بين علماء الطب وعلماء الدين.. إدارة أزمة كورونا أنموذجا

بداية أعترف أن هذه القراءة السطحية أو المقاربة ربما ليست عادلة، وقد أثير بها غضب بعض أصدقائي الأطباء (صداقة صحبة وليست زمالة دراسة طبعا)، لكن لا ضير إن تحملتم شيئا من توهماتي وهذياني؛ سيما في هذا الظرف الذي نمرّ به، لأمرر رسالة لم يطق صدري كبتها وعدم البوح بها، وأنتم من علمتمونا أن الكبت مضر بالصحة النفسية والجسدية. وحق النقد مكفول للجميع.

خلال الأزمة الصحية التي نمر بها نحن المجتمعات المتديّنة، طُلب منا وقبِلْنا أن نلتزم ونسمع من مصدر واحد ووحيد ليسيّرنا فنخرج من الأزمة بسلام، فامتثلنا وقلنا سمعا وطاعة، لأننا قوم مطيعون بالفطرة لكل ساعٍ فيما فيه صلاحنا الدنيوي والأخروي. باختصار لأن القابلية للطاعة مركوزة في نفوسنا، هكذا شأن غالبيتنا ولا مناص من بعض التمرد والعصيان هنا وهناك فتلك طبيعة البشر.

وإذ حوّلنا الأنظار من مركز قياداتنا الدينية والاجتماعية إلى القيادات الطبية الصحية -كما قد فعلنا من قبل مع فقهاء السياسة حين ألمت بنا الأزمة السياسية- هنا صار من حقنا أن نعقد مقارنات في المحتوى المطروح والمنهج المتبع وطبيعة التسيير، بين مختلف القيادات التي جرّبنا معها خُلُق الانقياد وخَبَرنا معها معنى الطاعة. ولا يختلف اثنان أن ميزة المقارنة هي ميزة طريفة حبى الله بها الكائنات العاقلة، تقوم بها حين الجدّ وحين التندّر، لكن نتيجتها واحدة وهي الارتقاء بالوعي وزيادة منسوب التعقّل، فسبحان الله.

مما لاحظته ولاحظه الكثير ممن يساير ويتأمل تطورات هذه الجائحة ومستويات تعاطي المنابر الصحية معها، سيجد لا محالة تمثلات لما وقع ويقع فيه علماء الدين عبر العصور؛ من مطبات تبدو -للمشتغلين بالنقد المتنورين- هفوات قاتلة تستدعي منا طيّ صفحة الدين للأبد، لكن يأبى العقل الرشيدُ التسليمَ بهذا المقترح الساذج، كذلك حين نتحدث الآن عن علماء الطب فلا يُعقل أن يصل إنسان إلى نتيجة مفادها أنهم يقومون بمؤامرة خبيثة ضد البشرية، تستدعي منا تشويه سمعتهم والتنكيل بعلم الطب وطيّ صفحته إلى الأبد، هذا من الخبال غير المطلوب من وراء هذه الملاحظات المطروحة:

تلاحظون منذ البداية وإلى غاية اللحظة، أنني ألتمس الأعذار والمبررات لعلماء الطب وعلماء الدين، ليس منًّا ولا أذى، حاشا عن ذلك، بل لأن علماء الطب المخلصين ينتمون لفئة البشر وحين يمارسون السلطة (هذا المصطلح المكروه في الأوساط) فإنهم يمارسونها بمسوغات الحفاظ على الصحة العامة من أن تعبث بها أيدي غير أمينة؛ تدّعي حق الحرية المطلقة في التفكير والتصرف. تماما كما يعتقد علماء الدين المخلصين حين يمارسون سلطتهم (التي يرونها تكليفا لا تشريفا) خشية وقوع الناس فيما لا تحمد عقباه دنيا وأخرى، ومخافة اختلال ميزان القيم وفقدان البوصلة وإهدار إنسانية الإنسان.

لذلك فليحترم كل أهل تخصصٍ تخصصَ الآخرين، وليسْعَ للانفتاح على من حوله، ويعذر غيره، ويمنح مزيد التواضع والشفافية لمن يسوسهم؛ فكلنا نحتاج لبعضنا البعض، وكلنا ذلك الإنسان، الذي حين يتسيّد فإنه يتسلّط ويبرر لنوازعه الطيبة في تسيير وحفظ شؤون البلاد والعباد، ولله في خلقه شؤون !

ملاحظة: الالتزام بأقصى درجات الوقاية والاحتياط، أمر ضروري جدا وهو ما يدعو إليه المقال.

أ. يحي لطرش

Exit mobile version