ذهنية “الأنديجين” وعقدة التخلف

يهزّ كياني كتاب “العفن” للمفكر الإسلامي “مالك بن نبي”. هذا العالم الذي لا أجد في حقه عبارة تصف فكره المتقد وحسَّه النافذ. قد وقفت متأملا أمام كل محطة من محطات حياته، أزداد ذهولا كلما واصلت تقليب الصفحات، أو قل تصفح الأزمات التي ارتبطت بها حياة هذا الرجل، دون أن تزعزعه أو تثنيه عن رسالته الحضارية. لكن ما فطر قلبي، وأدمع عيني؛ هي أزمة العالم الإسلامي ذاتها، أزمة المسلم وضعفه الفادح في إدراك ما حوله، والتمييز بين الغث والسمين من سيول الوقائع والأحداث، ناهيك عن تقرير وجهته بمنهج سليم وتفكير رصين. الأدهى من كل هذا وذاك؛ هو عدم إدراكه تماما بهذا الضعف وعدم إحساسه بتاتا بهذا الوهن، مما جعله لعبة مسلية بيد الآلة الاستعمارية الماكرة، تعبث به وقتما أرادت، وكيفما شاءت.

هذه الصورة المشؤومة أذاقت مالك بن نبي الأمرين، نتيجة تفطنه لخباياها وتفكيكه لعقدها الخبيثة. بن نبي باختصار تجاوز ذهنية الأهالي أو “ذهنية الأنديجين”1 كما يسميها، وانفلت من دائرة “القابلية للاستعمار”، فوقف مرفوع الهامة شامخا، واثقا من ذاته الحضارية وإرثه العربي الإسلامي الغني، مجابها سلطة وسطوة الأفكار الغربية القاتلة، الأمر الذي جعل المستعمر ينتفض مذعورا لخطورة الوضع، ويواجه حقيقة أن سمومه السيكولوجية التي يعكف على تحضيرها في مخابره أضحت لا تؤثر في هذا الرجل المسلم، فلجأ إلى تضييق الخناق عليه بشتى الوسائل والطرق، وقطَع كل أمل في حياة كريمة أمام ناظرَيه، إلا أن بن نبي الشاب المسلم العالم كان قد سبق المستعمر بمراحل، بإيمانه الراسخ وبعلاقته الوطيدة مع خالقه جل وعلا، فقد دعاه وهو لازال مقبلا بكل أمل وحماس على الحياة، أن يدّخر له كل خير إلى الدار الأخرى، فدخل المعركة فائزا منتصرا، محتكما إلى أحكام تلك الدار الخالدة بعيدا عن معايير هذه الدار الفانية.

من خلال صورة العفن المقيتة أحاول أن أفهم الواقع الذي تعيشه الجزائر هذه الأيام خصوصا، وما يعيشه العالم الإسلامي عموما، فبعد مضي 64 سنة كاملة عن تأليف هذا الكتاب، وبالرغم من مرور نصف قرن من الزمان على استقلال هذا الوطن، إلا أننا لا زلنا للأسف نعيش وفق “ذهنية الأنديجين” بتعدد صورها وأشكالها، واختلاف أعراضها، فالخطابات الحماسية لازالت تدغدغ شعورنا البريء، ووعود البوليتيك2 الوهمية ما فتئت تغري كياننا، والصورة اللقيطة على الشاشة هي ما يصنع أحكامنا، و”الأخبار العاجلة” لا زالت تستفزنا وتحركنا من أماكننا، وسمُّ المطالبة بالحقوق عوض الاهتمام بالواجبات لا زال يطيل غيبوبتنا، فمتى سنفتح أعيننا يا ترى؟

“إنسان الأنديجين” غير مدرك بأن مستوى الصراع كان دائما وأبدا في مستوى الأفكار والتصورات، فلا الأحداث السياسية، ولا الضوضاء الإعلامية، ولا رؤوس الأموال، ولا النفوذ، ولا حروز الانتخابات3 تستطيع أن تحدث معجزة التغيير والإصلاح، فهي آنية، عقيمة، تشتم منها ريح  النفاق، تحكمها الأنا الطماعة، وتسيرها المصالح. ولا حسن النية وحده كذلك…

بذور التغيير تنمو في تربة الصبر والإيمان والهدوء والنفَس الطويل، ولقد صاغ مالك هذه الحقيقة قائلا: “إن من الصعوبة الجمَّة أن تكوِّن رجلا واحدا من أن تدهش آلاف المستمعين وتجذب اهتمامهم بالخطب الوطنية”. هذه البذور تأبى الإنتاش إلا أن تتغير الأفكار في العقول، و تكتسب الفُهوم الحرارة4 اللازمة في القلوب، فتستحيلَ وعيا يتفجَّر أفعالا. بذور التغيير هي ثمار مسار تربوي حضاري، يرابط فيه الناس مرابطة المسلمين في “تلة الرماة” وهم كلهم وعي بأن انسحابهم كل مرة إنما هو تكرير لمشهد خسارة المسلمين يوم أحد…

ستسلك  البذور طريقها من ظلمة العدم إلى نور الوجود، وستتفتح أزهارها على يد شباب من هذه الأمة فهموا بأن “تلة الرماة” اليوم هي “التربية والتعليم” و”مراكز التفكير'” التي تنظُم سيمفونية الفعل على أرض الواقع، وأن الحفاظ على ظهر الأمة آمنا لا يكون إلا بإتيان فعل المرابطة والصبر على الواجب، عوض الجري وراء الحقوق والغنائم، فاللهم اجعلنا فداءً لهؤلاء…

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- لا يقصد مالك بن نبي من مصطلح الأنديجين الفرد من الأهالي ذاته، لكنه يتعامل مع الكلمة على أنها إنتاج للآلة الاستعمارية، وطريقة من طرق خطابها تجاه مستعمَراتها، فهذه الآلة استثمرت ضعف النظر، والجهل المستفحل في أوساط الشعوب المستعمَرة، فعملت على ترسيخ هذا الاعتقاد القاتل على أنه حقيقة وقدَر محتوم لا يمكن لإنسان المستعمَرات أن يتجاوزه.

 2- “البوليتيك”: كلمة بالعامية الجزائرية استخلصت من تحريف كلمة “politique” ويقصد بها بن نبي السياسة العقيمة التي تغيب فيها الفعالية وتبنى على الكذب والخداع والدجل، يحترفها المرتزقة والمشبوهون والجهلة. ويفرق بن نبي بينها وبين السياسة التي يعتبرها علما ترسم أهدافا وتجنِّد وسائل ولا تخطئ إلا في حدود خطأ العلم. العبارة من مفردات قاموس الفكر البنَابي (مترجم كتاب العفن).

 3-يشبِّه مالك بن نبي أوراق الانتخابات بالحروز التي كان يؤمن بها بعض الناس في أوساط الجهل والشعوذة بأنها تحقق المعجزات ويقول بأن أوراق الانتخابات في سياقات البوليتيك جهل وشعوذة بحُلَّة جديدة.

 4- “الوعي هو الحرارة الملازمة للمعنى” د. باباعمي.

محمد باحريز

المصدر: فييكوس.نت

Exit mobile version