حمامة القرآن الشيخ عيسى أوزايد في ذمة الله

ببالغ الحزن والأسى بلغنا نعي وفاة الأستاذ الفاضل عيسى بن أحمد عمر أوزايد بعد مسيرة حافلة مع القرآن الكريم في القرارة وغرداية فجر يوم السبت 12 ذو القعدة 1441هـ الموافق 04 جويلية 2020م، بغرداية، وقد حضر جنازة المرحوم خياط الحاج أحمد بن داود، بعد عصر يوم أمس الجمعة.

الشيخ أوزايد من مواليد 06 ذو الحجة 1383هـ الموافق 16 أفريل 1960م، بابا السّعد، غرداية، وبعد شهرين من ميلاده امتحنه الله بكفّ البصر، فعوّضه بصيرة أنارت درب حياته، ثم في سن السابعة ولج باب التعلّم في مدرسة الإصلاح بحواشة.

وجهه الأستاذ حدبون صالح بن أحمد، مدير دار البعثات العلمية البيوضية “داخلية الحياة” بالقرارة للالتحاق بالداخلية، ثمّ التحق بمعهد الحياة، فأكمل مراحل تعلمه فيه إلى الثانوي، ثم تخصص في أقسام الشريعة، وأنهى دراسته فيها بمذكرة تخرج، تحت عنوان: “صفات الله من سورة الجمعة إلى الناس، من خلال تفسير الشيخ بيّوض”، واستحق ملاحظة مشرّف.

انضم إلى قسم المصلى لتحفيظ القرآن الكريم في البعثة، ليحقّق أمنيته وأمنية والديه، بعد صبر جميل ومعاناة. فوهب ذاته ونفسه ومهجته لتحفيظ أبناء الأمّة القرآن الكريم؛ صيفا وشتاء، مدّة 23 سنة.

الشيخ أوزايد … بركة العمر وامتداد الأثر

عرف العلماء البركة بأنها: خير الله عز وجل في الشيء، أو الخير الإلهى يظهر في الشيء، وأن يبارك الله في الشيء معناه أن يجعل فيه الخير.

وقد نبَّه إلى هذا المفهوم ابن عطاء الله السكندري في حِكَمِه حيث قال: «رُبَّ عُمُرٍ اتَّسَعَتْ آمادُهُ وَقَلَّتْ أمْدادُهُ، وَرُبَّ عُمُرٍ قَليلَةٌ آمادُهُ كَثيرَةٌ أمْدادُهُ. فمَنْ بُورِكَ لَهُ في عُمُرِهِ أدْرَكَ في يَسيرٍ مِنَ الزَّمَنِ مِنْ مِنَنِ اللهِ تَعالى ما لا يَدْخُلُ تَحْتَ دَوائِرِ العِبارَةِ وَلا تَلْحَقُهُ الإشارَةِ».

تلك هي المعاني التي مرت بخاطري وأنا أقرأ -بتأثر- خبر وفاة أستاذنا العزيز عيسى بن أحمد أوزايد الشهير بالشيخ أوزايد، الذي ابتلاه الله بفقد البصر، ورزقه البصيرة،

ترجل فارس القرآن ورحل، ورحلت معه مجموعة قيم بلغ فيها القدح المعلى.

ولعل أبرز ما يبهرك ويخجلك: صفة الصبر والاحتساب، وذاك الوجه الصبوح الذي يخفي أثقالا وأثقال. ثم ما جمله الله به من كثرة الذكر والتسبيح ومسحة سنية من الورع، نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحدا.

طال مقام الشيخ أوزايد بدار البعثات العلمية البيوضية “داخلية الحياة” بالقرارة عقودا، حيث حفظ بها القرآن الكريم رغم فقدانه البصر، وما يستتبعه من صعوبة التلقي والمدارسة، ثم انتظم طالبا بمعهد الحياة حتى تخرج بشهادة الليسانس من قسم الشريعة بمذكرة حول: “الأسماء والصفات في تفسير الشيخ بيوض”؛ ليرابط بعد ذلك بداخلية الحياة أستاذا للقرآن الكريم شتاء وصيفًا، في إرادة وعزيمة نادرين. وقد تتلمذ عليه المئات من الطلبة، يحفظون له الكثير من الود والإكبار. ويستلهمون من سيرته قيم الصبر والجلد ومغالبة ظروف الحياة بابتسامة واثقة ومسحة فرح بريئة.

استقر الشيخ أوزايد بدء من سنة 2013م بغرداية مدرسا بجمعية الإصلاح، فدرَّس بتربصات تحفيظ القرآن الكريم للبنين، ثم قسم القرآن بمعهد الإصلاح للبنات.

ورغم فقدان الشيخ أوزايد للبصر فقد كان ريحانة المسجد: يشهد جماعتها ويعمر مجلس التلاوة بين المغرب العشاء. سواء في فترة إقامته بالقرارة، أو لما استقر بغرداية، حيث مقامه المعلم بمسجد الشيخ بابا السعد.

رحل الشيخ أوزايد وترك خير ميراث: مئات من الطلبة النبغاء يتلون القرآن ويبلغونه.

﴿يَا أَيَّـتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّة ُ* ارْجِعِي إِلَى ا رَبـِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي *وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر:27-30].

تغمده الله برحماته الواسعة وأسكنه فسيح جناته. تعازي الخالصة لآل بيته وأسرته النسبية والعلمية.

﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبـُّكَ فَتَرْضَى آ﴾ [الضحى:5] ﴿وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى ا﴾ [الشورى:36]

د. عمر حكيمي

Exit mobile version