نعم هو حقّها!

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

تتصارع في داخلي بعض الأفكار فتئن لخروجها وتحن لمن يحتضنها ويتقبلها برحابة صدر. إن الموضوع الذي شغلني كثيرا هو موضوع “حق الفتاة في التعليم الشامل”.

فلطالما وددت لم أني أضع بعض الأفكار الخاصة في الموضوع وأن أساهم في نشر الفكر الصحيح له، لعل الكثير ممن سبق قد خاض في موضوع تعليم الفتاة خوضا طويلا فمنهم من أيد الفتاة أن تسلك سبيل تعلمها ومنهم من قيدها كل التقييد على ذلك ومنهم من وضع لها حدا لتعلمها وتثقفها!

إن سبب اختياري لهذا الموضوع هو نظرة المجتمع الاحتقارية لهذا الحق من حقوق المرأة لكن إذا كان الواقع مريرا فعلينا أن نكون أقوياء لمجابهته.

إن أول ما يمكنني أن أبدا به تحليلي للموضوع هو قول الله سبحانه وتعالى في أول آية من محكم تنزيله قال (اقرأ)، إن آية كهاته في أول مسيرة للنبي صلى الله عليه وسلم تفي بأن تكون دليلا كافيا على وجوب تعليم المرأة في ديننا الحنيف فالله سبحانه وتعالى لم يأمر الرجال فقط أن ينبعوا من نبع العلم والمعرفة بل هو يخاطبنا جميعا نساء ورجالا بهاته الآية الكريمة التي تنير دربنا الذي نسلكه وتكون بمثابة الدعم القوي في حياتنا.

مجتمعنا غالبا ما يركز على الجانب الإيماني والديني في تعليم المرأة على أنه الشيء المهم والأهم بالنسبة لها.

كذلك هو شيء صحيح لكن هذا لا يعني أن العلوم الأخرى لا تهمها ولا تنفعها في تكوين فكر سليم لها وفي تنوير أفكارها وفي مساعدتها على تكوين أسرة سعيدة.

فكلما تعلّمت الفتاة شتى العلوم والمعارف من لغات، علوم إنسانية ودينية، آداب وفلسفة، من علوم رياضية وفيزيائية…إلخ من العلوم التي لا تعد ولا تحصى فإن فكرها يزداد ويتسع وتفكيرها يعقل ويرجح، فتزيل كل التفاهات من رأسها وتركز على كل ما يفيدها وينفعها في حياتها.

لكن الكثير ممن قال وسيظل يقول ما فائدة الرياضيات والفيزياء للفتاة، وما فائدة الفلسفة لها!!

ببساطة سأقول لهم إن المنهج التجريبي الذي نستمده من العلوم الطبيعية وإن دقة الملاحظة والتحليل والاستنتاج الذي نتعلمه من الفيزياء وأن المنطق الذي يسير عليه الرياضيون أبدا لا يستهان به. فكل ما ذكرته آنفا سيفي بالعديد من الإضافات في أسلوب تفكيرها، سيعلمها الدقة في تحليل مشاكلها وعدم تقبل كل ما يقال لها فهي كما قلنا تحلل كل ما يقال لها قبل أن تتقبله وتحفظه لديها، هي كذلك ستتعلم منهج الاقناع الذي تسير عليه إذا استوجب عليها ذلك. والعديـد من الإضافات التي تنور عليها حياتها. والأهم الأهم من كل هذا فإن كل ما تتعلمه الفتاة من علوم كفيل بأن يقربها إلى الله سبحانه وتعالى. فكلما تعلمت أدركت وحدانية الله وعظمته في خلق هدا الكون فإذا كانت تؤمن به أصبحت بعلمها مقتنعة كل الاقتناع بوجوده ووحدانيته وعظمته…إلخ من صفات الرحمن.

إذ قال الله سبحانه وتعالى للبشرية كلها وللمؤمنين والمؤمنات من أمة محمد جمعاء: “إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ” فكلما ازددت علما أختي الفتاة ازددت إيمانا بالله وكلما ازددت إيمانا به زادت خشيتك منه سبحانه وتعالى، فإن كثيرا من العلم ما يقربك من الله وقليله ما يبعدك عنه. وقال الله أيضا في محكم تنزيله للمؤمنين والمؤمنات: “يرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ”

فلم تبخلين عليك أختي الفتاة هاته الرفعة المكرمة والمقدسة، أو لم تبخل أنت أيها الأب على ابنتك هاته المكانة المرموقة أو أنت أيتها الأم التي وضعت حدّا لعلوم ابنتك… فإذا لم تحرموها لم وضعتم سقفا واحدا لعلومها؟!!!

إن إعداد امرأة تقية مؤمنة تكون مدرسة لأبنائها وسكنا لزوجها وعمدا قويا لأسرتها التي تملؤها السعادة والمودة والرحمة ليس بالشيء الهين، فذلك يتطلب جهدا كبيرا وصبرا قويا من الأب والأم، فعليهم بالتربية الحسنة الطيبة، وعليهم تعليمها تعليما شاملا.

ويجب على الأم أن تغرس لابنتها حب دور المرأة في بيتها من طبخ وغسيل وتنظيف…إلخ وذلك في بدايات نشأتها، وتعلمها كيف تجعل من البيت أولى أولوياتها وكيف تكون مسؤولة عن المنزل في حضور أمها وفي غيابها، وكيف تقسم أوقاتها وتنظمها وكيف تدير مسؤولياتها وارتباطاتها بحنكة وحكمة، فلا تهمش واجباتها بالمنزل بل توليها اهتماما خاصا.

وعلى الفتاة أن لا تجعل من نفسها عنصرا ثانويا في بناء هذا المجتمع بل بالعكس فهي العنصر الرئيسي والركيزة الأساسية فيه، فإذا ما كانت الفتاة مثقفة متعلمة والمرأة مقدرة لمسؤولياتها ومدركة بأن مهمة مقدسة عظيمة قد وهبت لها هنالك ينشأ جيل عظيم على يدها وتقتل بتربيتها كل المفاسد والأخلاق الدنيئة التي نعاني منها في المجتمع، فتعم الأخلاق الحسنة وكل الخير والأمن والرحمة بإذنه تعالى، وأخيرا عليك لأن تقتنعي أختي الفتاة أنه بالعلم تبنى وترفع الأمم وبالجهل تنحط وتفسد، فالعلم نور والجهل ظلام.

 سارة بن لولو

Exit mobile version