عبير جبال “اشْريعَة”

قال لي صاحبي: أصعدنا هذه المرتفعات، وتكيدنا المشقة والعناء لنرى أمامنا أوراقاً وأقلام، إن هذا لفعل عليه تلام.

قلت: أما علمت أن خط الكلمات ورسم العبارات في هذه العلياء، وانسياب الأفكار من علا هذه القمة الشماء، ليفتح للفكر باباً رحباً من التأمل في هذه الطبيعة الغناء، ويمنح للقلب سويعات من مناجاة الخالق في عليائه، ويعطي للروح حظوظاً –لا تتكرر- من التزكية والتربية.

حين تبدأ صعود جبال الشريعة، يلفت نظرك مدى غير منته من المنعرجات الخطيرة، التي تستوجب من سائقي السيارات تمهلاً من الانزلاق،…

كلما ازددت ارتفاعاً وأنت تخترق طبقات من الضباب تنساب مغطية نصاعة البليدة، إلا وازداد عجبك من هذه اللوحة الجمالية البديعة، ويزداد العجب إذا ناجيتها وأنت ترفل بين ظلالها المنيعة.

فإذا بلغت قمتها، وتربّعت عرش طبيعتها، أدركت أن جبال الشريعة جوهرة في تاج مرتفعات الجزائر، وعذراء قامت تختال بين قريناتها في وطننا الباهر، بل أُصْدُق الحديث وقُلْ إنها تسبيح الطبيعة في صباحها الباكر، وسمفونية تراتيل المساء الساحر.

هناك تنتابك قُشعريرة نسماتها، وتتراءى لك أشجارها مصفوفة مد البصر، تتوسّطها منازل صغيرة، صُنع أغلبها من قطع الخشب، يغطي سقفها قطع حديدة، تردّ الرياح الهوجاء، وتتزين حين تساقط البَرَد بحلة ناصعة بيضاء، وقد تحظى في مرتفعاتها بلطيف نسيمها يداعب خدَّك، مستأذناً الولوج إلى صدرك، نسيم لم تسممّه الخديعة، هو خير ترياق للقلب الحائر، ومضخة دفع للرائد السائر.

وإكراماً منها لوافدها الزائر تجود عليك بإغفاءة نوم فوق عشبها الطري، دقائق قلّما يجود بها الزمان، فاغنمها في هذا الفضاء الواسع الباهر.

وقبل أن تغادرها منتشياً تستوقفك في لحظات إيمانية تأملية، فتُدرك من عليائها عظمة الخالق القادر، ويستشفُّ قلبك معاني التوحيد الخالص (توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية)، متجلياً من خلال دقة الصنع، وروعة الخلق وجمال التصوير “إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد”.

ولعل شعوراً آخر يختلج الصدر، وهو الإحساس بضعف بنيتك، وقصور فكرك،…

وقد تخونك العَبرات، تناسب منها قطرات، اعتصرها قلب أدرك أنه لا شيء في هذه الحياة لولا تكريم الله تعالى وتسديده ومغفرته، فينطلق اللسان بعد ذلك مسبّحاً، ذاكراً، مستغفراً…

أ.عمر سعيد دجـال

البليدة: 03 ماي 2012م

Exit mobile version