بسم الله الرحمن الرحيم
عبر مستفادة من محنة القرارة (الجزء الثالث)
(ولاية غرداية)
قلوب خضراء، ونيران حمراء
أخي العزيز أحمد بوقرينات: السلام عليكم في الصابرين المحتسبين، الأوَّابينَ الشاكرين.
أرفع إليك هذه الأبيات بِيدٍ مرتعشةٍ مايزالُ التوتُّر النفسيُ يعبثُ بهدوئِها وسكينتِها، وأهدِي إليكَ هذهِ النفثاتِ القلميةِ من صدرٍ ضاقَ بما فيهِ، فاعذرني أخي إن جاءَتْ متأخِّرَةً في موعدِها، فإنَّ هولَ المصابِ حالَ دونَ بلاغةِ الكتاب.
غير أنَّ الذي دفعني –رغم ذلك- إلى الكتابة إليكَ وعنْكَ، سببانِ اثنانِ، أولهما: أخوَّتُنا الإسلامية وصداقتُنا القويَّة التي تفرضُ عليَّ مواساتك في محنتك، وهذا أضعفُ حقٍّ من حقوق الأخوَّة والصداقة. ثانيهما: أن تصابَ في أعزِّ مالِكَ وهو حُرْمة بيتِكَ الذي بَنَيتَه بعرقِ الحلال مُتَصبِّبًا من سنين الغربة الطويلة؛ والذي آلم نفسِي وأصابَها بالحسرَةِ أن يأتي التعدِّي على حُرُماتِك وحُرِّ مالِكَ من أناسٍ من جيرانِكَ، وأنتَ طالما أحسنتَ إليهم وأعطيتَهم من ذلكَ المالِ بلا حسابٍ، ومددتَ لهم يدَ المساعدةِ دون طلبِ أجرٍ أو ثوابٍ، ولولا لطفُ الله وحفظُه لكانت الكارثة أعْظم، والمصيبة أدهَى وأظْلَم، ولكن الله القوي، الحافِظَ، الساتِرَ، داَفعَ وسلَّم. فتقبَّل منِّي أخي الكريم هذه الأبيات التي أُوَاسيكَ بها، وأُواسي كلَّ مصابٍٍ في مالِه وعِرضِه ودَمِه في قُرَّةِ أعيُننا قَرارتِنا الحبيبة، (فَعَسَىآ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا) [النساء: 19].
نسأل الله أن يجمَعَ شملَ الأمَّة الإسلامية ويُهيِّئَ لها القيادَةَ الراشِدَة، والرعيَّة الرائِدَةَ، آمين.
ربَّاهُ يَا سَكَنِي، وَقُرَّةَ خَـــــــــــــافِقِي أرْثِيكِ إذْ ضَــــــــــــــاقَ الفَضَا والـمَذْهَبُ
مَاذَا أَصَابَكِ يَا قَرَارَةُ، فاسْتَحَــــــالَ جمَاَلُكِ الأخَّــــــــــــــــــــــــاذُ أشْوَهَ يُنْذَبُ؟
كُنْتِ القَرِيرَةَ في العُيُــونِ وفي النُّفُـ ـوسِ، عَرُوسَةَ الصَّـحرَاءِ حُسْنُكِ مُعْجِبُ
الأمْنُ حَـارِسُكِ الأمِيــنُ وَحُرْمَةُ الـ قُرْآنِ، سُورُكِ في الحَـــــــــــوادِثِ يَحْجَبُ
حَتَّى إِذَا انْقَضَّ الجُنَـــاةُ، وشَاءَ رَبُـ ـكَ أنْ يَخُــــــــــــونَ العَهْدَ مَنْ هُوَ أقْرَبُ
فَإِذَا الأمَـــــــــــانُ بَليَّةٌ، وَإِذَا الجَمَا لُ مُصِيبَةٌ، والخَيــــــــــــــــرُ قَفْرٌ سَبْسَبُ
يَرْعَــــــــــاكِ يَا حَسْنَاءُ، رَبٌ حَافِظٌ بالذِّكْرِ والشُّكْرِ الجَمِـــــــــــــــــيلِ يُرَاقِبُ
تَبَّتْ يَدَا مَنْ أَشْعَلَ النِّـــــــيرَانَ فِيكِ فَرَوَّعَ السُّكَـــــــــــــــــــــــانَ ذِئْبٌ أجْرَبُ
لاَ دِينَ يَرْدَعُ، لاَ ضَمِــــيرَ، وَلاَ أصَا لَةَ لِلْحَضَارَةِ والمَكَــــــــــــــــــارِمِ تُنْسَبُ
يَا مَنْ أُصِيبَ بِمَــــالِهِ، أوْ مَنْ أُهِينَ بِنَفسِــــــــهِ، الصَّبْـــــــــــرُ نِعْمَ المَكْسَبُ
فلَرُبَّ نَازِلَةٍ يَضِــــــــــيقُ بهَا الفَتَى فِيهَا السَّــــــــــــــلاَمَةُ وَالخَلاَصُ الطيِّبُ
لاَ تجْزَعُوا لجِرَاحِكُمْ، لا تَقْنَطُـــــــوا فَاللهُ يَشْفِــــــــــــــــــــــــي وَحْدَهُ وَيُطَبِّبُ
المَاــــــــــلُ يَفْنَى، والمَصَائِبُ جَمَّةٌ والظُّلْمُ يَفْرِِي الظَّالِمِـــــــــــــــينَ وَيَنْكُبُ
والعَادِلُ الدَّيَّــــــــــــــانُ لَيْسَ بِغَافِلٍ إِنْ خَـــــــــــــــــانَ شُرْطِيٌ وَرَاوَغَ ثَعْلَبُ
إنَّ الذِي أعطَــــــــاكَ أمْسِ هُوَ الذِي يُعْطِيــــــــــــــكَ إنْ نَهَبَ الجُنَاةُ وخَرَّبُوا
لُذْ بِالغَنـــــــــــــيِّ، أَلَمْ يُنِلْكَ عَطاءَهُ وأتَــــــــــــــــاكَ بالأَرْزَاقِ، غَمْرٌ صَيِّبُ؟
فَإِذَا ابْتَـــــــــلاكَ اليَوْمَ فاحْمَدْ فَضْلَهُ فَالخيِّــــــــــــــــــــرُونَ مِنَ البَلِيَّةِ أقْرَبُ
واسْلَمْ، فَدَيْتُكَ، لَسْــــــتَ أوَّلَ مُبْتَلى فالمَالُ عَــــــــــــــــــارِيَةٌ يَجِيءُ ويَذْهَبُ
فلَكَمْ أُصيبَ المُحْسِنُــــــــونَ لحِكمَةٍ وتَجَرَّعُـــــــــــوا مِن كَأسِ مَا لَمْ يَشْرَبُوا
لَمْ يَسْلِبُوكَ، وَفَيْـــــــضُ ربِّكَ وَاسِعٌ مَادَامَ قَلْبُكَ بِالمحبَّـــــــــــــــــــــةِ أَرْحَبُ
مَا الدارُ إنْ هُدِمَتْ، وَكَـــــانَتْ بَلقََعًا تَجْرِي بِسَـــــــــــــــاحَتِهَا الرِّياحُ وتَلْعَبُ
الدارُ، قَلْبُكَ عَامِرٌ بالخَيـــــــــرِ وَالـ أَوْبَاشُ كالأفعَــــــــــــــــــى تسُمُّ وتَهْرُبُ
فاجْعَلْ مُصـــابَكَ في الحيَـاةِ وسِيلَةً للارْتقــــــــــــــــاءِ، يَطِبْ لِسَعْيِكَ مَكْسَبُ
واسْتَقْرِإ الأحْدَاثَ، في غَسَقِ الدُّجَى بَدْرٌ يُنِـــــــــــــــــــــيرُكَ أو يُطالِعُ كَوكَبُ
لا تَأْمَنَنْ شَرَّ اللَّئِيــــــــــــــمِ فَإنَّهُ.. أبَدًا يَخُــــــــــــــــــونُ –إذَا أَمِنْتَ- وَيَكْلَبُ
أَسَفَـــــاهُ! تِلْكَ خَسِيسَةٌ في طَبْعِهِمْ وسَلِ الزمَـــــــــــــانَ يُرِيكَ مَا هُوَ أعْجَبُ
إنْ يَأْكُلُوا بَطَرُوا، وَسَلْ وَاحَاتِنَــــا كَمْ نَخْلَةٍ جَذُّوا، وَأُخْـــــــــــــــــــرَى تُنْهَبُ
أو يَسْغَبُوا انْتَقَمُوا، وَسَلْ صَحْرَاءَنَا كَمْ مِنْ بَرِيءٍ في القَــــــــــوَافِلِ أرْعَبُوا
كَمْ جَرَّدُوا، كَمْ أتْلَفُــــــوا، كَمْ قَتَّلُوا واسْأَلْ قُبُـــــــــــــــــورًا في البرِيَّةِ تُعْرِبُ
أيْنَ الحمِيَّةُ؟ أيْنَ أَخْلاقُ الأُلَـــــى؟ يَفْدُونَ جَارَهُمُ إذَا مَــــــــــــــــا اسْتُرْهِبُوا
نَقَّاهُمُ الإسْــــــــــــلامُ أفْضَلَ أمَّةٍ بالشِّرْعَةِ السَّمْحَــــــــــــــــاءِ، لَمْ يتَعَصَّبُوا
وإذَا دَعَاهُمْ مُعْسِرٌ لَبُّــــــــوا النِّدَا لَمْ يُثْنِهِمْ -عِنْدَ المُصِيــــــــــــــــبَةِ- مَذْهَبُ
حَقُّ الجِوَارِ أمانَةٌ مُثْلَــــــــى يُقَدِّ سُهَا الكِتَاـــــــــــــــبُ، وَلَيسَ عَنْهَا مَهْرَبُ
مَا بَالُهُم، يَا وَيْحَهُمْ، رَكِبُوا الجَهَا لَةَ، فاسْتَبَــــــــــاحُوا، وهِيَ بِئْسَ المَرْكَبُ
مَا بَالُهُمْ شَحَنُوا الضَّغَــائِنَ عُنْوَةً فَتَفَحَّرَتْ كَقُلُـــــــــــــــــــــــــــــوبِهِمْ تَتَلَهَّبُ
هُمْ أَضْرَمُوهَا في النُّفُوسِ فَأَحْرَقَتْ بالنَّـــــارِ أَمْوَالاً تُعَزُّ وَتُـــــــــــــــــوهَبُ
عَرَقُ الفَقِيرِ رَمَادُهُ يَشْوِي الجُنَـــا ةَ، وَرَبُّكَ القَيُّـــــــــــــــــــــومُ ثَمَّةَ يَحْسِبُ
وَغَدًا بِدَارِ الحَقِّ يَأتِي شَـــــــاهِدًا لِشَهِيـــــــــــــــــــــــــدِ قَوْمٍ بالعَدَالَةِ يَطْلُبُ
“فاضْرَعْ لِرَبِّكَ إِنَّهُ أَدْنَـــــى لِمَنْ يَدْعُــوهُ، مِنْ حَبْلِ الوَرِيـــــــــــــدِ وَأَقْرَبُ
واحْذَرْ مِنَ المَظْلُومِ سَهْمًا صَـائِبًا واعْلَمْ بِأَنَّ دُعَــــــــــاءَهُ لاَ يُحْجَبُ”([1])
الراجي عفو ربه: محمد صالح ناصر
الأبيار، الجزائر: الخميس 07 ربيع الأول 1435هـ / 09 جانفي 2014م
المصدر: موقع مركب المنار
—————————————-
[1] البيتان الأخيران للشاعر العباسي المعروف صالح بن عبد القدُّوس.