كانت السيدة الفاضلة عائشة بنت باحمد خياط (1) امرأة تقية ورعة، صوامة قوامة، تحافظ على صيام الإثنين والخميس من كل أسبوع، وصيام أيام البيض من كل شهر، و صيام شهر رجب (أشهر ن توسارين)، وكانت تدأب على قيام الليل، يحثها عليه حركة صعود جارها الشيخ محمد علي دبوز, في السحر إلى مكتبه في الطابق العلوي من منزله الملاصق لدارها(2)، فتهب لقيام الليل، ساعة قبل الأذان الأول (غيرو)، وكان الشيخ محمد علي دبوز يحترمها ويعزها كثيرا، لما توسم فيها من شدة الصلاح، وصفاء السريرة، وحب الخير. ومن شدة تقديره لها جعلها راعية على زوجته عائشة دبوز(3)، التي أحضرها معه من بريان، لما تزوجها وبنى عليها حديثا، وهي دون الحلم، قام بنفسه تعليمها الصلاة. ونظرا لحداثة سنها، وفراقها والدتها، والبلدة الجديدة التي تدخلها لأول مرة، لا أهل لها فيها ولا قرابة، طلب من السيدة عائشة بنت باحمد خياط أن تراعيها بعين رعايتها.
كان اللقاء الأول بينهما راسخا في ذهن عائشة دبوز. إذ استرعى انتباهها يومئذ، الدهشة البالغة التي أسرت محيا عائشة بنت باحمد، لما التقت بها لأول مرة. فما أن وقع نظر جارتها عليها، حتى انتابتها الحيرة، حين ألفتها فتاة صغيرة.
كانت تسمع أن جارهم الجديد في الثلاثين من عمره، تبادر وقتئذ إلى ذهنها لما بلغها زواجه، أن تكون جارتهم الجديدة أواخر العقد الثاني من عمرها، فاتسعت حدقتاها دهشة، لما ألفتها دون ذلك بكثير. ولم تتمالك أن قالت مخاطبة نفسها في دهشة، وحيرة آخذة بها كل مأخذ، حتى ارتفع كفها الأيمن ليمسك خدها تعجبا وحيرة:
يآه! ماذا فعل الشيخ دبوز! تزوج بنتا صغيرة، مثل ورقة النعناع يجعلها في أنفه(4)!
وكانت عائشة دبوز كلما جاء ذكر جارتها على لسانها، إلا وتذكر قولها هذا، وبسمة الدعابة تشرق من بين شفتيها، وتضيء محياها، وهي تترحم عليها.
عند إنجاز عائشة خياط كافة مشاغل بيتها ضحى، وتقدر توجه الشيخ دبوز إلى معهد الحياة للتدريس، تلج على جارتها من باب ما بين الدارين, فتؤنسها وتزيل عنها وحشة الغربة، بما اتسمت به من بياض الطوية، وجميل المعشر، والكلمة الطيبة، واللسان الحلو، واستأنست عائشة دبوز أيما استئناس بصحبتها، التي تشع حبا وحنانا ورحمة، ودفء روحيا، ولم تعد تجد وحشة الغربة، فوجدت فيها الأم الرءوم الثانية، والصديقة المثالية.
واشتدت أواصر المحبة وتوطدت بينهما، وكانت عائشة دبوز تجد عندها السند الروحي.
لم يكن مجلسهما نهبة لكلام اللغو، ولا لفواحش اللسان وفتكاته، بل تعقدان مجلس تلاوة القرآن في مجلسهما، ثم تتذاكران ما سمعتاه من دروس الوعظ والإرشاد، وتتحفها عائشة خياط بما سمعته من دروس الشيخ بيوض في المسجد الكبير.
وعادة ما تكون عائشة دبوز منهمكة في منسجها، أو في حلج الصوف بالقرداش، أو غزله بالمغزل(5). فتجلس إلى جانبها وراء النول(6)، مشمرة لمساعدتها.
ولم تلبث سواعدهما أن تمتدا وترتفعا، في تمايل وتراقص، بين تعشيق اللحمة(7) في السدى(بأناملهن، على وقع دقات المدرة(9) الشجي، وبين نغمات القرداش العذبة، ورنات المغزل الرنانة. وأناملهما بين الفينة والفينة يصدحن فوق السدى. مرورا فوقها يمينا وشمالا، وهما تقطفان من أفنان التلاوة والذكر، ثمارا جنية، بين خمائل المنسج والصوف.
وكان الشيخ الدبوز يطربه كثيرا اشتغالها بالصوف، بين غسلها، وحلجها، وغزلها، ونسجها. ويحضها دائما عليها.
وكان رؤيته إياها وسط منسجها هي من أمتع لحظاته.
دائما في الضحى، يخرج من مكتبه وقد أنهكه، ليجلس للمجة التمر واللبن، امام منسج زوجته، ليمتع نظره بألوانه الزاهية، ويشنف سمعه بوقع المدرة (طاشا) الشذي.
قال لها مرارا حاثا إياها على خدمة الصوف:
اعلمي يا عائشة، عندما يجتمع صوتان في أذني، وانا على مكتبي، وهما: صوت صرير قلمي، مع صوت دقات مدرتك (طاشة)، أو رنات مغزلك، أشعر نفسي أسعد خلق الله. تملؤني النشوة، حتى أشعر رأسي في عنان السماء.
كان منزله لا يخلو من منسج، قد يجتمع فيه منسجان أحيانا. واحد لقشابية أو جبة الصوف، وآخر لزربية، تتعاون فيه زوجته وبناته: صفية وفتيحة ومسعودة.
عندما يسكت في منزله وقع ودقات المدرة، يرتفع شذو ناي المغزل، ويتبعه صداح القرداش.
أي وقع أطرب وأمتع من هذا!!
حق لرأسه أن تخترق نشوة عنان السماء!
وجدت عائشة دبوز في جارتها عائشة خياط الأمن والطمأنينة، وقت الاستعمار الغشوم، كلما ادلهم عليهم خطب من خطوبه، الذي كان يناوئ ويحارب حركة الشيخ بيوض الإصلاحية، بشتى وسائل من القمع والردع، ويرى فيه وفي كل الطلبة وتلامذته العدو الأول رقم واحد لفرنسا، حتى كان المتزلفون والمتملقون إليها، إذا أرادوا مدح أنفسهم، وتحسين صورتهم للضابط الفرنسي يقولون: ( يا سي الكولونيل، ما عدناش كاع طالب في عايلتنا)(10).
سيما لما هاجم الاستعمار الفرنسي المقيت القرارة الطاهرة، أواخر أكتوبر 1961(11), تتبعا واقتفاء خطى وآثار المجاهدين، لما أبلغهم الوشاة وجودهم في القرارة. ومما زاد في خطب مهاجمتهم حدة وتأزما، أنهم اتخذوا من السقيفة الرحبة الطويلة، التي تحت ديار آل الخياط مقرا لإقامتهم وطبخهم ومبيتهم، كانت تضج بهم ضجيج ذباب الخريف على التمر.
وقد أجبر قايد القرارة السكان على ترك أبواب منازلهم دائما مفتوحة مشرعة، من الفجر إلى هزيع الليل، لاقتحامها ومداهمتها عنوة، تفتيشا عن المجاهدين وعن السلاح، وعبورا إلى الديار المجاورة، ليتسنى لهم ملاحقة المجاهدين ومحاصرتهم. إذ كانت المنازل مترابطة بمنافذ بينها كلها، يسهل للنساء التنقل بينها دون أبواب المنازل.
وطوقت القرارة بكتائب الجند الفرنسي الحقود، وأحيطت بالمدافع والدبابات، وأخليت من السكان، فضربت عليهم الأسلاك الشائكة في ظاهر المدينة، وأحيطوا بالمدافع الرشاشة وبالدبابات، وبنطاق من الجند المسلح! فهجم الجند الفرنسي المسعور على المدينة، ليقبض على خلية جبهة التحرير فيها، وعلى جند جيش التحرير، الذين قال لهم جواسيسهم إن القرارة صارت من مراكزهم في الجنوب، وليملأوا أيضا جيوبهم، وعرباتهم، وسيارات نقلهم، ويطفئوا أحقادهم في القرارة التي يرونها أكبر منبع للإصلاح الديني في الجزائر، ومنبع اليقظة في منطقة “النفط” الأثيرة.
ساقوا كل الرجال، وقد اخرجوهم من أسرتهم عنوة وقهرا، لم يمهلوهم حتى ان يرتدوا ثيابهم، وساقوهم بثياب نومهم سوق النعاج، إلى المحتشدات خارج البلدة. ولم يبق في البلدة إلا النساء، واشتدت الوطأة واستحرت عليهن، ودوي وقع جزماتهم العسكرية، التي تكاد تهد أسطح منازلهن، تقصف آذانهن، فتثير الهلع في نفوسهن، حتى بلغت قلوبهن الحناجر، سيما في سقيفة آل خياط، حيث الجنود يعربدون ويصخبون. فوجدت عائشة دبوز السلوى برفقة صديقتها عائشة خياط، وأزاحت عنها وحشة الغربة في ذلك الوقت العصيب، ، الذي يهرع فيه كل عشير نحو قرابته وفصيله.
صهرت محنة حصار القرارة وبناتها من المحن، وما أكثرها تحت نير الاستعمار، وشائج المحبة وأواصر الألفة، بين عائشة خياط وعائشة دبوز. حتى كان لا تقوى إحداهما على طول الغياب عن حبيبتها. وامتد الجوار بينهماعشرين سنة، حتى انتقل الشيخ دبوز للسكن في الجهة الغربية من القرارة سنة 1968. وما زال إلى الآن تعرف وتسمى تلك الدار التي استأجرها من آل خياط (دار دبوز)، ورغم بعد الشقة بينهما، كانتا تتزاوران بين الحين والحين. كلما اتقدت جذوة الشوق بينهما.
وكان الشيخ دبوز ينتقل في العطلة الصيفية بأسرته إلى بريان. فيشتد شوق عائشة القرارية إلى عائشة الريانية. فتترقب سفر أحد إخوتها إلى غرداية للتبضع لمتجرهم، وتتشبث به، بغية زيارة حبيبتها في بريان، ريثما يعود من التبضع. فيعرج لإرجاعها.
تارة تأتي بصحبة شقيقها الحاج إبراهيم(12)، وتارة مع شقيقها الحاج محمد (13).
وكان الشيخ دبوز يطلب منها كل الحين أن تمده بدعواتها، في صلواتها وخلواتها، للعون والسداد والتوفيق في تأليفه. لما توسم فيها من التقوى والورع، والصلاح والفلاح.
ذات صيف زارتها في بريان رفقة أخيها الحاج محمد بن باحمد خياط، فغمر الفرح والبهجة كل الأسرة صغارا وكبارا، وقد استحر واشتد شوقهم إليها، فالتفوا حولها، والفرحة الممتزجة بحلاوة الحب تطفح من وجوههم.
مر الوقت سريعا. لم يلبث أن فاجأهم نداء أخيها الحاج محمد إياها، للعودة إلى القرارة، فتشبثت بها كل الأسرة، متوسلة منه أن يدعها معهم في بريان، ليشفوا منها غليلهم من الحب والإعزاز، ريثما يعود للتبضع مرة أخرى. فوافق بعد تلكؤ، لشدة تشبثهم بها.
وكان الشيخ دبوز يومئذ في القرارة، مختليا ومتفرغا لتأليف سلسلته نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة. وكان يشكو صعوبة العمل من عدة جوانب في الموضوع، كلما حاول تذليل عقبة بحثية مستعصية؛ إلا ويجدها قد استحكمت صعوبتها في جهة أخرى، وأساس صعوبة عمله أن المادة العلمية لكتبه ليست موجودة في الكتب والمصادر المطبوعة، فيسهل عليه اعتمادها، بل هي في صدور العلماء والمشايخ، وأبطال أحداثها، عليه عقد العديد من الرحلات في القطر الجزائري وخارجه، شمالا وجنوبا، شرقا وغربا، حاملا معه آلات التسجيل والتصوير، وعليه أن يتسلق معاقل الثورة في الأوراس وجرجرة، وغيرها، ليروي ويسجل تاريخ ثورة الجزائر المقدسة من قادة جبهة التحرير مباشرة، ثم عليه نقل هذه الروايات الشفهية من أشرطة الصوت إلى دفاتره، وهي من أصعب مراحله مع تأليف كتابه، ثم يشرع في الدراسة والتحليل والنقد والتأليف.
وكثيرا ما يعاود الاتصال برواته، لاستفسارهم في العديد من نقاط شهاداتهم التاريخية، يقصدهم في مقر إقامتهم مرة أخرى، مع شح وسائل التواصل، سيما النقل العمومي، وانعدامها في بعض الجهات، لا يتوصل إليهم إلا بالحمير والبغال. مثل معاقل الثورة بين الجبال الشاهقة الوعرة، وبعض الدشرات المنعزلة. ناهيك أنه لم يكن يتوفر لديه سيارة، لتسهل عليه رحلاته العلمية.
كان عمله شاقا جدا، لكنه أدرك وتيقن أن المنجى من صعوبته هو فيض توفيق الله ـ سبحانه وتعالى ـ، ومدد عونه وسداده وتيسيره. ويعتقد في قرارة قلبه، أن خير العدة والعتاد هو الدعاء عموما، و والدعاء بظهر الغيب خصوصا. إنه دعاء المسلم لأخيه في غيبته. إنه خير عدة، وأحسن عتاد، وأقوى سند، وأفضل معين.
فلم يكن يكتفي بالدعاء في صلواته وخلواته، وعند الجلوس إلى مكتبه وقبل مغادرته، رافعا كفي الضراعة والابتهال، راجيا العون والتيسير، بل كان يطلبه من كل مشايخه، دوما وأبدا، مشافهة ومراسلة، عندما يشتط به السفر في القاهرة أو دمشق. أن يعينوه ويشدوا أزره بفيض دعواتهم، ولا يقتصر بهم، بل ويطلبها من كل الصالحين وكل الصالحات الذين بعرفهم.
إذ يبعث للصالحات، ممن يعرفهن، وتوسم فيهن الصلاح والفلاح، مثل والدة الشيخ بيوض، السيدة عائشة بنت كاسي أولاد بوهون, والسيدة بية بنت الحاج مسعود الحاج مسعود، كبيرة غسالات القرارة. والسيدة عائشة بنت بوكر, والسيدة عائشة بنت الحاج الناصر جهلان، كبيرة الغسالات، والسيدة العطرة، زوجة الشيخ أبي اليقظان، والسيدة عائشة بنت الشيخ الحاج عمر بن يحي ويرو (امليكي)، والسيدة مامة بنت حمو, (والدة صالح باحماني الفلاح بناحية الشيحية)، الصديقة الحميمة لعائشة دبوز، وغيرهن، وكلهن من بلدة القرارة الغراء، بلدة العلم والعلماء.
وممن كان يقصدها بطلب الدعاء له بظهر الغيب، عائشة بنت باحمد خياط. سيما لما استفحلت صعوبة البحث في وجهه تلك الصائفة، أرسل إليها وهي في حضن أسرته ببريان، يطلب منها فيض دعواتها للعون والسداد. فعزمت أخذ طلبه الروحاني بعين الاعتبار.
عند الثلث الأخير من الليل والنجوم المشعة المتلألئة، كأنها لؤلؤ منثور على أديم السماء، ونسمة آخر الليل المنعشة تغري على النوم، والناس نياما على الاسطح، تحت بساط النجوم المتلألئة الزاهية، تجافى جنب عائشة خياط مضجعها، فهبت لقيام الليل كدأبها، وبدأت تتضرع وتبتهل في صلاتها بكل إيقان وخشوع، حتى علت ابتهالاتها، المنبثقة من أعماق قلبها، يفصح عنها جلية سكون الليل، حتى أيقظت عائشة دبوز، ربة المنزل، فرفعت رأسها، وأصخت سمعها، فسمعتها تتضرع والدموع تخنقها، أن يمد الشيخ دبوز التوفيق في عمله، وأن ييسر له ما عسر عليه، ويبدله العسر يسرا، والصعب سهلا، والبعيد قريبا، والمستحيل ممكنا.
دامت في قيامها وابتهالاتها حتى أذن الفجر.
ولما علا الضحى بعثت إليه رسالة إلى القرارة.
يقول الشيخ دبوز: بينما أنا في معمعة التأليف، غارقا في لجته، إذ الباب يدق، فتسلمت رسالة من بريان، فتوجست شرا، أن يكون قد أصاب أسرتي مكروها، فانقبض قلبي، مخافة حدوث ما يزيد لعملي صعوبة، ويعوقني عن اتمامه، وقد أمضيت فيه أياما عديدة جدا، لم أفلح في إنجازه. وما زال العمل فيه شاقا، كأنه جبل شاهق أمامي لم أقدر تسلقه بيسر، ففتحت الرسالة بيد مرتعشة، ما أن وجدتها من السيدة عائشة بنت باحمد خياط وقرأت دعواتها، حتى انشرح صدري، وانسابت الطمأنينة في وجداني. فتبدد ما حاك في نفسي. وجدت في دعواتها لي للعون والتيسير، القوة والمدد. فشعرت وكأني قد خرجت من عقال، فانطلقت في عملي بهمة ونشاط قويين غريبين، فاض بهما كل وجداني، وسرى في سائر أحاسيسي وأطرافي، كأنني فرس سبق، أطلق عنانها في الحلبة. كنت من قبل، كمن يسير وعلى عاتقه حمل ثقيل جدا، حتى هد كاهله، لا يقوى السير به إلا الهوينى، انزاح عن عاتقه فجأة، فانطلق سريعا يسابق الريح، كذلك كنت.
فأقبلت على التأليف إقبالا شديدا، كأن بصحبتي عشرة كتاب يشدون من أزري، فلم تغرب عين شمس ذلك اليوم، حتى أنجزت كل عملي، وأتممت كل ما تعسر علي منذ أمد. وكنت أحسب أني لن أتمه تلك الصائفة. لشدة استعصائه. ولكنها من معجزات الدعاء بظهر الغيب.
وختمت عائشة دبوز (والدتي رعاها الله وأمد في أنفاسها الغالية) قصتها بقولها، وهي تلوح بيدها تأكيدا، وتهز رأسها تأثرا: منذ تلك الليلة، تلمست فضل قيام الليل، وتأكدت من عوائد الدعاء بظهر الغيب.
فقد ثبت عن سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم- قال: “دعوة المرء المسلم لأخيه المسلم بظهر الغيب مستجابة, عند رأسه ملك موكل كلما دعا لأخيه بخير’ قال الملك الموكل به: آمين ولك المثل.” أخرجه مسلم في صحيحه برقم:[2733]”.(16)
(انتهت)
الهوامش:
(1)- السيدة عائشة بنت باحمد بن سليمان بن حمو بن صالح خياط، تنتسب إلى إحدى كرائم عائلات القرارة وهي عائلة خياط. التي تعرف بحرصها على عمارة المسجد، وعمارة مجلس التلاوة بين العشائين، وحرصهم على استظهار كتاب الله. لهم دور كبير في الحركة الإصلاحية بالقرارة، كان سراتها من أعضاد الشيخ بيوض رحمه الله، سيما الحاج إبراهيم بن باحمد خياط. ضربوا المثل في التجارة الرابحة، أفادوا عشيرتهم وبلدتهم في أكثر من صعيد، وما زال رجالهم أفذاذا في مجتمعهم، وفي مجال الميدان الخيري. توفيت عائشة بنت باحمد رحمها الله في شهر جانفي سنة1980. من اولادها السيد الفاضل المجاهد ابسيس محمد بن عمر المعروف باسم (كوميصار)، صورته هي التي على الجهة اليمنى، تشير إليه ابتسامته العريضة، وهو مثال للرجل المجاهد. و مضرب المثل في عمارة المسجد. يمتاز بالصفاء وحب الخير والمبادرة للقيام به، ويشتهر بابتسامته المشرقة التي تملأ وجهه وتضيئه، إنها أول ما يستقبلك به. يبادر لعمل الخير ويقصده أينما سمع به، سيما في مسجد القرارة. حفظه الله وبارك فيه وفي ذريته.
ومن أبنائها أحمد بن عمر أبسيس كوميصار (الضرير) رحمه الله، وشقيقه يوسف بن عمر أبسيس كوميصار.. والسيدة عائشة بنت باحمد خياط، هي شقيقة السادة الأفاضل: الحاج إبراهيم عضو في حلقة العزابة، والحاج محمد والحاج حمو. والحاج سليمان خياط. كلهم يمتهن التجارة. يتسمون بالتقوى والورع وحب الخير. يحافظون كل المحافظة على عمارة المسجد ومجلس التلاوة فيه. خلفوا العديد من الأبناء والبنات. وهم القمة في الصلاح، دورهم فعال في خدمة مجتمعهم. وقد كانوا من أكبر أعضاد الشيخ بيوض في حركته الإصلاحية. عاضدوه بأموالهم وأرواحهم وعتادهم وشاحنتهم، التي تعتبر أول شاحنة تملك في القرارة. وهم من كبار أعيان القرارة. كان متجرهم قبلة القصاد. تغمدهم الله برحماته وبارك في أولادهم وكافة حفدتهم وكل أسباطهم. إنها شجرة طيبة مباركة، عائلة (آت الخياط)…
(2)- اعتاد الشيخ محمد علي دبوز أن يقوم في السحر، ويجلس إلى مكتبه للكتابة. لانه متيقن أن العمل في السحر فيه بركة وفضل كبير، يعمل فيه أضعاف ما يمكن ان يعمله في المساء. وإن أغلب كتاباته حررها في السحر. وكان يوصي تلامذته بالقيام في السحر لطلب العلم، قائلا لهم: عليكم بالفرس الأدهم، والفرس الأدهم الأسود. إنه أكثر الجياد عدوا وسبقا.
(3)- هي: عائشة بنت الحاج إبراهيم بن عيسى دبوز. ولدت سنة 1940. وهي أم أولاده. تزوجها الشيخ دبوز بعد وفاة زوجته الأولى السيدة عائشة بنت الحاج صالح دبوز، وهو في القاهرة مرابطا فيه لطلب العلم. وهي أم ابنه البكر الحاج عيسى. تزوج زوجته الأخيرة صغيرة، حيث علمها بنفسه الصلاة. وهي بنت خالته. تمتاز بشدة الورع والتقوى وحب العلم حبا جما. كانت تطلب من زوجها ان يعلمها العلم، كما علمها الصلاة. فيرد عليها موضحا: يا عائشة اعلمي أنك باهتمامك بي، وبمنزلك وأولادك؛ لك عند الله تعالى نصف الاجر الذي لي من خدمة العلم.
ولكن حبها الشديد للعلم لم يقعدها عن طلب العلم رغم كبر سنها. وبعد وفاة زوجهاسنة1981 دخلت أحد مراكز محو الأمية، وثابرت على طلب العلم حتى كانت المبرزة في قسمها. وأصبحت تجيد القراءة والكتابة وتتقنهما. وأصبح بمقدورها أن تقرأ كتبا من مكتبة زوجها، وتبلغ ماكانت تطمح إليه منذ صغرها. ولم يكن في زمن طفولتها مراكز لتعليم البنات. -حفظها الله ورعاها-. إنها حاليا تملأ حياتها بالذكر وتلاوة القرآن والتسبيح والاستغفار.
(4)- هذا التعبير الأدبي المجازي سمعته مرارا في حديث آل القرارة الافاضل. للكناية عن الشيء الصغير الجميل المستعمل من قبل الأكبر. وهناك من يعبر بهذا المعنى بقوله:( اتيدج د لعرف ن نعناع طامزوغتس).
(5)- النول هي آلة المنسج بكاملها.
(6)- المغزل هي العصى الرقيقة في حوالى 30سنتم. وتعرف ب(أزدي) ويغزل به الصوف بعد حلجه بالقرداش على شكل أصابع. فيغزل بها حتى يصبح خيوطا رقيقة من الصوف.
(7)- اللحمة هي خيوط المنسج التي توضع فيه على عرضه. التي غزلت بالمغزل وتعرف ب(أولمان).
(8)- السدى هي خيوط المنسج التي على طوله وتعرب ف (أوستو).
(9)- المدرة هي المشط الحديدية التي في مقبطها خشبة دائرية. وهي التي يدق بها اللحمة لتتشابك مع السدى. تعرف ب(طاشة).
(10)- هو من حديث الشيخ بيوض سنة 1965. مع الشيخ محمد علي دبوز في إحدى جلساتهما لتسجيل تاريخ القرارة والحركة الاصلاحية.
(11)- وقع حصار القرارة في شهر جمادى الثانية 1381 أواخر أكتوبر1961.
(12)- وهو الذي بلباس العزابة ذو اللحية البيضاء، في الصورة.
ولد الحاج إبراهيم بن باحمد بن الحاج سليمان بن حمو بن صالح خياط بالقرارة في يوم السبت 29 صفر 1325هـ، الموافق ل13 أفريل 1907م (ح.م 1908م) والدته هي السيدة الحاج عاشور لالة بنت حمو بن عمر. توفي والده باحمد -الذي كان عضوا في حلقة العزابة- سنة 1921 جراء الوباء الذي أصاب القرارة حينها, جدّه الحاج سليمان من مواليد 1834، تزوج من السيدة فافة بنت الحاج مسعود (1840-3/05/1912).
بدأ الحاج إبراهيم دراسته القرآنية – وعمره لا يتعدى أربع سنوات- عند السيد بولدون إسماعيل بن يحكوب. وبعد سنتين انتقل إلى السيد عدون بن حاج إبراهيم بن باحمد. ثم درس عند الشيخ قرقر محمد بن ابراهيم الطرابلسي (15/01/1887-25/12/1948) وعند الشيخ بكير بن كاسي في دار الشيخ أبي اليقظان. ومنه انتقل إلى معهد الشيخ حميد أوجانة الحاج إبراهيم بن كاسي (الإمام) (ت1921). ثم إلى الشيخ أولاد عافو عافو بن الحاج إبراهيم (1893- 10/05/1941)، وعند الشيخ الحاج عمر بن يحي المليكي (1858- 08/06/1921) ولما توفي التحق بمعهد الشيخ بن عمر الحاج عمر بن حاج مسعود (1893- 27/08/1938)، وعليه استظهر القرآن الكريم وعمره 14سنة، بعدها انتقل إلى معهد الإمام الشيخ إبراهيم بيوض (معهد الشباب). وكان فيه من الطلبة المبرزين الأوائل، تلقى تكوينا جيدا في العلوم الشرعية والعلوم الأدبية. له مقالات عديدة بتوقيع “أبو حاتم “، في (مجلة الشباب)، التي يصدرها طلبة المعهد. وكان أيضا من جماعة (إخوان الصفاء) بالمعهد.
تزوج بابنة عمه سنة 1924م، فلما توفيت تزوج سنة 1929 بابنة السيد الحاج عشور موسى، فأنجب معها 4 ذكور و5 إناث.
كان أكبر إخوته؛ تحمل مسؤولية عائلته بعد وفاة والده، فاعتمد على الله في إعالة أسرة يتيمة فقيرة، ثم على أمه المصون الفاضلة، التي انكبت على آلة الخياطة لتسترزق بعض النقود، نفقة على أيتامها. ونظرا للظروف المادية القاسية، توجه للعمل في وارجلان سنة 1929، فبدأ كشريك بعمله وجهده، ومنها توجه إلى بسكرة سنه 1936م، حيث امتلك بها دكانا لوحده، ومنها انتقل إلى حسين داي بالعاصمة، ثم إلى باب الواد، فأقام بها شركة تجارية، جمع فيها إخوانه فنجحت تجارتهم، فتوسعت إلى وارجلان والقرارة سنة 1966 وإلى الحراش، وعمل شراكات مع تجار آخرين؛ حيث تأسست شركة عمر بن بكير الحاج مسعود، ومن معه بباب عزون سنة 1947. كما قدم مساعدات مادية و تقنية للآخرين، في إنشاء حركات تجاريه، عرف بكثرة الأسفار والرحلات داخل الوطن وخارجه، زار عدة بلدان عربيه وأوروبية (السعودية، عمان، الأردن، فلسطين، سوريا، تونس، مصر، ليبيا, فرنسا, إسبانيا، سويسرا، وغيرها وخاصة إلى الحج والعمرة. وخلالها تعرف على الكثير من العلماء والشخصيات، وربط معها علاقات طيبة.
يعتبر من أعيان البلدة الكبار، ومن أعضاء جمعية الحياة، وعضوا ناشطا في عشيرته (أولاد كاسي بن الناصر). أنفق أمواله في خدمة المشاريع الخيرية من بناء المساجد والمدارس القرآنية وغيرها (طالع المقال المرفق).
أشاد به الدكتور محمد بن صالح ناصر بربوشة -حفظه الله – ( كتاب ذكرياتي و مذكراتي, 1/182) ،بمناسبة عرس ابنه أحمد الهاشمي وابن أخيه مصطفى سنة 1958، بدور العائلة في الحركة الإصلاحية، و أشار في قصيدته إلى ذلك بقوله :
و إذا عزمتم للبناء مدارسا … فسلوهم تجدوا الدراهم سيلا
فصفّق الحضور لهذا البيت فما كان من أصحاب العرس إلاّ أن تبرعوا بمليون فرنك لمشروع بناء مدرسة الحياة و ذلك المبلغ ليس بالقليل في ذلك الوقت .
انضم إلى حلقة العزابة يوم 17 رمضان 1383هـ/31 جانفي 1964م عند استقراره بالقرارة. وظيفته فيها هي تجهيز الموتى. وقد كان يمارسها لما كان يشتغل في العاصمة. وكان مثاليا في حضور الجنائز لا يتخلف عنها مهما كان الأمر ولو كان مريضا.
كان ممن يعمر مساجد الله أينما حل وارتحل لا تفوته صلاة مع الجماعة إلا نادرا ، شغوفا بحضور مجالس العلم في القرارة وخارجها. يسجل كل درس يلقى في المسجد من دروس الوعظ والإرشاد، من قبل المشايخ، وخاصة دروس التفسير للإمام الشيخ ابراهيم بيوض.
يمتاز بالجدية في العمل، لا يعرف الكسل والراحة، ويمتاز بالتواضع وحسن العشرة، وحب الخير، يساعد المحتاجين، مؤمنا أن ما ينفقه، يخلفه الله تعالي في حينه، بل يضاعفه أضعافا. أحسن في تربية أولاده وأبناء إخوته، ولا يتسامح معهم في حالة المخالفات الأخلاقية، ولا يتهاون في التقصير في العادات والتقاليد.
كان يعتقد أن سر نجاح الشركات التجارية هي: الصفاء و الطهر والإخلاص والعمل والاستقامة والشجاعة وعدم التعامل بالربا والحرص على إقامة الصلاة جماعه وإيتاء الزكاة .
عمل في الثورة التحريرية، مكلفا بجمع الاشتراكات والأموال وإحضار المئونة لإخوانه المجاهدين.
توفي رحمه الله تعالى في مستشفى القرارة، بعد مرض الربو العضال الذي لازمه حوالي عشرين سنة وذلك يوم السبت 01 شعبان 1410هـ / 23 ديسمبر 1995م, ترك مكتبة ثرية تحتوي خاصة على كتب الشريعة وأشرطة مسجلة في الوعظ والإرشاد منها أشرطة في تفسير القرآن الكريم للإمام الشيخ ابراهيم بيوض.(نقلا من منشور قيم للاستاذ أحمد بن صالح).
من أولاده: الحاج أحمد الهاشمي، والحاج صالح وغيرهم من أبنائه الامجاد. من ذريته المباركة الأستاذ عبد الله بن الحاج الهاشمي بن الحاج أبراهيم خياط. النائب في البرلمان الجزائري.
(13)-وهو الذي في أعلى الصورة يمينا، لابسا العمامة البيضاء. التحق بهيئة العزابة بالقرارة سنة1990، ودام فيها إلى وفاته. توفي يوم الجمعة 16 شوال 1423 يوافقه 20 ديسمبر 2002، وهو والد الحاج عمر بن حاج محمد توفي يوم 04/08/2020 والثاني أحمد بن حاج محمد توفي يوم 27/07/2020و الثالث بشير بن حاج محمد توفي يوم 29/06/2020 رحمهم الله. تغمدهم برحماته الواسعة، وألحقهم بوالديهم في جنات النعيم – إن شاء الله- وغيرهم من أبنائه. ومن أبنائه عيسى الذي على قيد الحياة. بارك الله فيه وفي ذريته..
(14)- الصورة التي من الجهة اليسرى، تحت صورة الحاج إبراهيم هي صورة شقيقهم الحاج حمو بن باحمد بن الحاج سليمان خياط. توفي يوم 14 محرم 1404 يوافقه20 اكتوبر 198. رحمه الله تعالى.
(15)- يظهر في الصورة الرابعة جزء من سقيفة آت الخياط. حيث اتخذها الاستعمار الفرنسي في حصار القرارة سنة1961 مقر إقامتهم ونومهم. ويوجد في وسطها المنزل الذي كان يسكنه الشيخ محمد علي دبوز مدةعشرين عاما 1948/ 1968. حتى عرف ب (دار دبوز).
ويظهر في هذه الصورة السيد الحاج إبراهيم بن باحمد خياط رحمه الله واقفا فوق السيارة. وهو يعلن نتيجة فوز الشيخ بيوض في انتخابات المجلس الجزائري، التي جرت في أفريل 1948م، متجولا فوق شاحنته مدينة القرارة.
أشكر جزيل الشكر الأستاذ الحاج حمو بن سليمان بن الحاج حمو خياط لهذه الصور الذي بادر بأرسلها، ولم يتأخر كثيرا بعد طلبي إياها. جزاه الله خير الجزاء. وبارك فيه وجعله خير خلف لخير سلف.
(16)- صحيح مسلم, برقم:[2733]” أكدت الصحابية الجليلة أم الدرداء ـ وهوعبد الله بن صفوان ـ أن هذه الدعوة مستجابة, فعن عبد الله بن صفوان رضي الله عنه قال: قدمت الشام’ فأتيت أبا الدرداء رضي الله عنه في منزله, فلم أجده ووجدت أم الدرداء رضي الله عنها, فقالت: أتريد الحج هذا العام؟ فقلت: نعم. قالت: فادع الله لنا بخير, فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: ” الحديث… قال الإمام النووي: “وكان بعض السلف إذا أراد أن يدعو لنفسه يدعو لأخيه المسلم بتلك الدعوة, لأنها تستجاب, ويحصل له مثلها”.
بقلم: دبوز بيوض إبراهيم بن محمد علي.
مقتبسة من كتابي:
(الشيخ محمد علي دبوز بين نظامه في المنزل وروافد إنجازاته، الذكر والدعاء نموذجا).
