هاتف من استانبول (10) : “خمسة دولارات”… لِمن يقارن!

يفد إستانبول الملايين من السياح سنويا (في الأشهر الأربعة الأولى من هذا العام 2013م فقط، زار استانبول ثلاثة ملايين سائح)؛ وقد التقيت بالمئات منهم ضمن وفود، تتجوَّل بين المدارس، والجامعات، والمتاحف، والمؤسَّسات الإعلامية، والتجارية، والثقافية… وأغلب من يأتي من العالم العربي يسارع إلى عقد المقارنة بين ما يشاهد في إستانبول منبهرا به، وما ألِفه في بلده مما يمكن وصفه بـ”القلَّة” و”النصف” و”التخلُّف”… وما دون ذلك.

غير أنَّ المقارنة الآنية الوصفية تُحدث فعلاً سلبيا فتاكا، وهو التنفيس عن القلق والتوتر الجواني، ومن ثم يحسُّ الإنسان المقارِن بالراحة والطمأنينة، وبأنه أتمَّ مهمَّته بمجرد المقارنة اللفظية العاطفية المختزلة؛ وبهذا يعفي نفسه من المسؤولية ومن الفعل الحضاري، بل من “الواجب الشرعي” المترتب عليه؛ وقد يكون هذا السائح هو المسؤول عن المشكلة مباشرة، وهو صاحب القرار فيها يقينا، ثم لا يجد “المشجب” الذي يعلق عليه قشته، فيلوذ بالكلام والحسرة والأسف… بلا طائل، ولا أثر على عالم الفعل.

ولهذا، استحدثنا مصطلحا وطريقة، اخترنا لها عنوانا “خمسة دولارات لمن يقارن”، ونقصد به، أنَّ الذي يقارن ما يشاهد في إستانبول بما يتألم لأجله في بلده الأم، لا بدَّ أن يدفع غرامة “خمسة دولارات”، وبهذا يحجم عن المقارنة غالبا.

والأثر النفسي والفكري لهذا الإجراء البسيط، واضح بيِّن؛ ففي المواقف الأولى تلاحظ الرفض والاحتجاج من الزائر، وبأنه يودُّ لو أطلقتَ له العنان، وفككت سجن لسانه من الحديث المقارن؛ ثم رويدا رويدا يألف هذا الزائرُ التمرينَ، فيترك الأفكار تتخمَّر في عقله، والعواطفَ تعتلج في فؤاده؛ ويفكُّر بالتالي إيجابيا لا سلبيا؛ ويسأل عن الأسباب لا عن النتائج؛ ويحافظ على تلك الشحنة المحركة في صدره ولا يسمح لها بالتبخُّر؛ وهذا المنهج مولِّد للفعل والفعالية، مانع من الحروفية واللفظية.

وثمة مقصد آخر من هذا التمرين، الذي تمتعنا به كثيرا، وهو أن لا يُسمح لأحد أن يسبَّ وطنه (ونعبر عن ذلك بقولنا: فلان يسب أمَّه، باعتبار أنَّ الوطن هو أمٌّ كبرى)، إذ عليه أن يتذكًّر أنه متلِّون بلونها، منصبغ بصبغتها: إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.

وفي إستانبول، كان هذا التمرين محلَّ اهتمام شديد من قبل الإخوة الزوار، ولا أتذكر أنَّ أحدا رفضه وتحداه، إلاَّ مرة أو مرتين.

فهل في الإمكان أخي، أن تجرِّبه في أسفارك؛ ثم تعلم القارئ العزيز بالنتيجة؟!

د.محمد باباعمي

المصدر: فييكوس نت

Exit mobile version