حرمة شهر رمضان بين تقديس العادات وتدنيس العبادات

يعد شهر رمضان من أعظم الشهور في الإسلام، حيث يجتهد المسلمون في الصيام، والقيام، وتلاوة القرآن، والبعد عن المعاصي والذنوب، فهو شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النار.

إن شهر رمضان لم يُفرض على المسلمين إلا لحكمة عظيمة، فالغاية الأساسية من رمضان هي تحقيق التقوى، وهي الامتثال لأوامر الله واجتناب نواهيه، والارتقاء بالروح، والتقرب إلى الله تعالى من خلال الصيام والقيام وتلاوة القرآن وسائر الطاعات. وقد بيّن النبي ﷺ فضل هذا الشهر فقال: “إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار، وصفدت الشياطين” (متفق عليه). وهذا يدل على أن رمضان فرصة عظيمة للتوبة والعبادة، وليس للهو والترفيه الذي يبعد عن ذكر الله.

إن رمضان هو شهر القرآن، حيث قال الله تعالى: “شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان” (البقرة: 185).

إلا أن هناك عادات و ظواهر دخيلة أصبحت تترافق مع هذا الشهر بشكل مخيف و ممنهج بحيث تفسد قدسية هذا الشهر وتلهي المسلمين عن المقصد الشرعي الذي شُرع من أجله. فقد أصبحت مهمة القنوات الفضائية وكذا كل وسائل الإعلام والإعلانات تحويل هذا الشهر إلى موسم درامي وترفيهي واستهلاكي، حيث يتسابق المنتجون في تقديم المسلسلات والبرامج الترفيهية، و كل هذا سعيا من أصحاب هذه الأجندات لإفساد صيام الصائم دون أن يتفطن هذا الأخير لذلك –لعدم وعيه- وكذا نشر الفساد والتفسخ الأخلاقي، فمعظم المسلسلات التي تُعرض في رمضان تتضمن أمورًا تخالف تعاليم الإسلام، مثل: الملابس غير المحتشمة والمشاهد المثيرة التي تثير الشهوات، في وقت يجب أن يُحافظ فيه المسلم على قلبه من الفتن. وقد قال النبي ﷺ: “إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت” (رواه البخاري).

ومن البدع أيضا أن بعض القنوات تروج لفكرة أن رمضان هو شهر “الضحك والتسلية”، فتكثر البرامج الكوميدية والساخرة، مما يفقد الشهر معناه الروحي، بل ويجعله أشبه بموسم ترفيهي بدلاً من كونه موسمًا للعبادة والتقرب إلى الله. قال الله تعالى: “أفحسبتم أنما خلقناكم عبثًا وأنكم إلينا لا ترجعون” (المؤمنون: 115).

كما تكثر في رمضان عروض الاتصالات الهاتفية والانترنيت المجاني طوال الشهر، ظاهرها تخفيضات بمثابة الصدقات وقد يستعملون صورا ذهنية و أفكارا دينية من قبيل “صلة الرحم، وتقوية الروابط” لتشجيع الناس على التواصل مع العائلة والأصدقاء، لكن باطنها إشغال المسلمين عن تلاوة القرآن وصلاة النافلة والتراويح وقيام الليل ..الخ.. كأنهم يبذلون كل السبل التي تغري الناس وتمنعهم عن التفرغ للعبادة ، ولا تخفى أجندة كهذه على عقل اللبيب.

لقد أراد الله أن يكون رمضان شهر التوبة والتقرب إليه، لكن الإعلام حوله إلى شهر الترفيه والتسلية و الاستهلاك والانحلال . لذا، على كل مسلم ومسلمة أن يدركوا خطورة ما تبثه القنوات، وأن يسعوا إلى حفظ أوقاتهم من الضياع.

ومن جهة أخرى فقد أصبح شهر رمضان شهر الشهوات والاستهلاك بلا منازع والعياذ بالله. وأصبح تنافسا على التربح بين التجار وسباقا للتسوق والتفاخر وبين العامة، فمن تجديد لطقم الأواني كل سنة لتخزين اللحوم والخضار والتنازع على الحليب و حتى تحضير التوابل . كما أصبح عدم وضع أكلتين أو ثلاث على أقل تقدير إخلالا بنظام الشهر الحنيف؟ ولا ضرر لو تعبت المرأة في تحضير قائمة مأكولات تفوق الحاجة بكثير وتصل إلى الإسراف والتبذير (تذهب بكل معنى للإحساس بالفقير و بكل محاولة للتحكم بالشهوات) فيتم إقناعها بانها مجاهدة في سبيل الله لأنها تخدم أسرتها- وأي خدمة هذه و هي تضيع فرصتها في التعبد و التهجد…

للأسف .. حل تقديس العادات محل تقديس العبادات .. لدرجة أن الناس قد ينكرون على شخص ما التقشف والزهد في رمضان ويعتبرون عدم التحضير له في المأكل والمشرب من قبيل عدم تعظيم الشهر؟ وقد يرمونه بالبخل والكسل ، وإن امتنع أو رفض الزيارات نأيا بنفسه عن القيل والقال وخوفا من الوقوع في اللغو أو الغيبة والنميمة المصاحبة للتجمعات والسهرات “الرمضانية ” قالوا ثقيل ظل أو قاطع رحم…

أي عادات هذه وهي تبعدنا عن تعاليم ديننا الحنيف. فبدل تخصيص وقت لعبادات خاصة ، أصبح لوصفات وأكلات معينة. وبدل قضاء الليل في التعبد والتلاوة والتهجد، أصبح في أحسن الأحوال لقضاء السهرات العائلية المصحوبة بما هلك الجسم من حلويات و ضيع الوقت من لغو الحديث وأظلم الروح بسبب عدم تعظيم شعائر الله..ناهيك عمن يقضيها متنقلا بين القنوات..فأصبحنا بالإضافة لعدم اغتنام الحسنات ..نقترف السيئات ولا ندري بعد ذلك هل صيامنا ما زال صحيحا …وربما قد لا يخطر ذلك ببال أحدهم من الأساس . وفي هذه الحالة قد نخرج من رمضان كما دخلناه وربما أسوء ..قال النبي ﷺ:”رغم أنف رجل دخل عليه رمضان ثم انسلخ قبل أن يُغفر له” (رواه الترمذي وصححه الألباني).جعل شهر رمضان لتدريبنا على كبح شهواتنا “وأولها شهوة البطن” وذلك بمجاهدة انفسنا على عدم الانسياق وراءها والامتناع عن تحصيل أي شيء خاصة إذا اشتهيناه. وتبني مبدأ الزهد كبديل أصيل. وكذا تجنب الكلام الزائد وتحصين النظر من رؤية المحرمات بتجنب تصفح الانترنت خاصة أثناء النهار. وعدم مشاهدة التلفاز خلال هذا الشهر. وتجنب التجمعات والحفلات الفارغة من الهدف والمغزى. خلق عادات جديدة مفيدة في كل أسرة؛ من تشجيع على الختمات، التدبر، الاعتكاف، الاعتزال، مسابقات ثقافية دينية بين الأبناء، تفسير القرآن الكريم، الصدقات..الخ.. فلا ينبغي للمسلم أن يكون من المحرومين الذين يضيعون رمضان، بل عليه أن يكون من الفائزين برضوان الله وجناته. نسأل الله أن يبارك لنا في رمضان، وأن يعيننا على صيامه وقيامه، وأن يصرف عنا الفتن ما ظهر منها وما بطن.

الطالبة ح. زوليخاء

Exit mobile version