مقاربة تقابلية بين الطبيعة المادية وفكر الإنسان

خلق الله تعالى الموجودات كلها أزواجا؛ من إنس وجان وجمادات وأفلاك وذرات وهلمّ جرّا، إلا وجهه الواحد الأوحد تعالت عزّته، فقد قال في هذا الشأن: {وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} الذاريات: 49، وفي قصّة نوح عليه السلام حين أمره الله تعالى في قوله: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ} هود: 40.

فالله تعالى جعل لكلّ مخلوق مقابلا له كالليل يقابله النهار، الخير يقابله الشّر، الدنيا تقابلها الآخرة إلى غير ذلك، فلو قارنّا بين مخلوقين وجدناهما يحملان الضد لغويّا كالذكر ضده الأنثى، البرودة ضدّها الحرارة وهلمّ جرّا، ومن الحكمة الإلهية أنه اختار لهذه المتقابلات العيش جنبا إلى جنب في حيّز واحد من المكان كالذكر والأنثى، أو في حيّز واحد من الزمان كالحبّ والكره، بحيث يمكن للفرد أن يحمل في صدره حبّا لذاك وكرها لآخر في وقت واحد، ووضع المبدع ــ تعالى في علاه ــ بين كل زوجين اثنين علاقة تفعالية ليست تناطحية ولا لهدف الهلاك والدمار؛ فالعسر واليسر بينهما علاقة تعاقب {سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا} الطلاق: 07، وبين الرّجل والمرأة علاقة تكامل، والذرّة مثلا تحتوي على الإلكترون الذي يحمل الإشارة السالبة والنيترون الذي يحمل الإشارة الموجبة، فكلّ من هذين المكوّنين يعملنا في حركة تفاعلية دقيقة وسريعة لتقوم الذرة بمهمتها في الحيز الوجودي الذي أودعها الله فيها.

حاولت أن أنظر بعيني النّاقصة باحثا عن الحِكم الربّانية التي تكمن وراء هذا التكامل والتعاضد والتفاعل بين الموجودات المتجانسة في الكون، فاستقرأت مايلي:
أولا: إنّ وجود ضدّين متقابلين في الحياة واجب طبيعي، فلا يمكن أن يخلق الله النّهار من دون اللّيل، إذ إنّ الإنسان حين يبتغي الرزق في النّهار أن يحتاج إلى ليل للراحة ليعاود الكرة بعد ذلك في النّهار التّالي {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا} الفرقان: 47، فهنا تكمن حكمة من حكم التكامل والتعاقب بين الليل والنهار كمصلحة للإنسان. والملحظ نفسُه يمكن استنباطه من تقابل الخير والشر في تفعالات الحياة، إذ من الطّبيعي أن تتضارب قوى الخير مع قوى الشّر ليحصل النّمو في الأفعال الخيّرة وكذا الأفعال الشّريرة وهذا على حسب درجة التفاعل.

ثانيا: إن التكاثر والاستمرارية نتيجة عملية تزاوج؛ { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً} النساء: 01، ومثل ذلك نجده في المخلوقات التي تدنو عن الإنسان؛ إلى الحيوان والنّبات…، والملحظ نفسه يمكن استنباطه من الفكرة عند ولادتها كمقترح؛ فإنّها ستواجَه بردّ أو انتقاد أو بمقترح آخر يدحضها وبذلك تنمو وتتطوّر بالتأثير والتأثّر لتصل إلى نظرية راشدة ومشروع متكامل.

ثالثا: إن التفاعل الذي يسري بين العناصر المتقابلة في الحياة يجعلنا ندرك وجوبَ وجودِ توازن يحفظ عملية التفاعل لبقاء قوة الاعتدال، وليضمن الاستمرارية والنّمو لعناصر الحياة. وعلى هذا النّحو نجد بين صفتي الخجل والتهور سلوكا وسطا وهي الشجاعة لاعتدالها وتعادلها بين قوة العاطفة وقوة التعقّل، فلا إفراط مخافة رُجحان كفّة التهور ولا تفريط مخافة رُجحان كفّة الخجل، إذ كل منهما مذمومان في ميزان الرّحمن ومنطق الإنسان. والتوازن مرمى كل عالم عامل.

إن قصدي من وراء هذا الاستطراد في ذكر خصائص العناصر المتقابلة في الكون؛ ليس بيانا للإعجاز الربّاني ولعظمة الخالق وحكمته فقط؛ إذ إنّ هذا الأمر قد تحدّث فيها من تحدث، فلا يتعثّر في المسألة إلاّ من غُشيت فطرتُه غبَرة وأرهقها قتَرة وأولائك هم الكفرة الفجرة. إنما قصدي هو إسقاط هذا الاستقراء على السؤال “الصغير الكبير” كما وصفه الدكتور محمد بابا عمي، متسائلا: كيف تيقنّا بالوجوب الطبيعي لتعاقب الليل والنهار وتفاعل الخير والشر وتكامل الذكر والأنثى…، ولم نعمل بإلزامية تفاعل الفكر والفعل وتكامل الرجل المنظّر والرجل الميداني، وتوازن المنطق الفكري والمنطق العملي؟، ولا أحسب أني سأجد الجواب الكافي، وإنّما تنبيهي من خلال هذا الموقف للغافل الذي فرّق بين الفكر والفعل ظانّا بأنّ الحياة ستستمر وتنمو وتتطوّر بالفصل بينهما. فهذه إشارة بأن عقل المسلم وقلبه وجوارحه تعمل بطبيعتها في تفاعل وتوازن وانسجام ككلّ مخلوقات الله تعالى، إذ ليس في الاستطاعة إقصاء أحدهما أو إبعاده عن الآخر.

إن هذه المسألة لم تكن حديثة العهد بنا فلقد أسال العلماء والمفكرون والفلاسفة مِدادهم وسوّدوا صحائفهم بطرحها في عهود خلت، وبمناسبات مختلفة، بعد القرون الذهبيّة للأمّة الإسلاميّة وبالضبط عند بداية فساد السياسة في الخلافة الأمويّة. حيث نقص المنطق العملي في سلوك الإنسان فأصبح يتكلم تبَعا لمبادئ القرآن ولا يعيش طبقا لمبادئ القرآن كما عبّر عنه أستاذنا مالك بن نبي.

فلماذا تتمتّع أمّتنا الإسلاميّة بمرجعية عظيمة ولكن توظيفها ضئيل؟ ولماذا تعجبنا الكلمات الرائعة والعبارات المسجوعة ولكن ينقصنا الفعل الكامل؟ لماذا تطبع كتب وتحرّر بحوث ومقالات ولكن تبقى في الرفوف أو في المواقع الالكترونية ميّتة؛ لا تدبّ فيها الحياة إلا إذا مُدّت إليها يد القارئ العامل؟ كيف يقترب العالم المنظّر من العامل الميداني؟ أسئلة تبحث عن الإجابة عند كلّ إنسان حرق فؤداه ورشد عقله ولم يقبل البقاء في القاع المزدحم.

 صلاح الدين الشيخ أحمد

 مركز الحكمة – الجزائر

Exit mobile version