراد توزيعه.
ختاما، أرى من الضروري الالتفات إلى تراثنا بصفة جدية، بإنشاء مؤسسات تحتضنه وتسعى إلى ترسيمه وتساهم في إنقاذه وتحفظه من الضياع وبراثن الشفوية المقيتة التي بمرور الزمن، تجعل من أبنائنا مغتربين في ديارهم، لا يألون جهدا لفهمه وكيف بالذود عنه وهم لا يتذوقونه.
أ. يوسف لعساكر
هوامش
- أبيانو من معانيه عاشر أيام شهر محرم. انظر المعجم العربي الأمازيغي، محمد شفيق، ص 108. ج2.
- عبارة تزمزمم الكثير من يردها إلى ماء زمزم والتبرك بقدسيته، لكن عندنا ازمزم او امژمژ بزاي مملوءة تعني الابتسام والابتهاج، ومرادفه أزمومي، انظر المعجم العربي الأمازيغي محمد شفيق، في مادة، بسم، ج 1. ص 170،
- Abyannu- nwm yebnin /
سنة هجرية جديدة سعيدة للجميع
