الفاعل والمفعول

بينما أنتَ تلاحق جديد السوق في الإلكترونيات، وتتابع المعلَّبات الإخبارية في الفضائيات، وتهوى المكرَّر من الأشياء والحوادث والسخافات؛ ثمة مرابطون خلف الستار يفعلون وهم يفكِّرون، يقرأون ويكتبون ثم ينشرون، يقرِّرون وينفذِّون، يديرون ويدبِّرون ثم يسودون… فالواحد من هؤلاء هو “الفاعل”، ومَن سواهم من المستهلِكين المستهلَكين هم “المفعول به”…

أمامي حاليا كتاب “الدفاتر”، وهو جزءٌ من مذكِّرات مالك بن نبي، أطالع فيه باهتمام بالغ، للمرَّة “س”؛ ذلك أنَّه يرسم الخلفية القلمية لحقبة من تاريخ أمَّتنا، ووطننا(1)؛ ويشير بالبنان، وبوضوح منقطع النظير، إلى الفاعلين السلبيين، الذين أحالوا الجنة قفرا، والوطن جرُزا(2)، وها اليوم نتجرَّع الغصص جرَّاء ذلك؛ بينما بعضٌ منَّا لا يزال يلاحق، ويتابع، ويهوى…

ثم إني، قرأت للتوِّ تقريرا عن كتاب “العقد الاجتماعيِّ”، للفيلسوف السويسري “جون جاك روسو”، وقد كتب التقرير “إفلين بياييه”، واختار له عنوانا: “ثورات جون جاك روسو”؛ حتى إنَّ كثيرا من رجْعِ الصدى، ومن الكلمات الفضفضافة التي نردِّدها اليوم باسم “الثورة”، ونُلبِسها لَبوسا لا يليق بها ضرورة؛ الكثيرُ من هذه هي من ريشة روسو وقلمه؛ وأعجب “للكتاب الأخضر” الذي كرَّس الاستبداد ردحا من الزمن، في ليبيا القذافي، كونه “مشبعاً بمفاهيم مستوحاة مباشرة من العقد الاجتماعي”. وها اليوم بعضٌ ممن ثاروا على القذافي ينفخون نار الفتنة بأفكار مستوحاة من روسو؛ ولا أعمِّم، ولكن أستثني ثلَّة من الواعين الراشدين.

ثم إني طالعتُ قراءة أخرى، وتقريرا آخر، بعنوان “فاوست وخيمياء الرأسمالية”، أعدَّها “برنار أومبرخت”، وهي قراءة حول رواية “غوتيه” الشهيرة، والتي باع فيها الإنسان الغرُّ ضميره ومصيره للشيطان، ولقد كان مطلبُه هو التقدُّم والتطوُّر الدائم؛ حتى على حساب الإنسانيِّ والقيميِّ… ومما يثيرنا أنَّ “فاوست” كتب عبارته الشهيرة: “في البدء كان الفعل”، عوضا عن كلمة شطبها، وهي: “في البدء كانت الكلمة والقول والقوَّة”؛ وهما عبارتان تحيلان الإنسان المعاصر إلى “إنجيل غوتيه وفاوست وماوفيستو”، عوضا عن “إنجيل عيسى” كلمة الله وروحه.

أعود وأقول: بينما أنا وأنت، هو وهي، نحن وهم… نستغرق الوقت الطويل في عبثيات مجَّها العصر، وقاءها الإعلام… وبينما اللافعالية والكَلُّ يصِمان حركيَّتنا… بينما الحال كذلك، إذا بنا نبتعدُ رويدا رويدا، دون أن نشعر، وبغير إحساس، عن مركز الحياة وقلبِها؛ ونقبع هنالك على هامش التاريخ، لا باعتباره ساحةً للشهرة، وشاشة للأنانية؛ ولكنَّه التاريخُ الذي يختبرنا ويخبُرنا، التاريخُ باعتاره مساحةً وميدانا لأن “نوجَد أو لا نوجَد”، أن “نكونَ أو لا نكون”؛ أن ننتصر للحقِّ وأهله، أو يطحنَنا الباطل وأهلُه.

“الانسحاب” و”الاستسلام” سمتان من سمات “عصر الزرِّ الوهميِّ” للشاشة أو الجهاز؛ ذلك أنَّ الواحد منَّا يقتنع – بمجرَّد ضغط الزرِّ – أنـَّه حقَّق ما عليه، وأبرأ ذمَّته، ثم يُقنع نفسه أنَّه دخل التاريخ من بابه الواسع، وأسهم في صنع الحضارة بقسط وافر… فيتحوَّل هذا المغرور، بهذا الوهم، ويا للأسف، إلى بالونٍ منتفخٍ مزهوٍّ، يحشوه تِبْنُ المعلومات والأحداث اللامتناهية، إلى حدِّ الخفَّة والنَّزَق؛ ثم ينطلق بلسانه يعبُر الآفاق، ويصِف المشاهدات، ويبدي الآراء، ويمثِّل المواقف، فيصوِّب تارة ويخطِّئ أخرى، ثم يتهدَّد مستمعيه ومحاوريه… ثم ينتهي المشهد، ولا شيء في الواقع قد تحقَّق… وداعًا إلى يوم جديد، ومشهدٍ آخر… ثم آخر… وهكذا ينتقض غزلُ حياته، من بعد قوَّة أنكاثا.

البعض منَّا ينسحبُ إلى الوظيف، والبعض الآخر ينسحب من الوظيف، لا فرقَ؛ إذا كانت العادة، والتقليد، والعقم، والعجز… يسِمان هذا أو ذاك؛ فلا علم يَنفع، ولا عمل يُرفع، والتحقيق أنَّ واجبنا هو البحث عن “الدائرة الصالحة” حيث الخير يولِّد خيرا، والفكرُ يشحذ فكرا، والفعل يفجِّر فعلا؛ فإن قصُرنا عن إيجادها ولجنا مكرَهين محيط “الدائرة الفاسدة”، حيث الوهمُ يصنع الوهم، والقول يُحبِط العمل، والسكون ينوب عن الحركية… وهكذا، إلى ما لا نهاية.

ولا يشفع لنا الوصف، ولا التذمُّر، بل الواجبُ عمليًّا، وفعليا، أن ننظر جميعا، بصدقٍ، وصراحة:
هل نحن تحت إمرة الخير الولود، والعقل الولود، والقلب الولود، والخلق الولود…؟
أم أننا بِتْنا في كنف الوجود العقيم، والكلام الرميم، والعقل البليد، والخلق العنيد…؟!
ولنصدُق أنفسنا اليومَ، قبل الغد…

ولئن قال فاوست المغرور: “في البدء كان الفعل”، ثم شرح هذا المعنى بقوله: “أريد الحصول على السلطة، على الملكية، الفعل هو كلُّ شيء، المجد لا شيء”.

إلاَّ أننا نعلنها واضحة، لا مواربة عليها، ولا شِية فيها، مرتكزين على كلام ربِّنا الحكيم، نقول: “في الأخير سيكون الإيمان الراسخ، والعلم النافع، والعمل الصالح”.
ألم يقل بارينا: “وقل اعملوا…”، ثم قال: “إليه يصعد الكلم الطيب، والعمل الصالح يرفعه”.

فاعرِف أخي، وأوَّلُ محتاج إلى النصح هو أنا، ماذا سترفع إلى ربك، بنيَّة “عرضِ العمل على المفتِّش” الخبير العليم سبحانه؛ وضَع أمام ناظريك كلَّ آنٍ لحظةً تُفتح فيها حقائب أعمالك واحدة واحدة، ثم تُسأل عن كل صغيرة وكبيرة…

وحينها، أدعو الله لي ولك أن ينجينا، ولا يناقشنا الحساب، وأن يعليَنا عنده مقاما محمودا، ويرفعنا مكانا عليًّا… لكن، إذا أتينا بالشروط مستوفاة، ولا أخال إلاَّ أننا بحول الله فاعلون.

 

محمد باباعمي
أكاديميا، استانبول

(1) –  كلما جدَّ جديد في الساحة، لُذت بكلام الله تعالى، ثم ببعض المصادر المحورية، وحاولت فهم ما يقع على ضوئها؛ وهذه المرَّة كانت الدائرة لأحداث “مالي”، التي تؤلمني وتؤلم كلَّ غيور، مع الاعتراف بالعجز عن إقرار السلام هنا وهنالك؛ ولا بدَّ أن نكون فاعلين إيجابيين، بأيِّ شكل من الأشكال.
(2) –  الحق أنَّ ثنائية “السلطة والمعارضة” لم تعد تقنعنا، ولا تقدم شيئا ولا تؤخر؛ ذلك أنَّ كلَّ شرٍّ هو شرٌّ، صدر من هذا أو من ذاك؛ وأنَّ كلَّ خير هو خير، اكتسبه فلان أو علان؛ وهنا أجد أنني بسلبيتي أقف على المنطقة الهشَّة، وأتحمَّل قسطا من المسؤولية.

 

المصدر: فييكوس نت

Exit mobile version