الداموس الملجأ الذي احتضن المجاهدين وينافس اليوم ”الكور والدوبل كور”
استعاد المسكن الأرضي أو ما يسمى محليا “بالداموس” مكانته بمدن غرداية وأحيائها العتيقة، في السنوات الأخيرة بسبب حنين السكان الأصليين بالمنطقة الغربية للمدينة إلى أجواء “الداموس” بعد الحرارة الكبيرة التي تشهد المنطقة، وتهافت العامة من سكان الجنوب على اقتناء آخر صيحات أجهزة التكييف الكهربائية.
معلوم أن غرداية بنيت في بطون الجبال على غرار معلم أعجوبة مدينة “البتراء” بالأردن، كان من الطبيعي أن يلجأ السكان الأصليون إلى نحت مساكن ومساحات تقبع تحت سكنات الطين القديمة، استنجادا بها في أوقات الحر واستعمالها لمآرب أخرى، حيث عرف عن غرداية أن تجارها القدامى كانوا يخزنون بضائع تجارتهم تحت الداموس، الذي ينافس اليوم مكيفات “الكور ودوبل كدور” باهظة الثمن، إذ تحول القبو أو “الداموس” في الألفية الثالثة إلى حضن أمين يحد من حرارة الأجواء الحارقة التي تتميز بها الولاية وعموم المناطق الجنوبية.
وفي هذا السياق، ومن أجل معايشة خفايا العالم الأرضي لتجمعات حي العطف شرق عاصمة الولاية، رافقنا “جلول” أحد مواطني حي رزاق الذين مازالوا يقيمون فوق مراكز وأقبية مجاهدي جيش التحرير، حيث أصر هذا الدليل على دخولنا أقدم “داموس” بالناحية الذي كان يستعمل ـ حسبه ـ أيام حرب التحرير كمخبئ لخلايا الاتصال، ونقل المعلومات بين الولايات الثورية آنذاك، وكم كانت المفاجئة كبيرة عندما انخفضت بنا الأرض، وغصنا في دهاليز متداخلة تميزت أجواؤها بالظلمة ولطافة الجو وارتفاع محسوس في نسبة الرطوبة حول المكان، ومنه المكوث هنالك والإستغناء عن كل ما هو موجود فوق سطح يحترق من شدة الحرارة، ويخيل لك أن الأرض تحتضنك في لحظات تنتابك فيها أحاسيس بأنك تنتمي إلى المكان منذ وقت ليس بالقريب، غادرنا المكان وفي الأفق قرص ملتهب بقي يسيطر على الأجواء، ويدفع في مشهد قصري عموم العائلات الغرداوية بداية شهر الحرارة إلى مغادرة منازلها، ودخول التجمعات السكانية المكتظة بسبب ارتفاع دراجات الحرارة إلى مستويات قياسية قد تتعدى 48 مئوية، في رحلة تفوح فيها رائحة الأصالة والمحافظة الموجودة، حسب مواطني المدينة الأثرياء بجدران أقبية منازل الغابة، أو ما يتداول على تسميته هنا بالمسكن الصيفي، أين مازال يحافظ سكان الأحياء العتيقة كحي الغابة وثنية المخزن داخل بيوتهم القديمة على المساحات الأرضية الممتدة على قطر لا يتجاوز الأربعة أمتار يعرف بالداموس، مشكلة للخلوة والراحة، أثناء فصل الصيف، حيث يلجأ أفراد العائلة من كبار السن والأطفال الصغار إلى قضاء أوقات الظهيرة ببطن الأرض، حفاظا على حياتهم وهربا من الأجواء الملتهبة فوق السطح.
لكن ما يجب الوقوف عليه في نواحي أخرى من المدينة، وخاصة خلال موسم الحر، هي تلك التصرفات اللاأخلاقية الصادرة عن بعض الدخلاء على مناطق سهل وادي ميزاب، أين أصبحت جماعات من المنحرفين يستغلون سحر الداموس بالغابات المهجورة، بعد فيضان السنة الماضية في ممارسة المحرمات وشرب الخمور، وهو ما شكل مصدر إزعاج للسكان، حيث أن العديد منهم يعزفون عن النزول إليها.
للصحفي: الشيخ زقاي، منشور بـجريدة الشروق يوم: 23 جوان 2011م
