مراسلات المزابيين في المعرض الوثائقي بسلطنة عمان

افتتاح المعرض الوثائقي الأول كشف للرسائل السرية والخاصة جدا كتبها سـلاطين وأئمـة وعلمـــاء وعــــامة بقيت نمنمات حروفهم في الورق.لم أكد أخطو عتبات المعرض الوثائقي الأول – والذي تنظمه هيئة المحفوظات والوثائق الوطنية في مقر الجمعية العمانية للفنون التشكيلية – حتى أدركت حجم الجهد الذي بذلته الهيئة في الحفاظ على هذه الوثائق باعتبارها ذاكرة ثقافية وتاريخية للوطن.

افتتح المعرض مساء أمس تحت رعاية معالي الشيخ محمد بن عبدالله بن عيسى الحارثي وزير الخدمة المدنية، بحضور جمع غفير من الشخصيات الرسمية والثقافية، تضمنت فعالية الإفتتاح إلقاء كلمة لسعادة الدكتور حمد بن محمد الضوياني رئيس هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية، ثم تلاه عرض فيلم وثائقي عن الهيئة، كشف الدور الذي تلعبه في سبيل الحفاظ على هذا التراث المكتوب، ثم تلته فقرة الشعر الشعبي ألقاها بالإشتراك كل من فهد السعدي ومطر البريكي، ثم كلمة ألقاها الشيخ مهنا بن خلفان الخروصي نيابة عن مالكي وحائزي الوثائق الخاصة، واختتمت الفعالية بتكريم الدفعة الأولى من مالكي وحائزي الوثائق الخاصة، وهي بادرة كريمة تقدمها الهيئة وستنتهجها في المعارض القادمة، احتفاء وتكريما للذين بادروا بتسليم وثائقهم وتصويرها أو تقديمها للهيئة، وتشجيعها لغيرهم ممن لم يبادر بعد، إذا المشروع قائم ومتواصل، وفي كل حين تظهر وثائق جديدة، وهو الدور المنوط بالهيئة وتعمل من أجله.

قاعتان تحتويان المعرض:

خطوات داخل المعرض، تقود إلى نماذج من الوثائق التي كتبتها شخصيات سياسية وعلمية ومن عامة الناس، رسائل من سلاطين عمان، ومن علماء وفقهاء، بقيت نمنمات حروفهم في الورق، بقي الخط في القرطاس رسما، وصاحبه رميم في التراب، كما يقول أحد الشعراء.

قاعتان كبيرتان تحتويان وثائق المعرض الذي ينقسم إلى عدة أقسام مختلفة تحكي عن تاريخ السلطنة التليد، قسم لمسيرة النهضة المباركة في عهد حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه – وقسم آخر خاص بالعلاقات الدولية بين السلطنة وبقية دول العالم، وقسم الوثائق الخاصة يحتوي على الوثائق التي قام بتسجيلها أو بيعها ملاك الوثائق، وهي وثائق متعددة المواضيع، تحكي عن التاريخ العماني في فترات زمنية ماضية، وتعايشهم مع بعضهم، فضلا عن تلك الوثائق التي تعنى بموضوع الإقرارات والوصايا والحياة العلمية والمراسلات المتبادلة بينهم وبين الجهات والشخصيات الحكومية، كما تحكي عن بعض الوثائق المتمثلة في الأدعية.

وثائق شرق إفريقيا:

وهناك قسم يعنى بشرق إفريقيا، فهو يحكي عن العلاقات بين مسقط وزنجبار، وبين الدولة العمانية والدول العربية والأجنبية في مختلف الجوانب السياسية والإقتصادية والإجتماعية والتمازج الثقافي بين شطري الدولة، مسقط وزنجبار، وحياة العمانيين في تلك الفترة، كما يضم المعرض قسما خاصا بالطوابع والعملات، وقسما خاصا بالخرائط القديمة التي تحدد المسارات البحرية التي تربط بين عمان والمحيط الهندي، وشرق إفريقيا والمناطق الآسيوية.

وفي قاعة أخرى نقف عند القسم الخاص بإنجازات هيئة الوثائق والمحفوظات، ومساعدة الجهات المعنية بتنفيذه، وسيعرض إنجازات الهيئة وأنشطتها بالجهات المعنية، وفي ذات القاعة قسم خاص لمشاركة وادي ميزاب بالجزائر، حيث يكشف عن تجذر العلاقة بين العمانيين والميزابيين منذ أكثر من مائتي عام، كشفتها تلك الرسائل والمبادلات بين الكتب والمخطوطات آنذاك. حيث تم عرض نماذج من تلك الوثائق والمخطوطات، تشمل الرسائل التي كان يتبادلها الفقهاء فيما بينهم، إلى جانب نماذج من المخطوطات العمانية المحفوظة في وادي ميزاب، ونماذج من الصحف التي احتفت بأخبار عمان في العصر الحديث، ويمكن لزائر هذا القسم أن يتعرف على الكثير من تلك العلاقة القديمة والمتواصلة بين العمانيين والجزائريين.

رسائل خاصة جدا:

تجولت داخل المعرض فإذا برسالة كتبها صاحب السمو السيد فيصل بن علي إلى صاحب السمو السيد ثويني بن شهاب رحمهما الله يطلب منه إرسال الجزء الثاني لكتاب «عصر المأمون»، كتبت هذه الرسالة عام 1944م، إذ كان صاحب السمو السيد فيصل يحتفظ بالجزأين الأول والثالث من الكتاب، فيما الجزء الثاني فهو في حوزة السيد ثويني. وخطوة أخرى تدلنا على قصيدة شعرية كتبها السيد الأديب حمد بن سيف البوسعيدي إلى الشيخ سعود بن حميد، مطلعها: «أتت تفتر في عِقد الجمان» على بحر الكامل، بدأت بالغزل ثم شرع في طرح السؤال، كعادة الشعراء، وهو ما يعرف بالمطارحة الشعرية، فرد عليه بقصيدة طويلة مطلعها: «حلال الشعر في نظم البيان». ووثيقة أخرى تعرفنا على كتاب: «الوصايا» لحمود بن أحمد بن سيف البوسعيدي، وقصيدة شعرية في المديح، نظمها سالم بن سليمان البهلاني، ورسالة من سلطان بن مرشد اليعربي، ورسائل أخرى للشيخ جاعد بن خميس الخروصي.

معرض كبير بحاجة إلى دراسة وتأمل لكل هذا الإرث المكتوب، لكن كل هذا التراث كان وراءه جهود هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية، والتي أنشأت لغرض الحفاظ على ذاكرتنا المنسية بين سطور الوثائق، والمراسلات.

جمعية الشيخ أبي إسحاق:

الحاج سعيد محمد رئيس جمعية الشيخ أبي إسحاق ابراهيم اطفيش لخدمة التراث من الجزائر، يتحدث بقوله: أن الجمعية ساهمت في هذا المعرض ببعض من الوثائق والمخطوطات التي تبين التواصل الموجود بين وادي ميزاب والجزائر، مع السلطنة. وقال أيضا: جئنا بنماذج فقط، لنعرف بها أخوتنا في عمان، وفي الجزائر لدينا مجموعة كبيرة من الوثائق والمراسلات التي تبادلها العمانيون والجزائريون، كالمراسلات التي جرت بين الشيخ محمد بن يوسف اطفيش، وبعض المشايخ العمانيين. سألته عن عدد الوثائق التي يقدمها في هذا المعرض، فقال: ما جئنا به مجرد نماذج فقط من أرشيف كبير، ومخزون ثري من الوثائق، واخترنا لهذا المعرض ما يعطي دليلا على عمق العلاقة بين العمانيين والميزابيين في الجزائر، فهذه رسالة أرخت عام 1850م، كتبها محمد بن ناصر إلى أحد أهالي وادي ميزاب، يخبره بإرساله مالا لشراء النخيل من الوادي وتحبيسها (توقيفها) للفقراء هناك، ورسالة أخرى من الشيخ عمر بن يوسف عدون من 1277هـ/1861م، بعثها إلى أحمد العبادي العماني، ومن خلال تعاملنا مع المراسلات والوثائق تعرفنا على شخصية عمانية وهو سعيد بن علي الصقري، وظهر لنا أنه من المشاهير في الجزائر، إذ كانت له مراسلات كثيرة بينه وبين الميزابيين، وخاصة فيما يتعلق بنسخ الكتب. كما قدمنا في هذا المعرض ما يعكس العلاقة الثقافة بين القطب اطفيش ونورالدين السالمي، وهي مراسلات تكشف عن حركة الطباعة لدى العمانيين، وحركة النشر في زنجبار، وفي رسالة أرسلت إلى الشيخ اطفيش يخبر فيها عن شراء مطبعة خاصة لطباعة كتابه «شرح النيل».

وثائق العزاء .. والصحافة:

رسائل العزاء كثيرة، وفي المعرض توقفت عند بعض من تلك الرسائل التي تبادلها العمانيون والجزائريون، منها رسالة تخبرهم عن وفاة الإمام الخليلي، ورسالة أخرى فيها نعي الشيخ نور الدين السالمي، أرسلت إلى الشيخ القطب محمد بن يوسف اطفيش، وهي رسالة تكشف عن حقيقة موت الشيخ السالمي قبل موت القطب بأيام، إذ وصلت الرسالة إلى القطب في الأيام التي يتوفى فيها أيضا.

وفي ركن من أركان جمعية الشيخ أبي إسحاق في المعرض الوثائقي الأول نقرأ نماذج من الصحافة الجزائرية التي احتفت بالأخبار العمانية، خلال الفترة من من: 1926 – 1938 م، كصحيفة «المنهاج»، التي كانت تصدر في مصر، وهي للشيخ ابراهيم اطفيش، وصحيفة «وادي ميزاب»، وصحيفة «الروح» للشيخ أبو العلا من القرارة كانت تطبع في العاصمة الجزائر.

وحسبما أكد لنا الحاج سعيد بن محمد فان هذه النماذج التي شاركت بها جمعية الشيخ أبي إسحاق، ستهدى لهيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية، كما أكد على رغبة الجمعية في فتح باب التعاون بينها وبين الهيئة، لمزيد من الثراء الثقافي، ولإعطاء العلاقة ما بين العمانيين والمزابيين في الجزائر امتدادا وتواصلا جديدا.

المقال: نشر في الموقع الرسمي لجريدة عمان بتاريخ: 01 نوفمبر 2010م

Exit mobile version