من الحلول المطلوبة للأزمة الراهنة في غرداية والجزائر والعالمين العربي-الإسلامي وغيره من الهويات في جميع القارات، المتسمة بحالة انتقالية للأزمة في الهوية فرضتها ديناميكيات العولمة بشكل غير مسبوق في ظل إعلام لحظي متسارع متشابك:
أولا: التغيير السلمي يبدأ من تغيير اللغة اليومية(يقول الله تعالى: “وقل لعبادي يقولوا لاتي هي أحسن، إن الشيطان ينزغ بينهم”.
إذا أردنا أن نبدأ أول الخطوات في طريق الحل الجذري لأزمتنا الراهنة فعلينا أولا أن نبدأ من تغيير بعض أعرافنا اللغوية العنصرية غير السوية السائدة والمتعلقة بالحديث عن الأزمة الراهنة على مستوى الشارع والاجتماعات والكتابات الحائطية والفايسبوكية والنقاشات الإعلامية والكتابات الصحفية، والبيانات السياسية وخرائط الطريق لحل الأزمات…وذلك كله لتسهيل التخاطب والحوار والتعايش والتفهم، ومن ثمة نتمكن من سحب البساط من أفواه المتعصبين والمتطرفين والمغرضين والمحرشين والملغمين والسذج والجهلة سياسيا والطاعنين والحاقدين والانتقاميين والغاضبين والوصوليين والانتهازيين والمتحزبين والنرجسيين من جميع الأطراف والفئات والجماعات والثقافات والمؤسسات …فلذلك نهيب بالجميع بذل الجهد لتحسين لغتنا الاجتماعية والسياسية والقانونية والتواصلية والفنية والاعلامية والوعظية الدينية، حتى لا تخدش إنسانيتنا وإنسانية غيرنا. فإذا أردت أن تتكلم أو تسلك بشكل عنصري فضع نفسك تحت جلد الآخرين.” تقول الحكمة الكندية المكتوبة في أحد مداخل الميترو في أوتاوا.
فالأفضل أن نقول: “أزمة أو خلاف أو مشادات أو صلح أو حوار ولقاء بين مواطنين من مدينة غرداية”، بدل أن نقول “أزمة أو خلاف أو مشادات أو صلح أو حوار بين المالكية والإباضية، بين العرب والمزابيين، بين العرب والأمازيغ، …”. لماذا؟ لأن الأزمة بالفعل ليست بين كل المالكية وكل الإباضية ولا بين كل العرب وكل المزابيين ولا بين كل العرب وكل الأمازيغ، بين بعض المحسوبين لذلك الكل وذلك الكل، فالمذاهب الإسلامية وغير الإسلامية مدارس فكرية وثقافية واجتهادية فقهية وليست ميليشيات عسكرية وطوائف وأحزابا سياسية متنافسة ومتناحرة على السلطة والثروة. ولأنه لايصح قول ذلك من الزاوية الحقوقية والشرعية والأخلاقية والسياسية فالمسؤولية على فعل الخلاف والحوار مسؤولية محددة بالشخص والمجموعة المعينة التي اقترفت ذلك الفعل، “ولا تزروا وازرة وزر اخرى وأن ليس للإنسان إلا ما سعى..”.
ولأن عملية التعميم تلك عير واقعية وغير صحيحة وغير مسؤولة، فهي تجرم أو تبرئ الكل وتقيد الكل أو تحرر الكل، والحال أن تلك الأفعال فعلا وتركا صادرة عن أناس من تلك المجموعات. فنقل “بعض من مواطني غرداية من الحي الفلاني…” ولنقل “فئة من من مواطني غرداية، من الحي الفلاني …”
ولأن إضفاء صفة “المواطن والمواطنة” على تلك المجموعات والأفعال والأشخاص مما يزيل صفة التحيز والتمييز والعنصرية والأفكار المستبقة.
كما أن دعوتي لاستخدام لفظة “المواطن/ مواطني…” ليس معناه كما قد يتبادر إلى ذهن البعض بأنه تنكر لتلك التسميات كتسمية “مالكي وإباضي ومزابي وعربي وأمازيغي وغيرها من الانتماءات”، لأن المرحلة تتميز بأزمة في الهوية الجماعية في ظل طغيان النزعات الهوياتية الصغيرة وتأزم أو غياب الهويات الكبيرة كالهوية الوطنية والإسلامية والمغاربية ,… فضلا عن أن الهوية الإنسانية ظاهرة معقدة ومركبة ومفارقية وديناميكية وتعددية بالتعريف، وليست كما يريد البعض التعامل معها سياسيا وإعلاميا وثقافيا وحقوقيا بسيطة وقابلة للتجزئة ويمكن اختزالها، ومنه استخدامها ضمن منطق المنافسة والصراع السياسي والمصالحي الذي ننخرط فيه بشكل أو بآخر ؛ فهناك تداخل بين أبعادها ومن يتنكر أو يجتزأ منها جزءا يريد أن يفضله على غيره فهو يقوم بحرب حتمية ضد نفسه قبل أن يقوم بذتلك الحرب ضد من يدعوه الآخر أو الغير.
كما أن أن علينا الحذر من التعاطي مع لغة السياسيين والإعلاميين والمتدينين، فكل منهم يرى إلى الهوية الإنسانية من زاوية معينة، مركزا على أفضلية بعد على آخر، فتصنيف الناس حسب السياسي هم أنصاري وخصومي وتصنيف الإعلامي للناس هم جمهوري وجمهور غيري، وتصنيف المتدينين للناس هم إخواني في الدين وأعدائي في الدين، الولاء والبراء.. وهكذا في ثنائيات مختزلة مدمرة للدين والسياسة والإعلام والاجتماع الإنساني معا… وذلك كله لأن كلا من السياسي والإعلامي والمتدين يسعى لتكثير الأتباع وزيادة الريوع… ولكل نيته طبعا.
كما أن الأزمات تفرض على الناس أن يبسطوا هويتهم فيتشبثوا بأحد أبعادها ليظهرو وطنيين متضامنين، ولكن في حالات الاستقرار فإن الإنسان ينشد الانفتاح والإفادة من تنوعاته الهوياتية. إذا فأول الحل في الأزمة أن لا ننكر ذاتنا بكل تنوعاتها ولا نمعن في استخدام مقص البتر والإقصاء على جانب منها.
لنأخذ مثلا البعد الجزائري من هويتنا فسنجد أنها مركبة: عربية، أمازيغية(تارقية، قبائلية، مزابية، شاوية، سنوية…)، إسلامية(إباضية ومالكية وحنفية وسلفية وتبليغية وإخوانية و…)، متوسطية، إفريقية، فرانكو-جزائرية، فإذا قلت أنا مزابي ومزابي فقط، أو عربي وعربي فقط أو إسلامي وإسلامي فقط أو جزائري وجزائري فقط، إو إنساني وإنساني فقط، فأنت تسقط في فخ تفكيك ذاتك المركبة وتبدأ بقص دوبلا قصد في تشن حرب باردة أو ساخنة على أجزاء مهمة من هويتك، برغم أن لها اهمية قيمية ومصالحية لك أولا لأمثالك ممن يشترك معك فيها كليا او جزئيا. فضلا عن الهوية مركبة أيضا من تلك الأجزاء الوظيفية الاجتماعية للهوية، بحكم أننا نعيش حالة الاعتماد المتبادل الوظيفي في المجتمعات المعاصرة، وهي كونك تاجر، صناعي، موظف، فلاح، سائق، مناضل شيوعي مسلم، مناضل علماني مسلم، متدين مسلم مالكي، متدين مالكي إخواني، ذكر، أنثى، غني، فقير، كبير، شاب، طفل، مهاجر، مقيم، من حزب فلاني أو نقابة فلانية أو جمعية فلانية…إلى آخرها من ابعاد الهوية الستة المتقاطعة المداخلة المتفاعلة، وبتفرعاتها الجزئية أيضا، والتي ذكرها عالم السياسة الأمريكي المتوفى صامويل هانتنغتون وأذكر هنا بها:
1)- البعد الفطري التكويني للهوية الفردية والجماعية: ومنها الجنس والعمر والعرق واللغة…وغيرها ؛
2)- البعد الجغرافي للهوية الفردية والجماعية: ومنها مثلا في سياقنا الجزائري والغرداوي تحديدا، مواطن من بلدية العطف والضاية ومتليلي والقرارة وبنورة وغرداية وبريان وغيرها من البلديات، ومن الحي الفلاني أو الفلاني، وسط المدينة أو في أطراف المدينة،
3)- البعد الاقتصادي للهوية الفردية والجماعية: كالانتماء الطبقي، غني أم فقير او متوسط ، صناعي(صناعي في النسيج في الميكانيك…) مزارع، إداري، إدارة مدنية غير مدنية، إدارة عليا، وسطى، سفلى، إدارة مركزية أم محلية، بلدية ولائية، وكالانتماء النقابي، وغيرها من الانتماءات ؛
4)- البعد الاجتماعي للهوية الفردية والجماعية: جماعة الأصدقاء، الحالة الزواجية، الإثنية والإثنية غير العرقية(الإثنية = العرقية+ نمط العيش) ؛ فالعرقية العربية أو الأمازيغية تبدو واحدة نسبيا ولكنها متنوعة إثنيا، لأن نمط العيش في داخل المجموعات المكونة للعرب والأمازيغ مختلف، فنمط اللباس التارغي مثلا غير نمط اللباس المزابي والقبائلي والشاوي وهكذا نمط الزواج والسكن وسائر التقاليد… فبرغم أنهم عرب أو أمازيغ، إلا انهم أيضا مالكية وجزائريين، كما أنهم متنوعين أو لنقل مختلفين في أنماط حياتهم..
5)- البعد السياسي – الإيديولوجي للهوية الفردية والجماعية: الانتماء الأيديولوجي، الحزبي، الدولتي، الخ
6)- البعد الثقافي للهوية الفردية والجماعية: الدين أو بالأحرى التدين، اللغة، الأذواق،
غاية الأمر، أخواني القراء أن نعي أن لغتنا اليومية التي نعبر بها عن هويتنا وأنانا أو ذاتنا وسياستنا أو تعاملنا اليومي معها مسألة حساسة للغاية، تتطلب منا أن نعيها طبيعتها المركبة. كما أننا إذا أخدنا من زاوية مبدئية أصولية غير أخذنا لها من زاوية براغماتية عملية ممارساتية. ومنه لابد من الانتباه إلى أن التركيز في حياتنا اليومية يجب أن يكون على الجانب المعاملاتي لا الجانب المجرد لأن المعاملات هي الفيصل لا الإدعاء المجرد.
فعندما تقول أيها المتدين المواطن الجزائري بأنك “مالكي” و”إباضي” فقولك هذا غير صحيح حصريا، لأن الهوية المالكية والإباضية تتداخلان في الهوية العربية بحكم أن الإسلام جاء بلسان عربي طبعا من دون أن ينفي أحقية الألسن الأخرى في الوجود والاعتراف والاحترام والتقدير والاستخدام… كما أن الإسلام فيه أصول وفروع في العبادات والعقائد والمعاملات، ومنه فإن الكليات والأصول فيها واحدة مع اختلافات لا يخلو منها المذهب الواحد في داخله أيضا، فلم التركيز على أننا “مالكية فقط وفقط” أو “إباضية فقط وفقط”، فلنبحث عن الكلمة التي تجمعنا في العيش المشترك في الدين الواحد والوطن الواحد والمدينة الواحدة والكوكب الواحد، بغض النظر عن تنوعاتنا التي فيها الفطري والمكتسب، فالفطري ليس لنا فيه مزية وفضل أما المكتسب فنحن ملزمون ومضطرون بالضرورة إلى التنافس فيه سلميا ولكن من دون احتراب وإراقة دماء، وإلا فقدنا المشترك الذي هو قبل ذلك وبعد إنسانيتنا وجوارنا المشترك. فهل وعينا؟ وهل سنطبق الذي وعينا؟
إن التنوع العرقي والقبلي والعروشي والعائلي والعشائري والطائفي والمذهبي والإثني واللغوي والعصبي والمناطقي والسياسي والحزبي والأيديولوجي ليس هو المستغرب في الاجتماع-السياسي-الحضاري البشري، ولكن الغريب والمستهجن والمدان هو استخدام العنف تبرئة وقناعا وراء تحقيق مصالح سلطوية أو مصالحية معينة، أو من أجل بناء وحدة متوهمة على نمط أحادي ما. إن جوهر أزمة الاجتماع-السياسي في كل الجزائر تقريبا هو في تسويق فكرة ووهم الهوية الأحادية المزعومة والأصولية العرقية المفجرة للتماسك المجتمعي الجزائري. إننا إن لم نعترف بتعددية انتماءاتنا، مع البحث بعقل ومنطق عن القواسم المشتركة فيها وفي بيئتنا وعالمنا، فإننا سنسجن أنفسنا وبعضنا في علب صغيرة، في عالم قرية ؛ بينما حري بنا أن نملأ فضاءات الجوار المحلي والوطني والكوكبي بالاعتراف المتبادل والتعايش-التنافسي بدل التعايش-الصراعي وبناء الوحدة المحلية والوطنية في التنوع. يقول إدغار موران عالم الاجتماعي الفرنسي المعاصر وفيلسوف علم التركيب، “إن العقول إذا لم تعقل تعددية الواحد، وواحدية المتعدد، فلن تنتج سوى الوحدة المنمطة أو التعدديات المنغلقة على نفسها.”؛ كما يقول: الدكتور حسن الترابي المفكر الإسلامي المشاغب: “إن العقيدة ليست مللا منطقية كلامية أو سلفية والفقه ليس مذاهب أيمة وتلاميذ ومقلدين، والأذكار والشعائر ليست أمور مشايخ وحواريين وطرقا بشعارات ورواتب خاصة، والأمة ليست طوائف شيعية أو سنية أو إباضية كلها روافض وخوارج”.
أخيرا، إن المعركة لتغيير الذهنيات والسلوكيات، لا شك شاقة، لكن لابد أن نتصدى لها بذكائنا وحكمتنا الجماعية وبروح متفائلة وبحب وأمل مهما كنا في ظلمة النفق الراهن. ولعل الفرصة ستتاح لي مستقبلا لأتوقف عند الحلول العقلانية الأخرى لأزمتنا المركبة. والله من وارءالقصد وهو يهدي السبيل.
توصية: أرجو الاطلاع على كتاب قيم للأستاذ النوبلي الهندي البريطاني أماتيا سان، بعنوان بالعربية: الهوية والعنف، وهم المصير الحتمي، العدد قم 352، من سلسلة عالم المعرفة الكويتية، مترجم رائع. صادر سنة 2008م.
