موت العالِم، وشجرة التوت

لا أعرف لماذا قفز إلى ذهني هذا العنوان، مباشرةً بعد سماعي نبأ وفاة “حمامة العلم” الشيخ ناصر المرموري رحمه الله!.. ألأنَّ التوت نباتٌ شجره كبير وفروعه كثيرة، والشيخ الناصر كذلك: كبير بخلُقه، كبير بتواضُعه، كبير بعلمه، كبير بحلمه… له فروع في كلِّ بيت، وفي كلِّ مدرسة، وفي كلِّ متجر… خيرُه عمَّ مَن حوله، لم يحرمه يوما عن أحد مهما قرب أو بعد، مهما أنصف أو أجحف؟!

 أم لأنَّ شجرة التوت ثمارها حلوة طرية طازجة، والشيخ ناصر كذلك: لا يملُّ الجالسُ إليه، ولا يُسمع في حديثه إلاَّ الأدب الجمُّ والحكمة الرفيعة، فقهه يسرٌ وتيسير على المستجير، ورأيه رحمة وبركة على المستنير؟!

 أم لأنَّ شجرة التوت قديمة قدم البشرية، والشيخ ناصر كذلك: يصدق فيه ما ورد في رسالة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه لأبي موسى الأشعري، التي جاء فيها: “إنَّ الحق قديم لا يبطله شيء، ومراجعة الحقِّ خير من التمادي في الباطل”؛ فشيخنا رحمه الله يدور مع الحقِّ والعلم وجُودًا وعدمًا؛ لا يبالي في ذلك أرضيَ الناس أم سخطوا، ما دام الحكيم العليم القديم قد رضي وقبل؟!

 *ألأنَّ ثمرة التوت مفيدة جدا في حالات فقر الدم؛ والشيخ ناصر كذلك: نافع لأمَّته في أحلك ظروفها، وترياقٌ لها حين فقرها إلى من تسترشد به، ومَن يأخذ بيدها إلى برِّ الأمان؛ فشيخنا عرق الأمَّة النابض بدم الحياة، يزرع فيها الأمل، ويحطِّم الألم، وهو في ذلك لا ينتظر من الخلق جزاء ولا شكورا؟!

 أم لأنَّ ثمرة التوت شفاء لأورام الحلق واللثة، والشيخ ناصر كذلك: فصاحةً وحكمةً، وهو العلاج لكلِّ عيٍّ، والدواء لكلِّ سخافة؛ هو شجرة الحكمة والبلاغة؛ فقهُه أدب سلس، وابتسامته أفق لا نهاية له؛ وروحه ظلٌّ ظليل للخلق جميعهم: كبيرهم وصغيرهم، عالمهم وجاهلهم؛ فهو لا يفرِّق بين عبد وعبد، إلاَّ بما رفع الله به بعضهم  على بعض؟!

 أم لأنَّ ثمرة التوت لها تأثير كبير في خفض درجة الحرارة؛ والشيخ ناصر كذلك: هو صمَّام الأمان، وهو الملاذ، وهو “ترموماتر” المجتمع؛ يحفظ درجة حرارته، فلا ترتفع بفعل التهور والنزق والتعصُّب، وكلِّ ما من شأنه أن يزرع الفتنة، ويبسط الحقد، ويوغر القلوب بعضها على بعضها؟!

 *وعصير التوت –مع ذلك– يضاف إلى الأدوية بغرض التلوين وتحسين الطعم؛ ومَن غير الشيخ ناصر زينة للمجالس وبهاء للمحافل؟

 وجذور التوت – قبل ذلك – لها خواص مسهِّلة للمعدة والأمعاء وطاردة للديدان؛ ومَن غير الشيخ ناصر مسِّهلا للأمور، وطاردا للأدران؟

 ولو أوجزنا القول لقلنا: “إنَّ الشيخ ناصر هو شجرة التوت، وإنَّ شجرة التوت هي رمز الشيخ”؛ فلكَم كان محبًّا للطبيعة، منافحا عن الجمال، مصاحِبا لأرباب المزارع والبساتين؛ له من الخصائص ما لشجرة التوت وأكثر، فحقَّ لنا اليوم أن ننعاه، بدموع رقراقة وقلوب ضارعة، ونلقي في روع مَن بقي بعده من العلماء والفقهاء أن “اثبتوا على الحقِّ، ودوموا على العهد، كان الله معكم”.

 ويطيب لي –مراعاة للمناسبة– أن أخصَّ بالذكر مَن يشتغل اليوم بالعقيدة والفقه والتدبير في وادي ميزاب(1): الشيخ أبو القاسم، الشيخ طلاي، الشيخ كعباش، والشيخ أوبكة، والدكتور ناصر… وغيرهم من المشايخ الأجلاء كثير؛ وأؤكِّدَ الخطاب والنداء للشباب الذين هم اليوم في الواجهة، وقد تعين الواجب عليهم، الإخوة الدكاترة والباحثون: بوحجام، بحاز، باجو، وينتن، ارفيس، الشيخ بالحاج، ارشوم، حمدي، شريفي، بابكر، قشار، كروم، كومني(2)… وغيرهم كثير؛ أقول للجميع:

لتكن وفاة الشيخ حدًّا فاصلا في حياة الأمَّة المزابية، ثم الجزائرية، ثم الإسلامية جمعاء، ولتكن مناسبة لإحياء مجلس عمِّي سعيد، علميا وفقهيا، ومدخلا لنهضة شاملة كاملة، ولتكن فرصةً لضمد الجراح، ونبذ الخلاف، ومحاربة التعصب بكل أشكاله وأنواعه،

 شيخي وأخي، أهمس في أذنك، وأقول:

تعيَّن الواجب، ولا سبيل إلى أدائه وإبراء الذمَّة إلاَّ في مجامع للفقه والفكر –بالمعنى الواسع– تجيب عن أسئلة الشارع بالتحقيق في أبعاد الشارع؛ وترفع الحرج عن الناس وقد كثر الهرج والمرج…

 بل، لتكن مناسبة وفاة الشيخ دعوةً للتسامح والمحبَّة، ونشر الأمل، والجد في العمل، والتخطيط للمستقبل… وصدق الله العظيم القائل: “يرفع الله الذين آمنوا منكم، والذين أوتوا العلم درجات”؛ ثم صدق الرسول الكريم القائل: “مَوْتُ الْعَالِمِ ثُلْمَةٌ لا تُسَدُّ مَا اخْتَلَفَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ “

 اللهمَّ ارفع أمَّتنا بالعلم والحلم، وبالقرآن والإيمان؛ وابعث فينا من يسدُّ ثُلْمَة موت علمائنا مشرقا ومغربا؛ آمين يا ربَّ العالمين.

 د. محمد باباعمي
بعيد نعي الشيخ ناصر المرموري رحمه الله بساعات
الأحد, 12 جمادى الآخرة 1432هـ / 15 مايو 2011

الهوامش:

(1) – وهو نفس الخطاب الموجه إلى علماء الجزائر اليوم، السادة العلماء: الحسني، قسوم، مشنان، جيدل، قابه… الخ. وخصوصية وادي ميزاب لا تعني البتة الغفلة عن الوطن والعالم الإسلامي أجمع.
(2) – الأسماء للتمثيل لا للحصر، وفي الذهن والقلب كل من هو اليوم يجاهد في خدمة الإيمان.

Exit mobile version