القيم السّوسيودينية والتّعليم الجامعي للفتاة المزابيّة
موضوع ماجستير للأستاذ إبراهيم فخار في علم الاجتماع بجامعة غرداية
حين تتّسم اللّحظة بروعة الاحتفال لا يتوانى القلب عن الاعتراف بقيمة شهود يوم يعرض فيه عمل لم يكتمل إلا بعد جهد سنوات من البحث والمثابرة بفضل من الله ومنّه، فكان يوم الأحد 22 جانفي 2012 موعدا احتضنَت فيه الأسرة العلمية بجامعة غرداية، معهد العلوم الإنسانية والاجتماعية، قسم علم الاجتماع مناقشة مذكرة ماجستير الطالب والباحث: إبراهيم بن عيسى فخّار، في حضور اللجنة المكونة من: الدكتور أحمد رميتة رئيسا، الدكتور عبد العزيز خواجة مشرفا ومقرّرا، الدكتور بلخضر مزوارعضوا، الدكتور عبد العزيز رأسمال عضوا.
في هذا الجو الفسيفسائي المعرفي الأكاديمي، كانت بداية المناقشة بافتتاح الدكتور رميتة رئيس الجلسة، والتي سلّم فيها الكلمة للطالب، ليقدّم عرضا عن موضوعه الذي سيلج من خلاله ميدان البحث العلمي، مرتحلا بين السوسيولوجيا وما تفرضه من قيود منهجية وبحثية، إلى المجتمع وما يحويه من ثقافة وتراث وتاريخ وقيم، في حركة ذهاب و إياب مستمرة، تهفو إلى الوصول إلى فهم ما يتفاعل في هذا المجتمع من تحولات و وقائع، تستلزم من المثقف الباحث إعادة النظر في مهمته المركزية، حتى يكون في مستوى هذا التّحول و التّسارع والجديد الذي يعرفه المجتمع في كل حين.
الباحث الذي وجد نفسه مستفزا بأكثر من سؤال يبحث عن معنى في موضوعه الذي يدعوه وبإلحاح إلى تفكيك الوقائع، فقط لصوغ القليل الممكن من السّوسيولوجيا الفهميّة كما يسمّيها فيبر بعيدا عن قلق البياض و الفراغ والأجوبة الجاهزة، متجاوزاً التفسيرات الطافية على السطوح إلى الجذور المتغلغلة في الأعماق…
استعانة بمثل هذا الانشغال بإعادة توصيف الباحث المثقف كمطلب يفرضه منطق البحث لكل ممارس للسوسيولوجيا، سيتجه الباحث إلى تعميق النظر في “إشكالية قديمة” لكن بأدوات ومعطيات مختلفة، ومحاولا من جديد إطلاق أسئلة غواشون قبل ثمانين سنة ولكن بثوب حديث، واقفا على الثنائية الرّئيسة في بحثه ثنائية (التقليد والحداثة)، ليعيد إنتاج أسئلة الهوية لكن بمدخل جديد اختار أن يكون طرفاه التعليم والمرأة.
انطلاقا من هذا الهاجس المعرفي، والرغبة الدفينة، التي سكنت الباحث للخوض في هكذا موضوع، قام أخيرا بتقديم دراسته في الماجستير، و التي اختارها أن تكون عن الفتاة المزابية والتعليم الجامعي مدشّنا بذلك اشتغالا نوعيّا كان إلى حد قريب شبه غائب من الأجندة المعرفية في التراث العلمي حول هذا المجتمع، الذي سيعين على فهمه ومعرفته واكتشافه أكثر، من خلال عمليات الحفر المعرفي الكشفي الذي يعتبر الهدف الأثير للسوسيولوجيا كما صرّح بذلك بورديو في أكثر من مرّة.
في ملخص بحثه الذي لم يتجاوز ربع ساعة، حاول الطالب الباحث تقديم موضوعه في مدخل وجيز حاول من خلاله إظهار الأهميّة التي أولاها النظام الاجتماعيّ في مزاب للمرأة، مشيرا إلى مركزيّة دورها في التربيّة والتنشئة الاجتماعيّة وإعادة إنتاج القيم وبالتالي المحافظة على هويّة المجتمع، محاولا إبراز الآليات التي انتهجها ليحافظ على استمراريّة وثبات هذا الدّور، وذلك من خلال حصر نشاطها في إطار ثقافة مجتمعها ومنظومته القيميّة، عبر منعها من السفر خارج “مزاب” وحظر تعلّم القراءة والكتابة عليها لعهود طويلة.
يعرج الباحث بعدها إلى عرض موجز للمسار التاريخي لاقتحام الفتاة ميدان التعليم في المجتمع المحلّي بعد أن حرمت منه طويلا، مشيرا إلى أنّه مع التغيّر الاجتماعيّ الحاصل بانفتاح المجتمع على العالم الخارجيّ، وظهور حاجات اجتماعيّة جديدة عجزت ثقافة المجتمع عن إيجاد إجابات لها، وهو ما دفع تعليم الفتاة مع جهود حركة الإصلاح لأن يتطوّر من تعليم تقليديّ تلقينيّ إلى تعليم حرّ حديث نسبيّا، موجّه في إطار النظام الاجتماعيّ المحلّيّ، ثمّ ليسجّل المجتمع بعدها انتقالها إلى مدارس التعليم الرسميّ متدرّجة مع أطواره تباعا، إلى بلوغها مستوى التعليم الجامعيّ، وسط ردود أفعال متباينة، بين تأييد حذر، وتحفّظ، ورفض اجتماعيّ واسع.
هنا يلمس الباحث ما سيفصح عن صلب افتكاكاته ليطرح المفارقة التي ستعينه في إثارة أسئلة اشكالياته التي صاغها بالشكل الآتي:
إذا كانت التربية والتعليم يحفظان هويّة المجتمع ويحميان قيمه، فلم نسجّل هذا ” التحفّظ الاجتماعيّ ” من التحاق الفتاة المزابيّة بالجامعة؟ وهل فعلا يؤثّر التعليم الجامعيّ في القيم السوسيودينيّة للفتاة المزابيّة؟ وكيف هي طبيعة هذا التأثير؟ وهل اندماج الفتاة المزابيّة في الوسط الجامعيّ يوجّه قيمها نحو الحداثة؟ ويجعل تمسّكها بالقيم التقليديّة يقلّ؟ و إذا توافقت أهداف الفتاة المزابيّة من دراستها الجامعيّة مع الصورة التقليديّة النموذجيّة للمرأة في المجتمع المزابيّ هل سيجعل ذلك تمسّكها بالقيم السوسيودينيّة التقليديّة يزيد؟
يحاول الباحث الإمساك بهذه الاشكالية ومعالجتها فيما تتضمنه تفاصيل فصول بحثه محاولا تقسيم بناءه إلى بابين أحدهما نظري وآخر ميداني، متناولا في الأوّل البناء المفاهيميّ والتاريخيّ للدراسة في ثلاثة فصول خصص الفصل الأوّل للتعليم الجامعيّ في الجزائر. كما تناول في فصله الثاني موضوع القيم، مفهومها وأبعادها وتصنيفاتها. أمّا الثالث فاختار أن يخصّصه للمجتمع المزابيّ، منتهجا مقاربة سوسيوتاريخيّة لبنائه ونظمه الاجتماعيّة، مع تحليل لمنظومته القيميّة والتعليميّة، وقد ركّز أثناء ذلك على المرأة ودورها الاجتماعيّ.
بالنسبة لتقنية البحث فقد انتخب الباحث “الاستمارة” كأداة رئيسة، بالإضافة إلى تقنيّتي “المقابلة”و “الملاحظة من دون مشاركة” كأداتين مدعّمتين. واستعمل المنهج الكمي، معتمدا “المسح الاجتماعي” باعتبار أن الدراسة غطّت مجتمع البحث كله نظرا لعدد أفراده المحدود (76طالبة)المتمثّل في الفتيات المزابيّات المزاولات دراستهنّ بالمركز الجامعيّ غرداية في الموسم2009/2010.
في خلاصة دراسته اتجه الباحث إلى حوصلة نتائج بحثه، ذكر في البداية النتائج المتعلقة بالجانب النظري، حول الجامعة الجزائرية، ثم حول موضوع القيم، ثم تعرّض للمجتمع المزابي فبيّن أنه مجتمع دينيّ مسجديّ،ذو بناء إجتماعيّ متماسك ونظم تتميز بقوة التنشئة والضبط الاجتماعيين، تحتلّ القيم في بنائه موقعا محوريّا. وأبرز قيمه السوسيودينيّة هي: القرآن حفظا وتلاوة، الطهارة، الأمانة والثقة، الاحترام، الطاعة والانقياد، التمسّك بالهويّة، السمت واللباس، التكافل الاجتماعيّ، التطوّع، العلم، العمل والاقتصاد، الجدّية والصرامة.
في جانبه الميدانيّ خلص الباحث في نهاية دراسته إلى أنّ تمسّك الفتاة المزابيّة الجامعيّة بالقيم السوسيودينيّة التقليديّة لمجتمعها متباينَ، فإذا كان هذا التمسّك مرتفعا مع قيم الاحترام و التمسّك بالهويّة، والجدّية والصرامة، فإنّه متوسّط مع قيم القرآن: حفظا وتلاوة، والطهارة، والطاعة والانقياد، بينما هو منخفض مع قيمة السّمت واللباس، من المنظور التقليديّ طبعا، ويشير أن هذا لعله يعود إلى طبيعة تنشئتها الاجتماعيّة من جهة، ومستوى عقلانيتها وتأثّرها بالوسط الجامعيّ وقيمه الحداثيّة من جهة أخرى.
كما اكتشف أنّ الفتاة المزابيّة الجامعيّة تجد صعوبة في الاندماج في الوسط الجامعيّ، فاندماجها فيه محدود ومنخفض حسب كلّ المؤشّرات المطروحة، والنسبة المنخفضة من الطالبات اللائي أظهرن اندماجا في الوسط الجامعيّ، هنّ الأقلّ تمسّكا بالقيم السوسيودينيّة التقليديّة للمجتمع المزابيّ.
إلى هنا يقترب الباحث من حوصلة نتائجه الرئيسية مسجّلا تبعا لذلك تحقّق فرضيات بحثه بشكل واضح مع مختلف القيم السوسيودينيّة والتي كانت كما يلي: يؤثّر التعليم الجامعيّ في القيم السوسيودينيّة للفتاة المزابيّة حسب مستوى اندماجها في الوسط الجامعيّ، وطبيعة أهدافها من الدراسة الجامعيّة. فكلّما زاد اندماجها في الوسط الجامعيّ قلّ تمسّكها بالقيم السوسيودينيّة التقليديّة للمجتمع المزابيّ. لكن كلّما كانت أهدافها من التعليم تتوافق مع الصورة التقليديّة النموذجيّة للمرأة في المجتمع المزابيّ، زاد تمسّكها بالقيم السوسيودينيّة التقليديّة لمجتمعها.
في نهاية استمارة بحثه طرح الباحث أسئلة يلمس من خلالها تصوّرات الطالبة المزابيّة الجامعيّة حول مستقبل التعليم الجامعيّ، وآثاره على الفتاة والمرأة والمجتمع المزابيّ، فكانت الأجوبة كما يلي: التعليم الجامعيّ وجّه قيم الفتاة المزابيّة نحو الحداثة، وتعلّم الفتاة المزابيّة بالجامعة يتّجه إلى أن يصبح أمرا واقعا وأن يحظى بقبول اجتماعيّ.
في ختام دراسته يفصح الباحث عن العوائق المعرفيّة التي واجهته مع مراحل الدراسة الميدانيّة وتحليل معطياتها وتفسيرها، والتي عرقلت عمق تفكيره، لعلّ أهمّها بروز مؤشرات أخرى كامنة أشار إليها في مؤخرة بحثه، تمثّلت في صعوبة عزل مؤشر التنشئة الاجتماعيّة للفتاة عن مؤشر التعليم الجامعي ، وصعوبة عزل الرأسمال القيمي الذي دخلت به الطالبة إلى الجامعة عن القيم التي اكتسبتها منه، تاركا من خلال ملاحظاته هذه الخاتمة مفتوحة لدراسات سوسيولوجية مستقبليّة لاحقة.
بعد هذا العرض الموجز الذي قدمه الباحث وعملا بسنن المناقشات، افتتح رئيس اللجنة باب النقاش بأول تدخل كان صاحبه الأستاذ المشرف عبد العزيز خواجة محاولا من خلاله أن يحيط الحضور بمسار البحث وظروفه، وكذلك مغنيا هذه المناقشة بمزيد من الإثراء للموضوع انطلاقا من إبراز مدى خصوصيّته وأهميّته، الذي رأى فيه من الموضوعات الأساسية التي اختار الطالب من خلاله أن يسائل ذلك المجتمع الذي وصفه بأنّه يحاول في كثير من حالاته أن يعبّر عن ذاته بصور مختلفة، غير أنّ السوسيولوجي إن لم يجد داخله ما هي الكلمات التي يعبّر عنها سوف يخفق في كثير من الحالات في فهمه لتأصيلية هذا المجتمع.
معتبرا أنّ هذا المجتمع الذي يسمّى بالمزابي والذي يتموقع في الصحراء التي سمّاها جوزير بصحراء الصحراء يحاول بشكل أو بآخر أن يقاوم أمام تواجد حركة التطوّر والتغيّر محافظا على “الذات” و”الهويّة. ولعلّ هذه المقاومة كانت من عدة مواقع فكريّة، ثقافيّة، تاريخية لتواجد الذات كانت باستمرار تتطور وتتشكل بصور مختلفة، ربّما تلك هي إحدى اللّحظات التاريخيّة التي أحرج فيها هذا المجتمع مع نفسه هو تواجد مركز جامعي في داخله، هكذا حاول هذا المركز الذي توّج مطلع هذه السنة إلى جامعة بشكل ما أن يخترق بعض الآليات التي اعتاد عليها وأن يقول بأنه آن الأوان أن يدخل في فترة جدال بينه وبين هذه المؤسسات التي تسمي نفسها بالرّسمية، ليسجّل من خلال ذلك ولوجله إلى مناقشات ثنائيات (تقليد/حداثة)، (الرسمي/العرفي)، (قيم تستمر/قيم تتغير) وثنائيات متعددة، بإيعاز من حركة التاريخ التي تفرض قوانينها وتسيّر ما يجب أن يسير.
أمام هذه الإشكالية يقول الأستاذ خواجة حاول الطالب أن يفهم إحدى المؤشرات، التي تعتبر من أعقدها أحيانا، مستغلا موضوع المرأة والتعليم كمدخل استراتيجي لفهم هذا المجتمع. وكذا مشيرا إلى أنّ الاشتغال على هذا الموضوع لم يكن كثيرا، فالنقاط التي حاول أن ينشغل بها المهتمون العلميون والباحثون، خاصة المنتمون إلى حقل علم الاجتماع لم تكن نقاط كثيرة جدا بداية من دراسات غواشون، إلى فترة بعد الاستقلال التي سيحاول البعض من داخل المجتمع أن يهتمّ به، ولعل آخرها دراسة كانت من كلية المنار من قبل طالبة في حدّ ذاتها، لعلّها فتحت الكثير من الآفاق، إلّا أنّها أي هذه اللحظات البحثية كما يقول الدكتور خواجة في الحقيقة لم تكن كثيرة. وهذا ما جعله يعتبر أنّ نهاية هذا التراكم سيحدّد مسارا يشكّل منهجيّا قطيعة معرفيّة وفقا لمسارات أخرى ستكون في المستقبل.
هنا والآن… تبدو الفتاة المزابيّة وهي تنتقل من مسار محدّد أو من مسرح كما يسميه هابرامس ينتج له المجتمع سيناريو يكتبه وفق ما تفرضه خصوصيات ذاته، لكن يبدو أن السيناريو الذي تضعه الجامعة كان مختلفا تماما عن السيناريو الذي يحضّره المجتمع، والذي بمجرّد انتقال الفتاة إليه أخذت تحاول أن تصبح جزءا أساسيا داخل هذا الكيان، وهي تحمل في هويتها تسمية طالبة جامعيّة. وهو هذا الذي سيدفعها داخل هذا الوسط المختلف والجديد لأن تعيد النّظر في ما كانت تحمله من تصوّرات وقيم سوسيودينيّة كما سمّاها الباحث، لكن خلال إعادة النّظر هذه ستتّخذ الطالبة لنفسها أيضا ضوابط معيّنة تمثّل الهدف من الدراسة الذي دفعها إلى التوجّه للجامعة، بحيث كلّما كان الهدف والنتيجة التي تطمح أن تسير عليها تتوافق مع المنطلق الذي صنعته لنفسها فهو هذا ما يجعل القضية تتعدّل وتعود من جديد إلى المسار الذي أنتجها، و لاشك أن هذه الأهداف التي تتبناها يتمّ صناعتها من قبل المجتمع وقيمه كما تعبّر عنه فرضيات الباحث ونتائجه.
وعن مسار البحث وظروفه فإنه لا يعدم ما يواجه الباحث من صعوبات وعراقيل في سبيل افتكاك حيثيات موضوع بحثه، وهو ما سعى وحاول الأستاذ المشرف أن يرفع من أجله معنويات طالبه في سبيل اقتحام هذا الموضوع ويصل في النهاية إلى بناء إشكالية كفيلة بالفهم. فموضوع البحث وصعوبة افتكاكه سيكشف -كما يقول المشرف- عن الباحث الصّبور و العنيد الذي ينتقل من فضاء لآخر بحثا عن المادّة الخام، التي ستفرض عليه الانتقال أيضا من سؤال إلى آخر أملا في ترتيب و قراءة و تحليل متن تعددي تاريخيا من حيث الشكل و المحتوى و السياق.
بعد هذه الكلمة من المشرف تسلم الكلمة الدكتور عبد العزيز رأس المال في ثاني تدخّل أدلى فيه بدلوه في الموضوع، ومحاولا أن يتساءل عن العلاقة التي يمكن أن تنوجد بين السوسيولوجيا والمجتمع المزابي، وهل استطاع الباحثون في المجتمع أو خارجه تعزيز هذه العلاقة؟…وهل يمكن أن نستغل علم الاجتماع في مجتمع محلّي كالمجتمع المزابي، ونذهب بعيدا في دراسة المجتمع المزابي أم نتوقف عند بعض المسلمات الفكريّة والايدولوجيا ونبقى حبيسيها؟ هكذا يتساءل الأستاذ رأس المال معبّرا عن علاقته الشخصية كباحث في علم الاجتماع بهذا المجتمع ومشيرا كيف أنّ الدكتور خواجة بدراساته وبحوثه كان نافذة استطاع أن يطلّ من خلالها على المجتمع المزابي، ثمّ كذلك كانت دراسة الطالب فخار بمثابة إعادة الإحياء لعلاقته من جديد بهذا المجتمع. وواصفا إيّاه بالجريء في محاولته المعرفيّة لإعادة ذلك النّبض المعرفي من جديد.
مهتمّا بعدها بالإشارة إلى بعض الملاحظات المنهجيّة والدّقيقة في بناء البحث، ثم مثنيا على جدارة الباحث في بناء مبحثه النّظري في القيم، وحبّذه لو يعطي للقيم بعدها الحضاري بعد تحليلها العام في إطارها السوسيولوجي، كما أثنى على قدرة الطالب على استخدام معلوماته النظريّة بشكل جيّد في الجانب الميداني للوصول إلى نتائج أعمق وتحليل أكثر نسقيّة وترابطا، وأشاد بتمكنه من اللغة السوسيولوجية ودقّته في استعمال المفاهيم، مع قدرته وجرأته في اقتحام ميدان صعب متمثل في حصوله على عدد كاف من الطالبات، وهو ما يعبّر عن تفتح للمجتمع المزابي الذي كثيرا ما يرمى بالجمود والانغلاق وهو الأمر الذي أصبح واقع حال يستلزم تغييرا للمخيلة عن هذا المجتمع، مضيفا في ختام كلمته أنّ أمثال هذه الدراسة الجادّة نادرة الوجود لدى طلبة الجامعات الكبرى الجزائرية.
من جهته الأستاذ مزوار في تدخّله سجّل إعجابه بعمل الطالب نظرا للجهد الكبير الذي بذله صاحبه والذي يظهر في حجم الرسالة والمراجع التي تناولها واعتمدها، مشيرا إلى أهمية موضوعه في غرداية والجزائر كلها لاهتمامه ب(التقليد والحداثة)، الثّنائية التي كانت إطارا نظريا بارزا في بحثه، والتي اختار الدكتور مزوار أن يتوقف عندها مبرزا أهمّ الأطروحات الجزائرية التي اهتمت بها والتي سجّل غيابها في تحليل الباحث ودراسته النّظرية. ومشيرا أيضا إلى غياب تحديد الخصائص التي تجعل الباحث يطلق تسمية مجتمع على المجتمع المزابي، طالبا منه أن يحدّد بدقّة وفق هذه الخصائص إن كان المجتمع المزابي عشيرة وجماعة كما في مصطلح تونيز(communauté ) أم أنّ له من الخصائص ما يسمح لنا بتسميته بالمجتمع (société)؟
آخر المناقشين كان الدكتور رميتة الذي شاطر الكثير من آراء وملاحظات الأستاذ مزوار، متوقفا عند تحديد معنى مفهوم ” مجتمعا دينيا محافظا” وإعطائه بعدا سوسيولوجيا، منوّها إلى أن هذا يتطلّب تحديدا دقيقا لخصائصه من الناحية المجالية جغرافيا ودينيا واثنيّا. هاتين المسألتين حسبه تحيل تلقائيّا إلى الحديث عن مشكلة الهويّة في خصوصيتها وتميزها باستمرارية إعادة التشكّل والبناء، كما أشار إلى غياب التحليل السوسيولوجي للباحث أثناء قراءته لقيم العمل والاقتصاد في مزاب، لعلاقة الاقتصاد بهذا المجتمع كما فعل فيبر وماكس ايمونتوز حين تساءل: كيف لم يتحوّل العمل الاقتصادي عند جماعة مزاب إلى رأسمالية وحركة اقتصادية متوقفا في مرحلة معينة من تلبية الحاجات ولم يتحول إلى نمط اقتصادي شامل بالنسبة للمجتمع. كما ونبّه الباحثَ إلى عدم استغلاله مرجعيّة نظرية في بناء الإشكالية والتي بإمكانها أن تفسّر العلاقة بين متغيري الدراسة، كالتغيّر الاجتماعي أو العلاقة بين التقليد والحداثة.
إضافة إلى هذا رأى الأستاذ رميتة أن الباحث كان أسلوبه ممتعا في تحليلاته و قراءاته وهو ما يشير إلى مخيال في معرفة المجتمع، وكذلك معززا ملاحظة الأستاذ رأس المال عن عدد الطالبات وكونها المؤشر الواضح في الدراسة الذي ارتفع مطلع هذه السنة إلى 153 طالبة، وهو ما يعبر عن حضور أساسي لدخول الفتاة المزابية في الوسط الجامعي مشيرا إلى اقتصار تركيز الباحث على علاقة الطالبة بالجامعة داخل مجال المركز الجامعي غرداية، دون أن يشير إلى أسبقية دخولها إلى جامعات أخرى خارج مزاب. هكذا ينهي الأستاذ ارميتة ملاحظاته معيدا الكلمة إلى الأستاذ خواجة الذي عقّب على قضية خصائص المجتمع ، مشيرا إلى حقيقة تباين استعمال مفهوم “المجتمع” لدى الباحثين السوسيولوجيين. وكذا مستعينا بطرح مالك بن نبي عن المجتمع الذي انتقد المفهوم الاقتصادي للمجتمع الذي قدمه ماركس، معتبرا أن المجتمع هو مصطلح يطلق على كل جماعة إنسانية تتطور ابتداء من نقطة يمكن أن نطلق عليها مصطلح”ميلاد” حيث تغير و في نطاق الزمن التاريخي خصائصها الاجتماعية بإنتاج وسائل التغيير، مع علمها بالهدف الذي تسعى إليه من وراء هذه الحركة الاجتماعية.
هكذا دامت هذه المناقشة قرابة الساعة ونصف ، أشاد فيها المناقشون بجهد الطّالب، وقوة تحكّمه في موضوعه وترابط أجزاء بحثه بجانبيه النّظري والميداني إضافة إلى بعض الملاحظات الدقيقة والعميقة منها ما كان شكليا ومنها ما كان مضمونيا، والتي كلها كانت تصب في مصلحة القيمة المضافة التي قدمها الباحث من خلال دراسته. وبعد فترة التحليل والنقاش، وبعد كلمة الباحث الذي أشاد بدوره بلجنة المناقشة وعلى نصائحهم القيمة التي ستؤخذ بعين الاعتبار وستثري المذكرة والبحث من دون شك، أطلت اللجنة العلمية تعلم حضورها بأن الطالب: إبراهيم فخار قد حاز على درجة الماجستير في تخصص علم الاجتماع التربوي الديني بعلامة 17.5/20، وتقدير: مشرف جدّا.
رغم متعة النجاح إلا أن آثار تعب السّنين والإرهاق لم يختفيا عن محيّا الطالب …فهنيئا له هذا النّجاح والتّفوق، وفقه الله لمواصلة مشوار العلم والبحث حتى يبلغَ مرتبة الدكتوراه بتفوق إن شاء الله، ويكون ذخرا لدينه ووطنه وأمته جمعاء.والعاقبة لكل الباحثين السالكين لهذا الدرب، الذي هو باختصار طريق البحث عن المعنى والفهم والسؤال. في أمل شهود أعمال بحثية أخرى غايتها إعداد الفرش النّظري اللازم للمساهمة في تشريح إشكالات و ظواهر هذا المجتمع، على ضوء خلاصات الدّرس السوسيولوجي، لربط الّنسق النظري للمعرفة ببنيات مجتمع شديدة التركيب و التناسق والتعقيد.
عائشة نجار
