قبل قرن ونصف القرن من الزمان، رسم السلطان عبد الحميد حُلما بعيدا، ووضع له مخطَّطا فريدا، عنوانه “حفر نفق داخل البوسفور، يصل آسيا بأوروبا”؛ ولم يحقِّقه، ولا استطاع من بعده أن يقترب منه؛ إلى أن جاءت النهضة الحديثة لتركيا، مبنيَّة على جسور الثقة، والصدق، والمثابرة، ثم التوافق بين الشعب وحكومته… حينها فقط أمكن تحقيق الحلم، وحُقَّ لتركيا، ولكلِّ تركيِّ أن يفتخر؛ بل لكلِّ مسلم ولكلِّ إنسان محبٍّ للخير أن يعتز بهذا الإنجاز العظيم.
يوم الثلاثاء التاسع والعشرين من أكتوبر، بمناسبة الذكرى التسعين لتأسيس الجمهورية التركية الحديثة؛ وعلى أرض أوسكودار، عِشنا لحظات من تاريخ البشرية، جمُل بها أن تعاش؛ فيها تم الإعلان عن افتتاح نفق ميترو، يصل القارتين في مدة لا تزيد على أربع دقائق، يحمل أكثر من مليون راكب يوميا، ويوفر من الطاقة بملايين الليرات مطلع كل شمس؛ وهو لم يكلف الكثير (لم يتجاوز خمس ملايير دولار)، لأنَّ أغلبه أنجز بأيد تركية فنية متوضِّئة، مع مساعدة تقنية محترفة، بخاصَّة في مواجهة الزلازل، من شركتين من اليابان؛ والنفق يقع على عمق ستين مترا من سطح البحر، ويتحمل زلزالا بتسع درجات… سمي “مشروع العصر”، وهو كذلك بجميع المواصفات.
سجّل حفل التدشين جملة من الملاحظ:
*أولاها، أنَّ الدعاء والشكر لله لم يغادر ألسنة السياسيين المتحدِّثين، ابتداء من رئيس الجمهورية، فرئيس الوزراء، ووزير المواصلات… وغيرهم؛ حتى إنَّ الافتتاح تم بدعاءٍ وقراءة لسورة الفاتحة؛ أمَّن خلالها الملايينُ من المشاهدين على المباشر، أو عبر الشاشات… حتى إنَّ رئيس وزراء اليابان، الذي كان على المنصَّة، رفع يديه بالدعاء، مع الحضور، في مشهد مهيب.
*أنَّ رئيس الوزراء اعتذر لسكان الحيِّ (حي أسكودار، والحي المقابل من الجهة الأوروبية) على الإزعاج، وعلى الحرج الذي كلَّفه العمل والأشغال، وطلب منهم الصفح والعفو، وأن يعتبروا ذلك أجرا.
*حضور رئيس الصومال، مدعوا، وكلمته التي أشاد فيها بجهود تركيا في ترقية الصومال والنهوض بها، ودعمها اقتصاديا وسياسيا؛ وهي رسالة ذات مغزى لا يمكن أن تنسى.
*كون زوجات القيادة متحجِّبات، لم يمنع من حضورهنَّ حفل الافتتاح، بعزة وافتخار، ولقد كان ذلك مستحيلا قبل عقود، وكان الحجاب محارَبا في جميع الأصعدة، وها اليوم ينال قدره، ويكون علامة فارقة للإسلام المتمكن الحضاري.
*أعلن عن افتتاح المشروع باليوم والساعة قبل سنوات، وكذا جميع المشاريع هنا تعلن بتاريخ افتتاحها، ويتم ذلك بلا مماطلة ولا تأخير؛ مهما كانت الظروف، ومهما كلَّف ذلك من جهد؛ إذ الثقة هي رأس مال السياسة.
*أنَّ لتركيا مخططا أوسع بكثير إلى غاية 2023، الذكرى المأوية للجمهورية؛ ولديها مخطط استراتيجي يمتد إلى غاية 2071؛ توضع الآن معالمه وآلياته…
وأخيرا، ينبغي الإشارة إلى أنَّ الإنجاز لا ينسب لفرد أو جماعة ولا حزب؛ ولكنه ثمرة التوافق بين الفاعلين الاجتماعيين والسياسيين؛ ولذا كان كلام الجميع معبرا عن فكرة “تدشين الجسور بين القلوب قبل الجسور بين القارات” فإذا كان هذا وذاك فسمِّها “الحضارة الرشيدة”، و”السبيلَ القويم”، المقبول عند الخلق والمرضي عند الحق.
فاللهم لا تحرم أوطاننا من مثل هذه اللحظات، فقلبنا لك باكٍ، ضارعٌ، خاشعٌ، مستغفرٌ، تائبٌ، حامدٌ، لاهجٌ… يا ربَّنا ويا إله العالمين.
د.محمد باباعمي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ملاحظة: كان عنوان السلسلة في أول حلقة: “سلواي ونجواي… هاتف من استانبول” ثم حذف الشطر الثاني، وأبقي على الأول؛ غير أنَّ الرأي والنظر أثبت ضرورة الإبقاء على الثاني: “هاتف من استانبول” عوض “سلواي ونجواي”؛ ذلك أنَّ الكثير من الناس غمض عليهم المعنى – “د. محمد باباعمي”.
المصدر: فييكوس نت
