ما الذي يقع في غرداية؟ (الاستثمار في المجهول)

تناولت وسائل الإعلام، بمختلف مستوياتها ومشاربها وتوجُّهاتها، الأحداث الأليمة في غرداية، والتي أودت بحياة أكثر من عشرين مدنيا، جُرِح فيها المئات، وأحرقت مساكن ومحلات وسيارات، ثم أحالت البلد إلى نار وجحيم دائم؛ ولا شكَّ أنَّ توصيف ما حدَث يتكرَّر ويتردَّد بصيغ مختلفة، لكنَّ المؤكَّد هو أنَّ “مساحة المجهول باتت أكبر بكثير من مساحة المعلوم”، وأنَّ الكثير من المتغيِّرات تجمَّعت مثل روافد صغيرة، لتتحوَّل إلى فيضان ماحق، وليس أيسر على المرء من أن يشير إلى “سبب واحد” أو “رافد واحد”، فيحمِّله جميع الشرور، ويزوِّر لذلك الحقائق، ما دام الناس يجهلون أبسط المعلومات، وما داموا على استعداد لتقبُّل أيِّ توجيه وأيِّ فكرة، مهما بدا عوارها وهزالها، وما دامت وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام سلاحا فتاكا يلعب به الصغار.

ما سبب الفتنة؟ وهل هي محلية أم وطنية، أم أنها توجَّه بيد خارجية؟ ما دورُ السلطة الحاكمة، والدولة، والحكومة، وأجهزة الأمن، والعدالة… وغيرها من مؤسَّسات  الدولة، في هذا الشأن؟ وما حدود قيامها بالواجب، وما حدود تقصيرها؟ ولماذا ترِكت الفتنة تتعفَّن إلى أن تبلغ هذا المستوى الخطير؟ ومَن المستفيد منها في الأخير؟ وما مصير غرداية، ومصير صحراء الجزائر، ومصير الجزائر، بعد هذه الأحداث؟ وهل ما نشهده هو بداية أم هو النهاية؟

جميعها أسئلة تتخبط حولها الأخبار، وتختزل في شأنها الآراء؛ والحقيقة أنَّ “تراكم” هذه الأسباب، وعدم معالجتها في أوانها، وغيابَ أدنى صورة للحاضر وللمستقبل، وانعدام أدنى رؤية مجتمعية أو سياسية معقولة؛ ومرور المنطقة بمساوامات سياسوية من “عهد الحزب الواحد”، إلى عصرنا اليومَ؛ كلُّ ذلك أزاح فرص الخروج من المأزق، وطرح بديلا عنها فكرة “طيِّ الذراع”، والتهديد العموديِّ والأفقيِّ في كلِّ منعرج، وأدخلت غرداية في متاهات لا حصر لها.

ولكن، ثمة ثوابت لا نتنازل عنها، ومنطلقات لا نحيد عنها، مهما تعالت أبواق المفسدين، ومهما خلط الأمرَ المرجفون، وهي:

د. محمد باباعمي

المصدر: فييكوس نت

Exit mobile version