ببالغ الأسف وصلنا نبأ وفاة الأستاذ عبد العزيز بن علي بيوض بحادث مرور مروع أودى بحياته وثلاث من بناته (سلمى، بشرى، ياسمينة) في طريقهم أمس لبلدتهم القرارة، ولاية غرداية، وهذا بعد قضاء إجازة عيد الأضحى المبارك في العاصمة على أمل استكمال الفرحة مع الأسرة الكبيرة في القرارة.
الأستاذ عبد العزيز -وهو حفيد الشيخ بيوض- رحمهما الله، يدرس في قسم الترجمة بجامعة الجزائر، وهو حاصل على درجة ماجستير في اللغة الإنجليزية من جامعة عنابة شهر جويلية 2009، وعرف عنه التواضع والخلق الطيب وحسن المعاشرة مع الجميع.
بهذه المناسبة الأليمة نقدم تعازينا الخالصة لأسرته وللقرارة ومزاب والجزائر عموما، وندعو بالشفاء لزوجته وبنتهما، وهي دعوة لنا للاعتبار والتوقف مع الذات والنفس واستدراك ما فاتنا، قال الله تعالى: “كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ”.
إنا لله وإنا إليه راجعون
الكلمة التيِّ ألقيت في مقبرة الحاج محمد المؤذن بالقرارة
بمناسبة فاجعة الوفاة التيِّ أودت بحياة بيوض عبد العزيز بن علي بن الحاج إبراهيم وثلاث من بناته (سلمى بشرى ياسمينة)
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىا كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمُ أَيُّكُمُ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ نحمده جلَّ في علاه، وهو الذي لا يحمد على مكروه سواه، ونقدِّسه تعاظمت نعماه أن جعل الأيَّامَ في هذه الدنيا دولاً، وحدَّ للأنام في هذه الحياة أجلاً، سبحانه هو الوليُّ الحميد ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ القائل في محكم تنزيله ﴿ مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الاَرْضِ وَلاَ فِي أَنفُسِكُمُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ إِنَّ ذَالِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ لِكَيْلاَ تَاسَوْا عَلَىا مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَآ ءَاتَاكُمْ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ والصَّلاة والسَّلام على أعظم المبتلين، وأجمل الصابرين، وأسوة المحتسبين، ورحمة الله للعالمين محمدِ بنِ عبد الله القائل تسلية وتخفيفا عن المبتلين: مَا يَزَالُ الْبَلاَءُ بِالْمُؤْمِنِ وَالْمُؤْمِنَةِ فِى نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَمَالِهِ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ، فاللهمَّ صلِّ وسلِّم على خيرِ من وارى الثرى بدنا، وأكملِ من كان للورى سننا، وعلى آل بيته الأكرمين، وأنبل صحبه أجمعين، وعلى من استمسك بحبل الله المتين، واعتصم بهدي نبيئه الأمين، مستعينا بالصبر والصلاة إلى يوم يقوم الناس لربِّ العالمين.
أيَّتها النفوس المطمئنة الحاشدة في هذا الجمع المبين، ويا أيَّتها القلوب الراضية بقضاء الله ربِّ العالمين، سلام عليكم قولا من ربٍّ رحيم نلتقي في هذا المساء من يوم الأربعاء 15 ذو الحجة 1433 هـ 31 أكتوبر 2012 م في رحاب هذا المكان الطاهر، وهذا الحشد السادر، وهذا الخشوع الغامر، وقد وجلت القلوب، ودمعت العيون، وزاغت الأبصار، وراغت الأفكار، لمَّا وجم الجمع بنبإ جلَّ كالقارعة، ورُجم الربع بخبر حلَّ كالصاعقة، حتى ما كاد المرء بالخبر استبعادا يصدِّق، ولا بالنبإ امتعاضا يحقِّق، لولا عقدة من الإيمان في القلب راسخة، وثقة في الملإ الأعلى شامخة، وكيف لا يخرص الكلُّ ذهولا، شيبا من الرجال وكهولا، والموت قد سطا على أسرة كاملة فتخطفها غيلة، والحمام نشب المخالب كاسرا في صدور وديعة كالحمام، الوالد بيوض عبد العزيز بن علي بن الشيخ بيوض، وبناتُه الثلاث: بيوض سلمى بنت عبد العزيز بن علي بن الشيخ بيوض تسع سنوات، بيوض بشرى بنت عبد العزيز بن علي بن الشيخ بيوض ثمان سنوات، بيوض ياسمينة بنت عبد العزيز بن علي بن الشيخ بيوض ستُّ سنوات، بنيَّات ثلاث في ربيع الحياة، وريعان الصبا، زادهنَّ العفاف بهاء، وأكسبهنَّ الحياء رواء، فكنَّ وحور الجنان كأمثال اللؤلؤ المكنون سواء، ركبوا سيارتهم مولِّين وجوههم شطر القرارة طوعا، فأخرجوا منها كرها وقد لحقوا بدار القرار صرعى، إنَّه الموت كان يترصد قاطعا كلَّ أجل، ولكنَّه الحمام كان يتهدَّد رادعا كلَّ أمل، فما لهم إلى أهلهم رجعة، ولا إلى سررهم ضجعة. لقد كان آخر اتصال بين عبد العزيز وأمِّه وهو في الطريق إلى القرارة، تسأله أمُّه أنعدُّ لكم العشاء؟ فيقول عبد العزير، لا لا داعي إنَّنا سنصل متأخرين، وإنَّنا سنتعشى في الطريق، ولكنَّ القدر كان يقول خلسة: إنَّك ستتعشى أنت وبناتك الثلاث فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ على سرر متقابلين يَطُوفُ عَلَيْكم وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَاسٍ مِّن مَّعِينٍ لاَّ تصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلاَ تنزَفُونَ وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا تتَخَيَّرُونَ وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا تشْتَهُونَ. واستمعوا إلى هذا الحوار المعسول قبل دقائق من وقوع الحادث المهول، بين عبد العزيز ومرافقه في الرحلة وقد تواعدا على العشاء معا، يهتف الرفيق إلى عبد العزير: لقد وصلت مدينة وسارة، وأنا أنتظرك في مكان كذا والكوكوت أي القدر عامرة تنتظرك، فيجيب عبد العزيز، أنا قريب منك وسأصل بعد لحظات، يستبطئ الرفيقُ عبدَ العزيز فيهتف إليه مرة ثانية، فإذا المجيب غير عبد العزيز، إنَّه رجل من رجال الدرك الذي تستلم هاتفه بعد أن وقع الحادث وقضي الأمر، فما أجلَّك ربَّنا وما أحكمك، لقد نفذ القَدر وبقي القِدر، وما أصدقك يا رسول الله في قولك: لتقومنَّ الساعة والرجلان بسطا ثوبهما بينهما لا يطويانه ولا يتبايعانه، ولتقومنَّ الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته لا يطعمه، ولتقومنَّ الساعة والرجل يلوط حوضه لا يسقيه، ولتقومن الساعة والرجل رفع لقمته إلى فيه لا يطعمها، وليست الساعة قيامَ الساعة الكبرى فقط، بل كلُّ من مات قامت قيامته، فسبانك ربَّنا سبحانك، لا رادَّ لقضائك ولا معقِّب لحكمك. فما لكِ أيَّتها السيارة تنقلبين على نفوس زكية قد آثرتك على غيرها من المطايا ظهرا، وما لك أيَّتها الراحلة تنقضِّين على قلوب ذكية وقد ترجَّتك أن توصليها أهلها فجرا، أم تراك قد آثرت بطنك لهم قبرا، وأزمعت على فجعتهم بالليل قدرا، وأرصدت هلاكهم قد اكتمل منهم الهلال فصار بدرا.
وَالمَرءُ مِثلُ هِلالٍ حينَ تُبصِرُهُ **** يَبدو ضَعيفاً ضَئيلاً ثُمَّ يَتَّسِقُ
يَزدادُ حَتّى إِذا مــا تَمَّ أَعقَبَهُ **** كَرُّ الجَديدَينِ نَقصاً ثُمَّ يَنمَحِقُ
ولكن ما أحكم مشيئة الرحمن في كلِّ ما تأتي وتذر، وما أرحم عدالة الديَّان في كلِّ ما عظم ونزر، وما أتعس الإنسان إن هو طغى وكفر، ويا بشراه بالسعادة إن هم احتسب وشكر، تلك لعمري عظم المنَّة في المنية، وذلك إي و ربِّي جزل الثواب على المصاب، ﴿ اِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ وتلك إرادة من لا يسأل عما يفعل، وإذ كان الأمر كذلك فـ
دَعِ الأَيّامَ تَفــعَلُ ما تَشـاءُ **** وَطِب نَفساً إِذا حَكَمَ القَضاءُ
وَلا تَجزَع لِحادِثَةِ اللَيـــالي **** فَمــــــا لِحَــوادِثِ الدُنيا بَقـاءُ
أيُّها الأحبة الأكارم، ما أصعب الحديثَ عن موت نفس مؤمنة، وَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ قَتْلِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ، فكيف والموت قد تصيَّد أسرة جمعاء، والد وثلاث بنات، والد حبٌّ عزيز، يدعى دلالا عزوزا، رابط في ميدان العلم يصول، وفي لجج غماره يخوض، فارتقى معالي ذراه مجنِّحا، في مضمار مدرَّجات الجامعة بالسبق ملوِّحا، فلم يرد أن يتخلَّف عن موعد الدراسة ولو في أيام عطلة العيد، فحمل محفظته موليا وجهه شطرها يوم الإثنين الماضي، فقيل له: يا عبد العزيز هذه أيام العيد، وإنَّك لن تجد في الجامعة أحدًا، فشأن الطلبة غالبا التغيب في مثل هذه العطل، فقال: ذاك شأنهم، أمَّا شأني فأن أكون في الموعد ولو كنت أعلم بأنَّني سأجد القاعة خالية، إرضاء لربِّي، ووفاء لعملي، وراحة لنفسي، وتبرئة لذمَّتي، وهذا هو سبب بقائه في العاصمة معيِّدا، بدل إقامة مراسيم العيد مع أهله وذويه في بلده القرارة، فحريٌّ بمن كان هذا دأبَه أن ينشد الذؤابة معزَّزا، وكيف لا يبلغها وهو من نسل الإمام الشيخ بيوض يستسقي مكانة وعزًّا.
فليهنأ الوالد ضاحكا مسرورا مع بناته في مقعد صدق يتفكهون في بحبوحة فراديس دار البقاء، ولكن ما أقسى الوقيعة على قلوب من بقي بعدهم من الأهل يعتصرون في عالم الشقاء، ألا ما أشقى البيانَ أن يخرَّ مقهورًا، وما أتعس اللِّسانَ أن يظَلَّ مأسورًا، وما أعجز الإنسان أن يظلَّ كسيرًا، ﴿فَلَوْلآَ إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لاَّ تُبْصِرُونَ فَلَوْلآَ إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَهَآ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾
أيها الأحبة في الله لنا في كلِّ موت عبرة، ولنا في كلِّ ميت فكرة، فما أرى الموت إلاَّ خاطفا كلَّ نفس مهما اشتدَّ بها الأمل، ودائلا كلَّ دولة مهما امتدَّ بها الأجل، وكلُّ نفس ذائقة الموت، ومن لم يمت بالسيف مات بغيره، ولكن ما أصعب سكرة الموت إذا جاءت فجأة، وما أشدَّها وقعا إذا أماتت جمعا، وما أقساها فجعا إذا كان الجمع أسرة ولقد كان المصطفى يستعيذ من أرذل العمر ومن الموت الفجاءة، ولكنَّ
ما أعجب الحـــين والقـــدرا إنَّهمـا **** ما اختلَّ حكمُهما يوماً ولا اختلفا
كلٌّ إلى أجـــلٍ يجري، فـمصـرعـه **** ويومـه فـــي كتاب الله قد عُرفـا
ومن قضـــى الله في أرضٍ مـنيَّتـه **** ينخْ بهـــــا راضياً أوكارهـا شنفـا
هي المقادير والأحكام قد سبقتْ **** فضـلَّ مــن ظنَّ ما يأتي بـه أنفَا
فرحماك ربي ليس إلإَّ إليك الملاذ، فثبِّتنا يا مثبِّت القلوب على دينك، ووفِّقنا إلى الشكر عند السرَّاء، و الصبر عند الضرَّاء، وإلى القول الثابت في الحياة الدنيا ويوم اللِّقاء، فكلُّ شيء أردته يا ربُّ وقع، وكلُّ شيء وقع كان كما أردت، وإرادتك متعلقة بالحكمة المطلقة، وحكمتك المطلقة متعلقة بالخير المطلق ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىا كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿فَعَسَىآ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾
فيا معاشر الناس أعدوا العدَّة قبل فوات الأوان، واستعدوا للرحيل قبل أن يرفع للموت الأذان، فما تدري نفس بأي أرض تموت، ومن مات قامت قيامته، وإذا نزل القدر زال الحذر، وإذا حاق القضاء ضاق الفضاء.
حُكـمُ المَنِيَّةِ في البَرِيَّةِ جـاري **** ما هَذِهِ الـــــدُنيا بِـدار قَـرار
بَينا يَـرى الإِنسان فيها مُخبِراً **** حَتّـى يُرى خَبَراً مِنَ الأَخبـارِ
طُبِعَت عَلى كـدرٍ وَأَنتَ تُريدُها **** صَفواً مِنَ الأَقــــذاءِ وَالأَكـدارِ
وَالنَفـسُ إِن رَضِيَت بِذَلِـكَ أَو أبَت **** مُنقــــــــــادةٌ بِأَزمَّة الأَقـدارِ
لَيسَ الزَمانَ وَإِن حرصت مُسالِماً **** خُلُق الزَمانِ عَداوَةُ الأَحــرارِ
العيـش مــــــوت والمنيـة يقظـة **** والمـرء بينهمـا خيال ســار
يا أمَّهات الشهداء المفقودين الصبورات، لقد فقدنَّ فلذات أكبادكنَّ جملة واحدة، وقد شقيتنَّ لأجلهم مرَّ الأعوام وكرَّ الأيام، ماذا عسانا نقول لكنَّ وأنتنَّ القانتات الثكليات، وبماذا نسلِّيكنَّ وأنتنَّ التقيات المثليات، فما لنا معشر الضعفى من بيان مسلٍّ سوى الركون إلى كلام المولى، وحديث المصطفى، فلكنَّ ولأمثالكنَّ ممَّن آثرهنَّ الرحمن واصطفى، نعم البشرى ونعمت الزلفى، فاستمعْن لما قال استمتعن، وثقن بمن قال واحتسبن: فعنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ لَمَّا كَانَ اللَّيْلَةُ الَّتِى أُسْرِىَ بِى فِيهَا أَتَتْ عَلَىَّ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ مَا هَذِهِ الرَّائِحَةُ الطَّيِّبَةُ؟ فَقَالَ هَذِهِ رَائِحَةُ مَاشِطَةِ ابْنَةِ فِرْعَوْنَ وَأَوْلاَدِهَا، قَالَ قُلْتُ وَمَا شَأْنُهَا؟ قَالَ بَيْنَا هِىَ تَمْشُطُ ابْنَةَ فِرْعَوْنَ ذَاتَ يَوْمٍ إِذْ سَقَطَتِ الْمِدْرَى مِنْ يَدَيْهَا فَقَالَتْ بِسْمِ اللَّهِ، فَقَالَتْ لَهَا ابْنَةُ فِرْعَوْنَ: أَبِى؟ قَالَتْ لاَ وَلَكِنْ رَبِّى وَرَبُّ أَبِيكِ اللَّهُ، قَالَتْ أُخْبِرُهُ بِذَلِكَ؟ قَالَتْ نَعَمْ، فَأَخْبَرَتْهُ فَدَعَاهَا فَقَالَ: يَا فُلاَنَةُ وَإِنَّ لَكَ رَبًّا غَيْرِى؟ قَالَتْ نَعَمْ رَبِّى وَرَبُّكَ اللَّهُ، فَأَمَرَ بِبَقَرَةٍ مِنْ نُحَاسٍ فَأُحْمِيَتْ ثُمَّ أَمَرَ بِهَا أَنْ تُلْقَى هِىَ وَأَوْلاَدُهَا فِيهَا، قَالَتْ لَهُ إِنَّ لِى إِلَيْكَ حَاجَةً، قَالَ وَمَا حَاجَتُكِ؟ قَالَتْ أُحِبُّ أَنْ تَجْمَعَ عِظَامِى وَعِظَامَ وَلَدِى فِى ثَوْبٍ وَاحِدٍ وَتَدْفِنَنَا، قَالَ ذَلِكَ لَكِ عَلَيْنَا مِنَ الْحَقِّ، قَالَ فَأَمَرَ بِأَوْلاَدِهَا فَأُلْقُوا بَيْنَ يَدَيْهَا وَاحِداً وَاحِداً، إِلَى أَنِ انْتَهَى ذَلِكَ إِلَى صَبِىٍّ لَهَا مُرْضَعٍ وَكَأَنَّهَا تَقَاعَسَتْ مِنْ أَجْلِهِ، قَالَ يَا أُمَّهْ اقْتَحِمِى فَإِنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الآخِرَةِ فَاقْتَحَمَتْ.
أيَتها الزوجة الصالحة كوني لربك تقَيَّة، ولذكر زوجك وفية، ولمن تبقََّى من ولدك رعيَّة، ولتكن لك ولأمثالك من الزوجات أسوة في أمِّ المؤمنين أمِّ سلمة التيِّ قالت: سمعت رسول الله يقول: ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله، إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهمَّ أجرني في مصيبتي، وأخلف لي خيرا منها إلاَّ أخلف الله له خيرا منها، قالت فلما مات أبو سلمة قلت: أيُّ المسلمين خير من أبي سلمة، أوَّلُ بيت هاجر إلى رسول الله قالت: ثمَّ إني قلتها فأخلف الله لي رسول الله . واعلمي أنَّ الخلف أصناف كثيرة، وللخلف أسباب عديدة، فإنَّ في الله عزاءً من كلِّ مصيبة، وخلفًا من كلِّ فائت، فبالله فثقوا وإياه فأرجوا فإنما المحروم من حرم الثواب.
ويا آل الإمام بيوض المجتبَين، ويا من ضربتم أروع المثل للصابرين، في أحسابكم الأولين، وفي أنسابكم الآخرين، لكم تفجرت قوبكم بنور اليقين، وصبرتم لربكم محتسبين، ورجَّعتم ملبِّين نداء ربِّ العالمين ﴿ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴾ فصبرا آل بيوض إنَّ موعدكم الجنة، لأنتم أولى من نوجه إليهم التعزية، وأحقُّ من يستحقُّ منَّا التأسية، فلا نشكُّ في أنَّ المصاب خطب جلل، وأنَّ الموارين التراب كلُّهم حِبٌّ نُبل، وأنَّ المفارقين الأحباب جميعهم غُرر حُلل، عزيز عليكم فراقُهم، شديد عليكم نسيانُهم، ولكن ثقوا في رحمة العزيز الوهاب، وتيقَّنوا أنَّ الثواب يعظم بقدر المصاب، وإنما الصبر صبران، صبر عند الصدمة الأولى على مصيبة جلَّت، و صبر استمرَّ مدة طولى على مصيبة حلَّت، فعن سعد بن أبي وقاص قال قلت: يا رسول الله أيُّ الناس أشد بلاء؟ قال الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى العبد على حسب دينه، فإن كان في دينه صلبا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلي على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه من خطيئة.
ويا أخانا الوفيَّ عليًّا، ويا من رفعه الله مكانا عليًّا، لا نعزِّيك يا عليُّ إلاَّ بما عزَّى بها عليٌّ الأشعث بن قيس وقد مات له ولد عزيز، كما مات لك ابنك عزيز فقال: يا أشعث إن صبَرت جرى القدر عليك وأنت مأجور، وإن جزعت جرى القدر عليك وأنت مأزور، وخذ لك من شعر أبي نواس نضيده ومكنونه، ودع عنك مجونه ومجونه:
أَرى كُلَّ حَيٍّ هالِكاً وَابنَ هالِكٍ **** وَذا نَسَبٍ في الهالِكينَ عَريقِ
فَقُل لِقَريبِ الدارِ إِنَّكَ ظاعِـنٌ **** إِلى مَنزِلٍ نائي المَحَلِّ سَحيقِ
إِذا امتَحَنَ الدُنيا لَبيبٌ تَكَشَّفَت **** لَهُ عَن عَدوٍّ في ثِيابِ صَديقِ
فاصبر وما صبرك إلاَّ بالله، ولئن صبرت لهو خير للصابرين ﴿ أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبـِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾فنعم العدلان ونعمت العلاوة.
يا معشر الشباب المغامر، ويا من يضرب في بحر الحياة الغامر، خذوا حذركم عند كلِّ مرصد، واحتاطوا لأنفسكم عند كلِّ مقصد، فما أكثر الحوادث التي أودت إلى المنون، وكان السبب فيها ظلمة الليالي ومداعبة النوم للجفون،
رُبَّما اِرتَجّت اللَّيـا **** لي بِإحـدى الطَّوارِق
كَم بِبُحبوحة الثَّرى **** من حَبيب مُفــارِق
فتجنب أخيَّ السفر بالليل ما استطعت إلاَّ أن تكون مضطرًّا، فالليل أخفى للويل، وتعوَّذ من الليل وما وسق، ومن شر غاسق إذا وقب، فالليالي من الزمـان حبالى مثقلات يلدن كـلَّ عجيب
ولا تفرحنَّ بليل طاب أوَّله **** فربَّ آخر ليـل أجَّج النـار
يا أيُّها الجمع الكريم، إنَّها النكبة كبرى، وإنَّها النفوس جزعى، وإنَّهنَّ الأرامل ثكلى، وإنَّهم الأيتام جوعى، فليست المؤاساة تعزيةً تلفِّقها الألسنة، أو تتمطَّق بها الشفاه، أو تذرف بها الدموع، وإنَّما المؤاساة الحقُّ رعاية الأرملة، وكفالة اليتيم، وكفاية المحتاج، وإعالة الجائع، وفي هذا فليتنافس المتنافسون، ولمثل هؤلاء فليقم القائمون، وفي مثلهم فلينفق المنفقون، فقد كان عمر بن الخطاب يعطي الخنساء أرزاق أولادها الأربعة الذين استشهدوا في يوم القادسية لكلِّ واحد مائة درهم حتى قبض. ﴿ فَلاَ اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ اَوِ اِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ اَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾
فباسم حلقة العزابة الموقرة، التيِّ ارتأت أن تخصِّص هذه الكلمة في هذا الوقت – على غير المعتاد – لعظم الفاجعة، وباسم سكان القرارة ممن حلت بهم القارعة، وباسم كلِّ ذي كبد رطبة تجأر إلى الله ضارعة، نتقدَّم بالتعزية الخالصة إلى أنفسنا أوَّلا ونحن المفجوعون، وإلى أسرهم ثانيا وهم أهلهم الأقربون، وإنَّا وإيَّاهم جميعا لمحزونون، وحسبكم تأسية بشارة فالق الحبِّ والنَّوى: ﴿وَلاَ تَحْسِبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاَم بَلَ اَحْيَآءٌ عِندَ رَبـِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَآ ءَاتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمُ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ وكفاكم تعزيةً تعزيةُ من لا ينظق عن الهوى: فعن معاذ بن جبل ثم أنَّه مات ابن له فكتب إليه رسول الله يعزيه: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله، إلى معاذ بن جبل، سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أمَّا بعد فأعظم الله لك الأجر، وألهمك الصبر، ورزقنا وإياك الشكر، فإنَّ أنفسنا وأموالنا وأهلينا وأولادنا من مواهب الله الهنيئة، وعواريه المستودعة، يمتِّع بها إلى أجل ويقبضها إلى وقت معلوم، وإنَّا نسأله الشكر على ما أعطى، والصبر إذا ابتلى، وكان ابنك من مواهب الله الهنيئة، وعواريه المستودعة، متَّعك الله به في غبطة وسرور، وقبضه منك بأجر كثير، الصلاة والرحمة والهدى إن احتسبته فاصبر، ولا يحبط جزعك أجرك فتندم، وأعلم أنَّ الجزع لا يردُّ ميتا ولا يدفع حزنا وما هو نازل فكان قدرا، والسلام.
فاللهمَّ إنَّ لا نسألك ردَّ القضاء ولكن نسألك اللُّطف فيه، فنجنا يا حليم، وارحمنا يا رحيم، ﴿ رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ ﴾ ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالاِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ إنَّ الله وملائكته يصلُّون على النبيء يا أيُّها الذين آمنوا صلُّوا عليه وسلّموا تسليما، صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليمًا كثيرا.
﴿سُبْحَانَ رَبـِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلاَمٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾
عيسى بن محمد الشيخ بالحاج أستاذ بمعهد الحياة.
القرارة: يوم الإربعاء: 15 ذو الحجة 1433 هـ 31 أكتوبر 2012م
