هكذا كوني، أو لا تكوني

من الجميل أن نصحو في يوم جميل، تعلو في أسماعنا أصوات زقزقة العصافير، تملأ نظراتنا زرقة السماء الصافية، ولا يكدر صفوتها سوى بعض من السحابات البيض الخفيفة. والأجمل من ذلك، أن تقف قبل ذلك، بين يدي غفور رحيم، تُقيم صلاتك، ثم تختمها بدعاء خاشع متضرع، تشكو همك وحزنك، فيفرج عنك، تحكي مشاكلك، فتراها تحل واحدة بعد الأخرى، ثم تطلب متوسلا، ترجو ذليلا ضعيفا أمام الخالق، فيجاب لك.

وما أغلى تلك الدمعة التي تخرج من عينيك، لما تقف نادما على خطأ ارتكبته، تائبا عن ذنب اقترفته، فيغفر لك، وتمحى ذنوبك، فتضحى كيوم ولدتك أمك، لا، بل أفضل من ذلك، بل تبدل سيئاتك حسنات.

وما إن تمضي تلك اللحظة، تتمنى لو أنها لم تمض، فتشعر براحة وطمأنينة لم تحض بها من قبل، تشعر وكأنك متعلق بروح عليِّة، تسيّرك وتيسِّر لك. هذا الشعور من المفترض أن نشعر به في حياتنا، في حركاتنا وسكناتنا.

لكن، ما إن تنصرف إلى شغلك أو دراستك… حتى يبدأ ذلك الشعور بالتلاشي، وننسى حتى أننا كنا قد أحسسنا بأنا كنا متعلقين بروح، وأنها كان تسيرنا، لأنا تعلقنا في هذه اللحظة بالمادة، التي أبلدت إحساسنا، وأخفت فطرتنا، فعدنا لنغوص وسط الهموم، ونعوم في بحر من المشاكل.

وربما نسأل جميعا فنقول: كيف لنا أن نتفادى ذلك؟ فهذا طبيعي، وهذه ضرورة الحياة. هنا أقول لا وألف لا، فكما استطعنا التعلق بالمادة، علينا أن نتذكر بأنها فانية، فعلينا التعلق بمن لا يفنا، علينا أن نجبِل أنفسنا على حب الخير، والسعي وراءه.

وهنا أستذكر موقفين من السيرة:

الأول: في غزوة أحد، لما أشاع المشركون خبر موت رسول الله، توقف المسلمون عن النزال، ومجموعة من الصحابة جلسوا، إلا أن أنس بن النضر بقي يقاتل، ويتقدم وسط المشركين، ولما رأى الصحابة جالسين سألهم قائلا: ما لكم؟ فما كان جوابهم إلا: لقد مات رسول الله، فرد عليهم: قوموا فموتوا كراما على مات عليه رسول الله.

الثاني: لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الصديق أبو بكر رضي الله عنه مقولته المشهور: “من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت”

وأترك لكم المجال للتعليق على الموقفين، وأقول:

يا أمة أحمد، هكذا كوني، أو لا تكوني

نورالدين بن يوسف الواهج

Exit mobile version