أكّد الله ـ عز وجل ـ في كتابه الكريم الذي لم يأته، ولا يأتيه، ولن يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، أكد للإنسان أن عدوه الأول والآخر والظاهر والباطن هو الشيطان الرجيم، وأن هذه العداوة ستبقى ما بقيت شمس وقمر، وأنثى وذكر، ونبات ومطر.. ولئلا يكون للناس حجة على الله ـ عز وجل ـ ويلقوا
معاذيرهم فقد حذرهم ـ سبحانه وتعالى ـ عن طريق المصطفين من عباده، وهم أنبياؤه ورسله ؛ حذرهم من هذا العدو اللئيم، الذي لا يألوهم خبالا، فيوقع بينهم العداوة والبغضاء، ويصدهم عن سواء السبيل، وينزغ بينهم.. كما أخبر الله ـ عز وجل ـ الناس أن هذا الشيطان يراهم، ولإن لم يروا رسمه، فإنهم يرون أثره فيما يأمر به من مفاسد، وفيمن يسخرهم للشر من بشر ذكرانا وإناثا.
إن الشيطان هو الأبرّ بقسمه من أكثر البشر الذين جعلوا الله ـ سبحانه وتعالى ـ ويجعلونه عرضة لأيمانهم، فيحنثون في اليوم سبعين مرة؛ أما هذا اللعين فلم يحنث منذ أقسم كما جاء في القرآن الكريم، مخاطبا الله ـ سبحانه و تعالى: “فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين”.
من أساليب الشيطان في الفساد ونشر الخراب أسلوب الوسوسة في صدور الناس، وأسلوب الوحي إلى أوليائه القذرين ليثيروا الفتن، ويوقعوا العداوة والبغضاء.
إن الله ـ عز وجل ـ قال للشيطان عندما تعهد هذا وأقسم أن يغوي الناس بأنه لا سلطان له على عباد الله الذين امتلأت قلوبهم بالإيمان، واستنارت عقولهم بالحكمة، وانشرحت صدورهم للإسلام، ولذلك فإن الشيطان لا يسخّر للشر والفساد والمنكر إلا أولئك الأوباش الذين خلت قلوبهم من الإيمان، وأظلمت عقولهم، وخربت ذممهم، وسفلت هممهم، وهوَوْا في مكان سحيق من التفاهة والسفاهة.. فيسارعون في إرضائه بنشوة كبيرة بتطبيق ما يوحي به إليهم، وما يأمرهم بفعله من شرور وفساد..
لقد لاحظنا ـ منذ بضع سنوات ـ أن الشيطان وأولياءه وجنوده قد أثاروا فتنا كقطع الليل المظلم في منطقة مزاب، فقد أشعلوها في بريان، ثم أشعلوها في القرارة، وهاهم يثلّثون الفتنة في غرداية، وكل فتنة أكبر من أختها.
لقد شممنا من بعض التصريحات في المنطقة رائحة شياطين من الشمال.. أوْحُوا بها إلى أوليائهم في غرداية..
لقد قال الشيخ مبارك الميلي “إن العقل الجزائري في خطر”، ولكن يبدو أن هؤلاء الذين أشعلوا هذه الفتنة الملعون أصحابها ليست لهم عقول، ولهذا تصرفوا كالحيوانات العجماء، إذ لو كانت لهم عقول لما انتهكوا الأعراض، ولما أزهقوا الأرواح، ولما حطّموا وأحرقوا الممتلكات.. وزرعوا في النفوس الحقد الأسود والبغضاء العمياء بين الإخوة.
و كم أحزنني، وعصر قلبي أنه في الوقت الذي كان في غرداية أناسٌ يقتلون، وأطفال يروّعون، ونساء تهتك أستارهن؛ كان “جزائريون” في الفنادق الفخمة يقتلون الفضيلة، ويُحْيُونَ الرذيلة، ولا يحسّون بما يكابد مواطنوهم في غرداية. فهل لهؤلاء قلوب ومشاعر؟
إن أولياء الأمور الذين يلهثون وراء التفاهات من كراسي، ومناصب، سيضاعف لهم العذاب، بما أضاعوا من واجبات، وركنوا إلى الشهوات.. وتركوا الأمور السيئة تتراكم، وهم يزعمون أن لهم “معهدا للدراسات الاستراتيجية”.
لقد أضحك علينا السفهاءُ الأعداءَ، وأشمتوهم بنا.. وراحوا يتكالبون على “الجيف”.. فلعنة الله على كلّ من صير جنتهُ في الأرض ـ الجزائر ـ جحيما..
وليعد كلُّ واحد أسهم في هذه الفتن العمياء بقول أو عمل، وتحت أيّ مبرر ـ عرقي أو مذهبي أو سياسي ـ جوابه عندما يأتي الله ـ عز وجلّ ـ فردا، حيث لن يجد من أمرهُ أو حرضهُ ليجادل عنه.
وليعذرني القرّاء إن رددت على مسامعهم هذين البيتين اللذين يلخصّان حالنا:
وطن أردناه على حب العلــــــى فأبى سوى أن يستكين إلى الشقا
شعب كما شاء التخاذل والهوى متفرق، ويـــــــــــــكاد أن يتمزقـــــــــا
د. محمد الهادي الحسني
مقال نشر في جريدة الشروق اليومي بتاريخ الإثنين 06 جانفي 2014م
