حلُم كلِّ طالب علمٍ وأمنية كلّ إنسان في بدايات مرحلته التكوينيّة العلميّة، أن يجلس يوما في مدرّجات الجامعة، وأن يترقّى في سبل وأغوار البحث العلمي، وأن يطأ عتبات المخابر وينقب في الكتب والمجلدات، ويتمرّس التّداول والتحاور مع أساتذة متخصّصين في أعلى مستوى من الطّرح والجدل العلمي وكبد جاد من المثابرة والكدح والاحتراق المعرفي بنَفَسٍ ربانيٍّ وروح توحيديّة. ولكن… مع ذلِك ونظرًا لأسباب عِدّة، فقد لا تكون نظرة ذلك الطّالب أو الباحث الجامعي للعِلْمِ نظرة كاملةً شاملة، بل قد تكون في بعض الأحيان مُختَزلة مقتَصرة على بعض الجوانِب دون أخرى… فتجِده ما إن يُقبِل على شُعبَة معيّنة، يُغلق على نفسه في ذلك الحيّز التّخصّصي الضّيق، يسعى جاهدا، يعقل رهانه ويربط على قلبه مثابرة حثيثة نحو تلكم الشّهادة التي يتحصل عليها يوم تخرجه، تسعفه للحصول على وظيفة يؤمّن بها قوت يومه في الحياة، فتصبح الشهادة وذلك العمل الغاية والمقصد من كل رسالته في الحياة، منتهى آماله ومبتغى طموحه.
وددت من خلال المقال بسطة نظرة خاطفة حول العلوم ومدى تموقع العقل المسلم والرؤية الإسلامية التوحيدية في مجال الاجتهاد والكبد العلمي، في محاولة لطرح بعض المفاهيم على العقول الباحثة والمجتهدة منفردة أو مجتمعة، للمناقشة والاثراء والنقد والتمحيص تحت لواء علمي اجتهادي تواصلي تداولي تحاوري…
يقسم المختصون العلوم إلى شطرين أساسيّين متلازمين، جانب إبستيمولوجي فلسفي، ذلك الذي ينبني عليه أي علم، والذي يعتبر القاعدة البنائية الأساسية الصّلبة التي يستند عليها وينطلق منها، فنجد مثلا نظرية التّطور في علم الكائنات الحية، ونجد نظريات كارل ماركس وماكس فيبر وروسو في علم الإجتماع، فرويد في علم نفس، أينشتاين ونيوتن وبور وماكس بلانك وهايزنبرج في الفيزياء، وغيرهم… وجانب أكاديمي، ذلك الذي يجسّد تلك الفرضيات الفلسفية أو النماذج المعرفية والبراديامات التي تؤصّل لتلك العلوم في الواقع النظري أو التطبيقي، في أي مجال كانت، في الرياضيات أو الفيزياء أو البيولوجيا أو علم الإجتماع غيرها. لذا يمكن القول أن الإبستيم يشكل روح العلم أما الأكاديم فيشكل هيكل العلم… هذا من جهة.
من جهة أخرى، لقد فصّل توماس كوهن في كتابه بنية الثّورات العلمية، رؤية حول كيفيّة تطوّر العلوم، من خلال ما أسماه بالنّماذج المعرفية أو البرادايم، فما إن تبزغ نظريّة تخصّ شأن علمٍ من العلوم فإنها بدون شك ستحاول الإجابة عن بعض التّساؤلات العالقة في تلك الحقبة الزمنية، إلى أن تسمو تلك الفرضية وتترقى إلى نموذج معرفي أو برادايم سائد، يتعلق به الكثير من الباحثين والمشتغلين في مجال العلم، من خلال التنقيب والتداول والتحاور المعرفي، فتبزغ تساؤلات أخرى تقف حجر عثرة أمام العلماء، لتنبّئ أساسا بعجز ذلك النّموذج السائد وقِصَره، فيتمّ بعد ذلك التفكير في نموذج بديل (Paradigm shift) يكوّن أصلح وأمتن علميًّا، مجيبا بشكل موضوعي عن الأسئلة والقضايا العالقة المحيِّرة، وهكذا تتم العلمية بشكل تراكمي مستمر. وبهذا النسق شيئا فشيئا تتطور العلوم. إذ أنه إن لم يكن هنالك بناء، وإن لم يكن هنالك تداول ونقد وطرح ونقاش، لن يكون هنالك أبدا تطور للعلوم وبل ستبقى في وتيرة ضعيفة منخفضة. ولكن من خلال ما مَرَّ، قد يُطرح سؤال أو حتى عدة تساؤلا أساسية مفتاحية، فيما يخص الجانب التّقني الأكاديمي والحانب الفلسفي الابستيمولوجي للعلوم، وكلنا يعلم أن الأمة الإسلامية عموما قد انتقلت منذ قرون من الإسهام في تطور العلوم إلى الاستقبال، من الإنجاز إلى الاستهلاك، من كمون الفعل إلى كمون الراحة، والجميع دون أي شك يعمل الآن وفي كل لحظة لاستعادة التمكين الحضاري في المجال العلمي والمعرفي، ولسحب البساط من الروح والرؤية الإلحادية إلى الروح الإسلامية والأسس التوحيدية، فهل يمكن أن يتم ذلك فقط بالغور والغوص في المجال التقني للعلوم والبحث والتنقيب في المجال الأكاديمي؟ أم يستلزم قبل ذلك اهتماما أولى بالمجال الإبستيمولوجي والفلسفي الذي تنبني عليه هذه العلوم، وذلك لما لها من أهمية حضاري أساسية ومحورية، ومحاولة سحبها إلى أرض خصبة وقاعدة إسلامية توحيدية تستنير بنور الوحي، لتنطلق من جديد وتتفادى الانفصام والتناقض الذي يطرأ بين البحث والدين ومفاصل الحياة.
شخصيا كباحث ناشئ مبتدئ أظن أنه حري بنا ومن أولى الأولويات الاهتمام بشكل جدّي بإنشاء قواعد فلسفية صلبة راسخة في شتى العلوم، مستمدّة من معين ديننا الحنيف ملتزمة بضوابطه مستنيرة بهديه، ومن ثم تكون الانطلاقة من جديد، في بناء أكاديمي يتفرغ للبحث والاكتشاف والتجسيد العملي والتقني. وقد يحتاج ذلك إلى عدة قلوب وعقول مثابرة متكاتفة جنبا إلى جنب، بعيدا من أن تكون محاولات فرديّة للبعض دون الآخر، فالأمر قد يكون حضاريا بشكل أساسي بل وحتى إيمانيا بالدرجة الأولى، و قد يمس حتى كل البشرية الحيرى في وقتنا الرّاهن، مع العلم أن النظريات الفلسفية التي تؤسّس للعلوم، قد تتعدى لمجالات أخرى من الحياة وقد لا تقتصر فقط على ذلك الحيز العلمي، وهذا ما حدث مع نظرية التّطور مثلاً (التي تعتبر الدّعامة الفلسفية للعلوم الطبيعية في كل الجامعات)، وما جرته وراءها من تبعات جسيمة و تأصيلها لنظريات ماديّة تجعل الغايات مبررة للوسائل، و تعتبر الانسان المعاق الذي لا يملك وسعا في الإنتاج فائضا من البشر لا يستحق العيش والاستهلاك على حساب الآخرين وغيرها…، إذ ترى في المجمل أن البقاء في الحياة بشكل أساسي هو للأقوى والأصلح داخل منظومة حربية ضروس للبقاء على قيد الحياة، وكذا فلسفة مادية صرفة بعيدة كل البعد عن صور وأواصر التراحم.
عبد الهادي الشيخ صالح
المصدر: فييكوس نت
