(سادات الناس في الدنيا الأسخياء)
قال سيدنا عيسى عليه السلام، وهو يصف نعم الله تعالى عليه وعلى آله: “وجعلني مباركا أينما كنتُ”.
وإني لم أجد أبلغ من هذا الوصف، وأنا أتلقى نبأ انتقال السيد الفاضل الحاج يحيى الحاج زكري إلى رحمة الله تعالى (1)(2) بعد وقت طويلٍ من الصبر على المرض، وعلى الخلوة القهرية على مضض، واللهَ نسأل أن يجعل ذلك له كفارة ومثوبة وحسن مآب.
ولا يملك المرءُ إلاَّ أن يردد ما علَّمه ربه في محكم التنزيل: “إنا لله وإنا إليه راجعون، الدوام والبقاء لله، كلٌّ من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والاكرام”. ثم يعزي أهله بما ورد من عبارات العزاء، ويواسيهم بما يليق من معاني المواساة.
ثم رأيت من الواجب عليَّ – نيابة عن الكثيرين – أن نذكر فضله على الناس، في مناسبات عدة، وبطرق مختلفة، ووسائل شتى؛ ولعلي أستذكر هنا أربعة محطات، ولا ريب أنَّ ثمة محطات أخرى، مما لا أعلمه ويعلمه الله سبحانه وتعالى: “أحصاه الله ونسوه”.
أولا- رياضة الجيدو: تعود بي ذاكرتي الطفولية إلى أوائل السبعينيات، يوم كان الكثيرُ من الشباب في بلدتنا يمارس رياضة الجيدو على يد المدرب “عمي قاسم بابهون” رحمه الله (3)، الذي كان يأتي بسيارته “2cv” الزرقاء الجميلة من غرداية، وحين يصل إلى خارج بلدة آت اسجن، يكون الرياضيون على أهبةٍ خارج “باب الزنقة” بلباسهم الرياضي، فيلحقون السيارة عدوًا، إلى غايةِ “غابة مومو”، عند بستان الحاج زكري (حوالي 2 كلم) (4)؛ ومن بين من كان يمارس هذه الرياضة (5) والدي الذي انتقل لتوُّه من شركة بترول في حاسي مسعود، ليستقر في التجارة بغرداية. ثم جاء جيل جديد بلغ الذروة، وحقق الانتصارات (6).
ثانيا- مخيم تربصات القرآن الكريم: يوم أنشأ عزابة البلدة مخيما لتربصات القرآن الكريم، أوائل التسعينيات، لم يجدوا أحسن ملجأ من بستان الحاج زكري؛ فقد جمع بين السعة والجمال، والرفاه والفعالية؛ ومِن يومها تخرج فيها العشرات، بل المئات، من حفظة كتاب الله تعالى؛ وكان من أبرز أساتذتهم المؤذن الحاج اسماعيل بوشلاغم حفظه الله، والحاج إبراهيم بوغالي رحمه الله؛ ثم بعد زمن طويل، فُتحت دار القرآن الكريم في “النتيسة” وانتقل الطلبة إليها؛ وكثير ممن أعرف اليومَ يجعل من تلك المرحلة في بستان “الحاج زكري” أبدع أيام حياته، ويتمنى لو أنها لم تنته، أو عادت وهيهات أن تعود.
ثالثا- مكتبة موركي؛ وهي أول مكتبة كاملة المعالم – لبيع الكتب – عرفتُها في حياتي، ولقد كان المرحوم محمد داود يشرف عليها بنشاطٍ منقطع النظير، وهي لخاله الحاج زكري، ثم بعد وفاة المشرف استأنف نشاطها لسنوات أخرى، بإشراف ابنه محمد الحاج زكري فيما أذكر؛ ولقد كانت مرحلةُ الثمانينات الذروة في وفرة الكتاب في الجزائر، وهي المثال في الجمع بين الجودة والتنوع والتكلفة الزهيدة، بفضل سياسة الدولة في دعم القراءة؛ وأذكر أنَّ أستاذي العلامة عبد الله كنطابلي رحمه الله (7)، كان له دفترٌ مفتوحٌ في مكتبة موركي؛ فهو يشتري منها على الدوامِ؛ فإذا ما تسلَّم أجرته الشهرية – من ثانوية مفدي زكرياء المقابلة للمكتبة – راح توا ليسدّد ما عليه، وقد يلتهم أغلبَ أجرته، لأنه كان من المحبين للكتاب إلى حدّ الهيام.
رابعا- الطبيب المثال: إن لم يكن الحاج يحيى أوَّل طبيب مسلم في غرداية، فهو بلا ريب من الأوائل؛ يُذكر إلى جنبه الطبيب “مرغوب صالح”، ثم “بافضل محمد”، “وحجاج” وغيرهم. وقد درس هو والدكتور مرغوب في “غرونوبل” بفرنسا، ثم استقرَّا في غرداية لعقودٍ، ولا يزال أثرهما يسري في كل بيت من البيوت؛ ولقد كانوا أطباء عامين، وجراحين، ومستشارين، ومولّدين.. أي كانوا يقومون بكل ما يحتاج إليه مجتمع تحوَّل للتو من “لاسورات” و”الأطباء الفرنسيين” إلى الطبيب المسلم المحترف الثقة من أبناء البلد، الذي يُفضَى إليه بجميع الأسرار، ويؤتمن في كل الأمور.. بخاصة ما تعلق بالمرأة مما كان حسَّاسا، يلج إلى عمق الأسر في أعراضها وحرماتها.
لعلي أختم بقصة أثرت فيَ كثيرا، مما تناقله ثقاتٌ عن الطبيب الحاج يحيى انلغواط رحمه الله:
دعي الطبيب الحاج زكري في ليلة من الليالي، في وقتٍ متقدم، إلى عرسٍ، كان العروس قد دخل بالعريس للتو، ثم خرج من غرفته متهما إياها بأنها ليست بكرا؛ فدُعي الطبيب، وكان أهلُ العرس جميعا واقفين حائرين، فدخل الغرفةَ، وبعد وقتٍ قصيرٍ، خرج وتوجَّه إلى العروس الشابّ الغرّ فصفعه صفعة شديدةً، وقال له: “أنت لست رجلاً، ولا أهلا للزواج، ولقد اتهمت المرأة في عرضها، وهي بريئة..” ثم استدار، وغادر البيت، وقد أنقذ العروسة من شرّ مستطر، ولقَّن العروس درسا لا ينسى في وجوب التحري وحسن النظر.
رحمك الله رحمة واسعة، لقد كنت سيدا في قومك، لا بمالك، ولا بجاهك، ولا بعلمك، وكلُّ ذلك كان شرفا لك.. لكن، بالسخاء والكرم؛ ولقد قال سيدنا ابن عباس رضي الله عنه: “سادات الناس في الدنيا الأسخياء”؛ ومِن قبله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أحبكم إلى الله أنفعكم لعياله”..
سخوتَ فنفعت عيال الله، بنيت لنفسك مجدا في الدنيا، وأجرا ورضا في الآخرة، فنم هنيئا، وقرَّ عينًا، فلا نامت أعين البخلاء..
——————–
1- هو يحيى بن محمد بن زكري الحاج زكري، ويعرف بلقب “الحاج يحيى انلغواط”، نسبة إلى مدينة الأغواط؛ وذكر أنَّ والده سافر إلى التجارة من مزاب إلى الأغواط، فاستقرَّ بها تسع سنوات كاملة، ولم يرجع إلى مزاب ولو مرَّة، رغم قرب المسافة (200 كلم فقط)، فنسبه الناس إلى الأغواط، ولحق اللقبُ أبناءه وذريته.
2- ولد الحاج يحيى في 27 مارس 1934م وتوفي يوم 8 جوان 2021م. عن عمر يقارب التسعينن عاما.
3- قاسم بابهون: كان مدربا في عنَّابة، مدرسة الشرطة، وكان صاحب حزام أسود بدرجاتها (الثانية أو الثالثة) .
4- كانت بدايات فرقة الجيدو في غرداية، ثم انتقل شباب بني يسجن إلى البلدة، وكان الفراش الجديد عبارة عن “ماجل من إسمنت، فيه فُتات من الخشبِ، عليه قماش غليظٌ (باش)” وكان في البستان مسبحٌ كبير، يُستعمل غالبا للترفيه، وأحيانا لمعاقبة أحد بإلقائه فيه.
5- من بين الجيل الأول للجيدو في بني يسجن، أذكر: الحاج إبراهيم بوغالي (رحمه الله)، والدي موسى باباعمي، سعيد بليدي، مصطفى بباسة، عيسى حداد، صالح عمي موسى، وطبعا بكير باباعمي (المدعو التونسي)، والأستاذ عمر بزملال… وغيرهم كثير.
6- بعد أن فتحت قاعة الجيدو المحترفة في أقداش، انتقل الفريق من بستان الحاج زكري إليها؛ وتشكل جيل جديد من الرياضيين، بلغوا مستويات عالية، وتحصلوا على ميداليات وطنية، منهم: سليمان أميني، ومحفوظ وإبراهيم بكاي، وأحمد أبانو… وكنتُ أنا وجيلي ضمن الجيل الثالث، ولن ننسى أبدا فضل هذه الجيدو علينا.
7- خلف الشيخ عبد الله كنطابلي مكتبة تربو على ستة آلاف عنوانٍ، وقد توفي عام 1987م؛ وله مؤلفات كثيرة، منه ما نشرناه، ومنه لم يُنشر بعدُ. وانظر ترجمته في معجم أعلام الإباضية.
– ملاحظة: استجمعتُ ما استطعتُ من معلوماتٍ مبعثرةٍ، وسألت أقرب الناس إلى المرحوم وإليَّ، وإن أخطأتُ أو غفلتُ فأرجو أن يصحَّح لي، مع الشكر الموصول للجميعِ، والدعوة بالرحمات للمتوفى من الجميع.
د. محمد باباعمي، برج البحري، الجزائر
9 / 6 / 2021م
——————–
*نبهني الأخ داود أن المرحوم كان له دور في الثورة التحريرية، فقد كان أمين مال جبهة التحرير يوم كان طالبا في فرنسا. وأضفت المعلومة كما وردت إليَّ.
*حين تحدثت عن المدرب الحاج قاسم بابهون ذكر أحد المعلقين الإخوة أنه توفي قبل عام؛ رحمه الله وأسكنه فسيح الجنات؛ كان رجلا جبلا، ليت أحدٌ يكتب عنه ليعرفه الجيل الجديد من الشباب.
*لاحظ أحد القراء مشكورا أني قلت “فصفع الشاب العروس” وصوب أنه “العريس”؛ أقول: هذه من الأخطاء الشائعة، والمستعملة كثيرا؛ أما الصواب فإن العروس للرجل والعريس للمرأة؛ وللدكتور محمد ناصر كتيب بعنوان: “وصية والد لولده العروس”. شكرا.
*ورد إلي من الأستاذ عمر باباعلي هذا التعليق الذي يحمل معلومات قيمة، أضيفه للترجمة شاكرا: “رحم الله عمّنا الحاج يحيى نلغواط، السخيّ يدا والمتواضع خلقا والمتبصّر موقفا. بوركت دكتورنا على توثيقك لمعلومات عن الفقيد، تأكيدا لما قلت عن التربص الصيفي للقرءان الكريم فقد بدأ في جنان الحاج زكري بناحية أدمر “تلات” عام 1996 واستمرّ بها إلى غاية سنة 2008، بعدها انتقل إلى الجابرية بأمرصيد لتزايد أعداد الملتحقين من 2009 إلى 2011، وفي سنة 2012 افتتح مركب تحفيظ القرآن الكريم ناحية انتيسة، جعل الله لفقيدنا الجنّة مثواه جزاء تسخير بستانه ملاذا لأهل الله وخاصته قراءة وحفظا.”
*هذه رسالة من حفيدة المرحوم، عائشة بنت محمد الحاج زكري، وفيها الكثير من التصويب والإضافة، أنقلها كما هي، لتضاف إلى الترجمة:
:السلام عليكم و رحمة الله تعالى و بركاته
أعرف بنفسي الحاج زكري عائشة بنت محمد (حفيدة الدكتور الحاج زكري يحي -الفتاة على الصورة-)
شكر الله سعيكم و حفظ أقرباءكم من كل سوء وجزاكم الله خير الجزاء
أود أن أشكركم دكتور على المقال الذي نشرتموه على صفحتكم والالتفاتة الطيبة بحق جدي المرحوم
أريد تصحيح معلومة مكان دراسة جدي، هي جامعة جنيف بسويسرا
كما أن مساهماته كانت كثيرة في الميدان الاجتماعي
كان عضو منظمة الطلبة المسلمين الجزائريين أثناء الثورة
كان رئيس عشيرة آت بحمان لسنوات
فقد ساهم في تأسيس مجلس الأعيان في صيغته الحالية.
-كان عضوا فعالا في مجلس إدارة الجابرية للذكور
-وعضوا فعالا في مجلس باعبد الرحمن الكرثي
-كان له نشاط في التوعية والتربية الصحية بعد الاستقلال حيث كان يلقي دروس ومحاضرات في المساجد لعموم الناس
-كان النائب الأول لرئيس أول بلدية بعد الاستقلال
-ساهم في فوج القطب للكشافة الإسلامية بالعاصمة
هذه بعض مساهمات جدي في المجال الاجتماعي والسياسي على سبيل المثال لا الحصر.
جزاكم الله خيرا دكتور بباعمي.”
