متتالية الفتنة في غرداية…

ليس من اليسير تحليل وجهة الأحداث والأيامُ لا تزال حُبلى بالأخبار العاجلة والحوادث النازلة، وربما ليس من الحكمة استعجال الحديث إذ لم تكتمل ملامح الصورة فبعض قطع “البوزل” لا تزال إلى اللحظة مترامية وأخرى ضائعة، إلا أن فتنةً من جنس ما نحياه اليوم في “غرداية” زلزلت القلوب والعقول، وتركت الخلق بين حائر لا يعرف السبيل، ولا يفقه قواعد التحليل، وآخرُ على عتبة اليأس، تتسلل إلى قلبه روح القنوط، وفكرةٌ مفادها حتمية خراب الديار، فجرف الأولَ سيلُ التفاصيل، وانسحب الآخرُ من الحياة مؤثرا حياة الصُّفة على تراصّ الصف… بين هذا وذاك وِقْفة أخرى، وموقف مختلف: يتسم بالإمكان ليس بالهين ولا بالمستحيل؛ شرطه: فتْلُ الصلة بالله، والسؤال عن استفراغ الوسع والطاقة بين يدي ربّ الأسباب…

إن نحن استعدنا شريط الأحداث المتراكبة المتماوِجة منذ حولين كاملين في غرداية؛ فإننا سنُستغرق في أَتُون من التفاصيل والحوادث، وسنُرْدم بركام من الحوادث والأخبار العاجلة المتناقضة؛ إلا أننا حين نفتل صلتنا بالله ونوقن أن ما يحدث ويتسارع ليس ينِد عن إرادة الواحد القهار، وإننا حين نتخذ لأنفسنا مسافة أمان معقولة تفصلنا عن صفحات التواصل الاجتماعي، وسلسلة الأخبار العاجلة الآجلة، ونصمُّ آذاننا عن بوقة الإشاعات المستخِفة الزائفة؛ فإننا سنقف على منطق للأحداث والوقائع يكاد يبلغ مقام “متتالية الفتنة” والأزمة:

1. تخمير الفتنة (Fermenting):

قبل انفجار الأزمة أو تجدُّدها في غرداية بأسابيع تتحرّك في الظلام، وخلف أسدال مسرح الأحداث: أنامل فايسبوكية إلكترونية نسمع حسيسها: تنبش من مزابل الفكر، ومقابر الأفكار فتاوى تكفيرية، وجدلا متفيْقِهًا مضى زمانه، وبدا عُواره، وتبدّت عوَرات أهله، وبالمقابل نلمح أشباحا بشرية تهيم في البلاد وتخمّر فيه الفساد: تنبز هذا، وتقذف قارورة حارقة في مركب ذاك، وتشل حركة السير في الطريق الوطني الأول في البلد…

إنها كائنات بشرية متخصصة في “كيمياء تخمير الفتن” واختمارها، وشياطين (من سوء حظنا أنها لا تصفّد في رمضان إذ الحديث ينص على تصفيد شياطين الجن لا الإنس) دأبَت على مراودة الفتنة من بين أيديها، ومن خلفها، وعن أيمانها، وعن شمائلها…، فهذه الشياطين تملك فنّا كيميائيا عجيبا؛ تستطيع من خلال تعديلات كيميائية في التركيبة الاجتماعية أن تُحِيل عناصر الثراء والتنوع في أمة إلى مستحضرات متفجرة عنقوديا؛ فتحوّل التنوعَ طائفيةً، والتعارفَ تناحرًا…؛ وكلما اشتدت الريح نتانة وعفونة: أدركنا أن ساعة الصفر للفتنة: أزِفت وكُتبت…

المتخصّصون في “تخمير الفتنة” في العالم الإسلامي، اليوم، ليسوا هؤلاء الأراذل من مُدمني المخدرات، وليسوا كذلك أولئك الملثمون الذي يُشيحون على المدينة رداء أكحل كلما هبت ريح التناوش، وليسوا “عرائس القراقوز” من أشباه السياسيين، وأنصاف الإعلاميين…؛ بل كلُّ هؤلاء وأولئك: “جماعة وظيفية” بيد كهنة العصر وعرافيه.

إن إيقاع الأزمة في غرداية: ينبئ أن خلف هذه التفاصيل: كُهّان وعرافاتٌ عصريون دِثارهم: مراكز التفكير، وعنوانهم البريدي: مؤسسات دولية لحقوق الإنسان… تريد أن تجعل من “غرداية” بؤرة توتر في الجسد الجزائري.

2. تصنيع بؤرة التوتر:

بمجرد أن تُقرع طبول الفتنة، وتنفلت من عِقالها، وتستيقظ من سباتها؛ يَهِيم “الملثمون الموظّفون” على بساط غرداية وواديها، ويعيثون فيها ظلما وعتوًّا فتنسحب الحياة من مشهد المدينة، وتكتسي السواد والدخان والدماء، فيستحيل البلد لقمةً سائغة بيد اللاهين العابثين بُرهة من الزمن.

إن الهدف الأساس هو تحويل غرداية إلى بؤرة توتر قلقة مضطربة دائمة، فقد غدت مائدة مفاوضات دسمة: من هؤلاء وأولئك الذي يتكالبون على قصعة الجزائر من بترول وغاز، فالمفاوضات في عصرنا ليست تلك المائدة المستديرة الباردة التي يلتف حولها أصْحاب المصالح تعلوهم ابتسامات صفراء أمام الكاميرات، تحيط بهم الغواني وطيب المأكل والمشرب من كل جانب، بل التفاوض اليوم -من باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب-غدا مرفوقًا ضرورةً: برُقعة جغرافية قابلة للتعفُّن، فقوائم طاولة التفاوض الأربع مخالب ماصة للدماء البشرية، وَوَرَم يستنزف الجسد ويُنهِكه.

من المعلوم طبيا أن التورُّم السرطاني لعضو من أعضاء البدن يستدعي التضحية بالعضو اتقاء تفشي الورم في الجسد كله، فالمريض المقاوم غالبا ما يتقبل بكل أريحية أن تقتطع من جسده قطعة إن كان سيتخلص معها من مرضه وورمه؛ كذلك الحال لبؤر التوتر في جسد الأمم؛ فقد فقِهَ هؤلاء الكهنة العرافون أن اقتطاع وطن، وتشطيره أجزاءَ منفصلةً لا يتأتى إلا من خلال عملية خبيثة تزرع بؤرة التوتر في بدن وطن مريض منهك؛ وكلما ازداد التورم تقيُّحا وبؤرة التوتر استنزافا للوطن بالدموع والدماء؛ فإن أهل البلد سيتقبلون برحابة صدر فكرة تقسيم الوطن: ألسنا نذكر كيف تورّم “دارفور” فاقتُطِع “جنوب السودان”، وكيف تعفنت “عدن”، فتحولت “اليمن” من جمهورية إلى فدرالية مفتتة، وكيف أُثخنت “برقة” بالجراح لتُقدَّد “ليبيا” أقاليم متشاكسة، وكيف زُرِعت بؤرة “بوكو حرام” علّها تُنجب يوما دولة جديدة اسمها: شمال نيجيريا…

إن لم نفقه اليوم أن “غرداية” تحمل في تركيبتها كل مزايا بؤر التوتر من غاز، وغاز صخري، وتنوع اجتماعي، وموقع إستراتيجي، ومعطيات اجتماعية مناسبة لتكون مقصلة تُشحَذ فيها سكاكين تقسيم الجزائر؛ فإننا سنختزل أزمة غرداية في ردود أفعال محلية تزيد الجو تعفينا، والجرح تورما، وسنشارك بذلك عن حسن نية في سايكس-بيكو الجديد.

3. مساحيق طائفية، ومكياج عرقي:

في المرحلة الجديدة لمتتالية الفتنة، ولتغدو الفتنة فاتنةً؛ فهي في أمس الحاجة إلى مساحيق تسر الناظرين، وتلفت نظرات المراهقين فكريا، وفي هذه اللحظة بالذات؛ تعود إلى المشهد أنامل سحرية (الفايسبوك…)، وأبواق إعلامية شريكة في الإثم، مسؤولة عن “تسويق الفتنة”، ولا تجد أفضل عملية تسويقية ربْحا ومردودية من تقديمها على أنها فتنة بين مذهبين: “إباضي” و”مالكي”، وتناطحا بين عرقين: “أمازيغي” و”عربي”، وليس لها من مغنم في هذه العملية التسويقية إلا أن تجعل الفتنة أكثر بهرجة، والمشهد أكثر إثارة (وتقربيعا)، لأن اللغة الطائفية والمنطق العرقي يستوفز عاطفة القريب والبعيد، ويستدرج إلى لهيب الفتنة الحليم واللئيم، ومن آفة الذهن أن اللغة الطائفية والعرقية لغة مختزلة بسيطة مريحة تحول بين الإنسان وتعب الذهن والجهد في التحليل والتفكير…

فن الاستقطاب (Polarisation) القائم على ضميرَي “نحن” وَ “هُمْ”: علم استعماري شيطاني يراود المجتمع عن نفسه، ليصنّف الخلق إما بالطائفة وإما بالعرق…، وبهذا تتحول الفتنة من أزمة محلية إلى مأساة وطنية، ومن ذا يصدّق أن ما يحدث في العراق فتنة بين الشيعة والسنة، وأن الدماء في اليمن صراع بين الحوثي-الزيدي، والسلفي-السني… إنهم لا ينظرون إلى مذاهبكم ولا إلى ألوانكم وأعراقكم، بل كل ما في ذهن كهنة العصر وعرافيه: البترول، والغاز، من تحت أرجلكم…

4. توابل وبهارات: وهَن المؤمن، وجلَد الفاجر:

ولتزداد الفتنة استقطابا والأزمة احتقانا؛ فثمة مزيد توابل بعضها حار والبعض الآخر بارد فاتر: يجعل المشهد أكثر تعفنا: فمن التوابل مشهد الفاجر الجلْد الحركي الديناميكي قبل الفتنة، وأثناءها، وبعدها، يصل أرحام الفساد عنده، ويحرص على عدم انقطاع حبل تفكيره وتركيزه، أما جغرافيته: فلا يحدها شرق ولا غرب، ولا شمال أو جنوب، يلملم قوى الشر والمصالح، ومن الأمثلة على ذلك أنك ترى وجها انتخابيا غريبا عن الرَبع والمنطقة يغادر بريان فجرا؛ فينفجر فيها الوضع ضحى أو عشيا؛ ومهما يكن من أمر فإن هذا المرء يصعب حشره في دائرة الأبرياء…

إلا أن وهن بعض المؤمنين التقاة بهَارٌ آخر يزيد المشهد نتانة وتشنُّجا؛ فتثقف نفرا غير يسير منهم على صلاحهم: ضيقي الأفق، منكمشي العلاقات والصلات، يعززون دون وعي منهم تجبُّر الفاجر وجلَده؛ فعلى سبيل المثال حين تقرأ بيانا لجهة وطنية معنوية في الجزائر كانت مطالبة أن تكون فاعلا خيّرا لا يغمض له جفن حتى تنطفئ بؤرة التوتر في غرداية؛ تثقفها تخاطب أبناء المنطقة (بعلمائها وعقلائها وماضيها وحاضرها) باستعلاء، وتصدّق شياطين الفتنة فتقدِّم ما يحدث في “غرداية” على أنه طبق طائفي صِرف، وأمام هذا المشهد بكل ائتلافاته وتناقضاته: ليس لك من الأمر شيء إلا أن تردّد مع الحبيب المصطفى عليه الصلاة والسلام: «أعوذ بالله من وهَن المؤمن، وجلَد الفاجر».

إنها فتنة تدع الحليم حيران، فدائرة المجهول اليوم أكبر وأوسع من دائرة المعلوم، وليس لنا في أتون الأحداث، ورُكام الأخبار والحوادث إلا الملاذ إلى معايير حدية تُعَد نقطة الاستقرار والقرار:

د.طه كوزي

المصدر: فييكوس.نت

Exit mobile version