مدينة “شوروم” في الأناضول عيِّنة مخبرية مثالية لِماء الحياة في تركيا المعاصرة؛ عدد سكانها حسب لائحة مدخل المدينة حوالي 230 ألف نفر “nefous” – كما يكتب وينطق بالتركية -. وفي مكتب رئيس البلدية، الشابِّ الديناميكيِّ اللبيب، الذي استضافنا وفتح لنا مشراعي قلبه لنبحر بسفينه في محيطات المعنى والمبنى، لم تغادر الابتسامة شفتيه هنيهة ولا أقلَّ من ذلك؛ ثمة رأيتُ جريدة باللغة التركية، وفهمت من الصور أنها خَصَّصت ملفًّا مستقلاًّ لملتقى ابن خلدون المقام هنا، البارحة واليوم (الجمعة والسبت 1و2 نوفمبر 2013)؛ ولما سألت عن الجريدة، جاءت الصاعقة بأن أخبروني أنَّ “شوروم” لوحدها تصدر ستة عشر جريدة يومية (16)، عدَا الجرائد الأسبوعية والمجلات؛ ولها عشر قنوات راديو (10)، وقناتين للبث التلفزيوني الحيِّ، وهم طور إنشاء قناة ثالثة.
ومِن عجب أنَّ “شوروم” ليست نشازا، ولا مثالا شاذًّا في ذلك؛ فكلُّ محافظات ومدن تركيا تنبض بمثل هذا النشاط الإعلاميِّ، مع تفاوت في النسبة لا في أصل القضية، ولا يعرف المجتمع سبيلا للمراقبة المجحفة، ولا مذاقا للرقابة الفكرية الظالمة؛ وإنما الجميع إذا التزم المبادئ الكبرى للحرية، وراعى حقوق الآخرين وحدودهم، ثم لم يحمل ظلما على من يخالفه الرأي… الجميعُ له الحقُّ في الكلام والقول، كتابةً أو صوتا أو صورة؛ وما مصادرةُ حرية الفكر وحرية الرأي وحرية الصحافة إلاَّ دليل ضعف وهوان، وعنوان خور وخرَف؛ ولا سبب لذلك إلاَّ الخوف من الجديد، والحرص على مصالح فردية مكتسبة بطرق غير مشروعة غالبا؛ والابتعاد عن المنافسة التي قد تقصي المتحكم من الحلبة وترمي به في مزبلة التاريخ…
هنا وفي هذه اللحظة تذكَّرت مشروعا لا يزال ينتظر الإمكان، وقد اصطدم بصخرة القانون؛ وذلك ما خطِّط له منذ ثلاث سنوات، تحت عنوان “جريدة يومية تُعنى بالنصف الممتلئ من الكأس، لا بالنصف الفارغ منه” في واقع أمَّتنا عموما، والجزائر بالخصوص، وهي بذلك ترنو إلى إعادة الأمل إلى القلوب، وزرع البشاشة وحسن الظن في النفوس، وتحريك الهمم وجهة الخير بعيدا عن ظلامية التشاؤم التي تقتلنا صباح كلِّ يوم، مع “المونشات” القاتمة التي تتصدر الإعلام غالبا: قتل، نهب، سبٌّ، حربٌ، خيانة… لا غير.
ألا يا جزائر، يا أمِّي الرؤوم، مِن حقِّك علينا أن تشهدي يوما أبيض ناصعا بأيدينا… وليس قدرك الدائم أن تكوني في الحضيض، وتجرعي من كأس أبنائك ماء الصديد..
بحول الله ستشرق عليك شمس يوم جديد، وأمل في الحياة عتيد.
د.محمد باباعمي
المصدر: فييكوس نت
