لقد تردَّد علينا جميعا سؤال واضح، هو: “أأنتم مع الثورة أم ضدَّها؟ وهل أنتم مع النظام أم ضدَّ النظام؟”
والجواب الشافي هو: أننا مع الحقِّ ضدَّ الباطل، مع العدل ضدَّ الجور، مع جزائر كريمةٍ مَهيبةٍ لا مع جزائر ذليلةٍ مَهينة… نحن سِلمٌ للمبادئ حربٌ على المصالح…
ونريد أن نكون أكثر صراحة، ونقول: إنَّ ما يحقِّق لأمَّتنا الثوابت والمكاسب الحضارية نفديه بأرواحنا ومُهجنا؛ وما يحرمنا منها، ويلبسنا سيما الخسْف والهوان، نقاتله إلى آخر عِرق ينبض في قلوبنا… فإن كانت الثورة بحقٍّ قادرة على ذلك فمرحبا بها، وإن كانت عاجزة فلا مرحبا بها؛ نحن لسنا مع الثورة من أجل الثورة، ولسنا طلاَّب فوضى وفتن…
فيا ليت عقلاء الوطن صدقوا واعتبروا، واسَّارعوا إلى “مصالحةٍ مع الذات” تاريخيةٍ، بلا محن ولا فتن! فإن فعلوا، فمرحبا بما فعلوا؛ وإن تلكَّئوا فلا مرحبا بهم، ولا بما فعلوا!
إننا جميعا أبناء هذا الوطن، خيرُه خيرُنا، وشرُّه شرٌّ لنا…
الأنفاس تختنق، والأعصاب تحترق؛ الأعناق مشرئبَّة، والأعين شاخصة… وجهة الجزائر، هذه المرَّة؛ ولقد شهدنا على المباشر سقوط فرعون وهامان في مصر، ومن قبله – في تونس – شاهدنا رحيل النمرود الأصغر؛ والسؤال المبادر للأذهان، بدهي وبسيط للغاية، وهو:
– لمن الدور اليوم؟ وعلى مَن تدور الدائرة بعد اليوم؟
– هل الجزائر سائرة على خطى جارتيها، حذو النعل بالنعل؟
– ثم، هل ما وقع في الجزائر في أواخر الثمانينيات سابقة لما يحدث اليوم في تونس ومصر؟
– أم أنَّ رياح التغيير عائدة مرَّة أخرى إلينا، بشكل جديد؟
الحقُّ أن لا أحد يملك الجواب اليقين، ولا يقدر على التفسير المكين؛ فكلُّ الاحتمالات واردة، وكل التوقعات ممكنة؛ ذلك أنه لا يوجد عِلم، أو علوم يمكنها أن تفسِّر الوقائع الجارية بسرعة مذهلة فوق الأرض! والتي يقودها شباب جديد، من عهد جديد، بفكر جديد… شبابٍ لم يخضعوا بعد للبحث والدراسة والتصنيف.
وفي غمرة ما يحدث هذه الساعات، من صبيحة يوم السبت الثاني عشر من فيفري 2011م، وقبل يومين من مولد المصطفى عليه السلام؛ وأنا في العاصمة الجزائرية، أترقَّب مع المترقبين، وأدعو الله مع الداعين، وأفكِّر، وأجتهد، وأعمل، وأتصل، وأحضُر، وأحضّر… رأيت أنَّ المشكلة الكبرى تكمن في “اغتيال الثورات”، وأنَّ النصر سهل مقارنة بما بعد النصر، ولذا وجب كتابة ما يشبه “ميثاق الثورة”، أو “ثوابت في سبيل التغيير”، حتى لا نسقط في بؤرة الادعاءات والشعارات، ولا يحاصَر الأمل في قلوبنا، ولا تجتثَّ الحكمة من عقولنا.
وأهم هذه الثوابت، هي:
1) الأمر كله بيد الله تعالى:
وحده لا شريك له، يفعل ما يشاء؛ يعزُّ من يشاء ويذلُّ من يشاء؛ يهبُ الملك لمن يشاء وينزع الملك ممن يشاء… فهو الملك، وهو مالك الملك، وهو القهَّار فوق عباده، وهو الحكيم الخبير…سبحانه وتعالى، وهو على كلِّ شيء قدير.
2) الظلم مرتعه وخيم، ومآله دائما إلى الجحيم:
(وسيعلم الذين ظلموا أيَّ منقلب ينقلبون)؛ فعقاب الظالم إذا لم يعجَّل له في الدنيا، فهو صارم وشديد في الآخرة، وهو لن يفلت من قبضة الجبار، ولن يغيب من أعين القهَّار؛ كما أنَّ الظلم كلَّه ظلمٌ، كبيرُه وصغيرُه، جليلُه وحقيرُه؛ فلا يبرِّر ظلم ظلما، ولا يُعفي ظالم ظالما…
3) العدل أساس الملك، والجور مؤذن بخراب الفلك:
إذا عمَّ الجور بلادا أحالها غابةً، فاستباح محارِمها، وأذهب ريحها، وأضعف شأنها، وأذلَّ أهلها، وزرع الفتن في ربوعها… وبخاصَّة إذا لم ينبرِ ويتقدَّم مَن يرفض، وينهى، ويقول: لا. ولذا كان “أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر”. وكان أعظم سلطان مَن قَبِل الحقَّ وإن أتاه من أبسط الناس، على شاكلة “أصابت امرأة وأخطأ عمر”، أو “لا خير فيكم إن لم تقولوها، ولا خير فينا إن لم نقبلها”.
4) المفسدون المترفون هم هلاك الأمة وخرابها:
إنَّ في الجزائر اليومَ، كما في غيرها من البلاد العربية، بشرٌ لا كالبشر، إنهم أشباه بشر، فهم كشجر الزَّقوم، طلعهم كأنه رؤوس الشياطين، يرتعون في خيرات البلاد بلا ضمير، لهم خارج الوطن خزائن تهرَّب إليها الأموال بالملايير… فهؤلاء هم المترفون، وهؤلاء الذين يجرُّون البلاد إلى الهلاك: (وإذا أردنا أن نهلك قرية، أمرنا مترفيها، ففسقوا فيها، فحقَّ عليها القول، فدمَّرناها تدميرا). إنَّ هؤلاء المفسدين المترفين يجب أن يُجتَثُّوا من جسم الأمَّة، بالحرب أو السلم، حتى لا يَخربوا البلاد، ولا يُغضبوا العباد وربَّ العباد.
5) لا خير في أمَّة لجامها بيد عدوِّها:
كلُّ سلطة تقاد عن بُعد (بالتليكوموند)، لا بدَّ لها من يوم ينقطع فيه الاتصال وينتهي الوصال، وسيتنكَّر القائد لـمَقوده، ويلقي به مع النفايات، فيعامله معاملة الكلب المصاب بداء الكلَب… بلا شفقة ولا رحمة، وما أمرُ زين العابدين مع فرنسا بخافٍ على أحد. ولا خير في أمَّة تسام كالحمير، وتُركَب كالبغال، وتداس كالنعال.
6) الإنسان هو محور كلِّ حضارة:
وهو أساس كلِّ تقدُّم، فهو صاحب القرار الأوَّل والأخير، لا أحد غيرُه… لا الآلة القابلة للعطَل، ولا القانون المؤسَّس على زور، ولا القرارات الدولية المفصَّلة على مقاس الأقوياء للكيد من الضعفاء… الإنسانُ، والإنسان فقط هو محور الحضارة…
7) للصبر حدود، فلنتّق غضبَ الحليم:
كلُّ أمَّة صبرت، وطال صبرها، ولم يرعوِ ظالمها، ولم يتَّق الله مَن يُهينا؛ لا بدَّ لصبرها من نفادٍ؛ وأوان الانفجار تنقطع الأسباب، ولا يملك أحد إيقاف بركان الغضب، ولا إطفاء الحِمم؛ ولقد صدق من قال:
“ولا يقيم على ضَيمٍ يُراد به إلاَّ الأذلاَّن، عير الحيِّ والوتِد!!!”.
8) الحكيم مَن بغيره يعتبر:
على رجالات الوطن، والجزائرِ بالخصوص، أن يستخلصوا العبر مما جرى ويجري في تونس ومصر، وأن يقطعوا رؤوس الفساد، ويقتلعوا جذور المفسدين، ليغرسوا حقول الصلاح والرشاد، ويقفوا إلى جنب المحسنين؛ وهنا يجب أن نخاطِب الكلَّ: قمَّةً وقاعدةً، راعٍ ورعيةً… لا فرق بين مفسد ومفسد، فكلهم في الشرِّ غربٌ…
9) أزمة كرامة لا أزمة بطاطة:
ليست أزمة أمَّتنا محصورة في البطاطة والزيت والسكر، ولا بين البيت والملعب والمتجر، لكنَّها لو نطقت لأخرصت، فهي تنضَح بالكرامة المسلوبة والإرادة المكبوتة، وبغياب “القيمة” وفقدان “المعنى”؛ فكلُّ فرد، وكلُّ مواطن، وكل إنسان، يأمل ويحلم أن يحسَّ بالمعنى، وبأنه موجود ونافع، وصاحب إرادة، وأنه يستطيع أن يحيا أو يموت لأجل قيمه ووطنه… دون أن يمنعه مانع، أو يقهره قاهر.
10) لا للأحزاب المتلونة كالحرباء:
بعض الأحزاب (والجهات) في بلدنا (حاشا الصادقين منهم) هي أحزاب حمَّالة حطبٍ، وربَّات خدور، إذ هي لا تردُّ يد لامس، ولا تليق لقوْد النعاج، بلْهَ أن ترشَّح لسياسة البلاد… فمثل هؤلاء لا حاجة لنا بهم، هُم أوَّل من يجب أن يثار عليه، لا أن يدَّعي الثورة على غيره… (ولتعرفنَّهم في لحنِ القول).
11) آداب الجلوس على الكرسيِّ، وسنَّة التداول:
لكلِّ جيل فرصتُه ليحقِّق وجوده، ومَن سوَّلت له نفسه أن يتسمَّر في الكرسيِّ، من أعلى الهرم إلى أدناه، ويحرم مَن بعده من حقِّ الوجود، لا شكَّ أنه يعرِّض وجودَه للزوال، هو وكرسيُه، بل وقصرُه وحاشيتُه… فعلى العاقل أن يتعلَّم آداب الجلوس على الكرسيِّ، وإلا جرفته أخطار محدقة قد لا تُحمد عقباها.
12) برُّ الأمان هو مطلبنا ومقصدنا:
ليس من الحكمة أن نستجير بالرمضاء من النار، وأن نهرب من لسعات الأفاعي لنقع بين أنياب التماسيح؛ بل الحكمة تقتضي البحث الجادَّ عن برِّ الأمان، وليس المطلوب أن نفرَّ من الجور لنقع في فتن داخلية لا أوَّل لها ولا آخر، ولا أن يُفرض علينا الاختيار: “إمَّا ظلم الحاكم أو فساد الرعية”…. الحكمةُ كلُّ الحكمة في برٍّ للأمان، وهو ما لا يدرَك إلا بشقِّ الأنفس، وبالتضحيات الجسام…
13) الثورة هي البداية وليست النهاية:
فهي بداية للاختبار الذي يطول، ويشتد وُعورةً وصعوبة مع مرور الزمن؛ وبعد سكون العواطف، وانتهاء الاحتفالات، وخفوت الزغاريد… ينبلج الصبح لذي عينين؛ فإن كانت النتيجة إيجابيةً اعتُبرت تلكم الثورة رحمة، وإن كانت وخيمةً كانت الهبَّة نقمة، وأي نقمة، حَريٌّ بها حينها أن تسمَّى “فتنةً” لا “ثورة”.
14) المرجعية ورسم معالم الطريق:
ليس دورُ العالِم والمفكِّر والمثقَّف هو التصفيق لهذا أو ذاك، ولا ركوبُ الأمواج واهتبال الفرص، وليس دورُه – إلاَّ نادرا – قيادة الثورات، ولا الوقوف في وجهها… لكن عليه أن يكون شاهدًا، حكَما، صادحًا بالحق، راسما لمعالم الطريق… فهو باختصارٍ: المرجع والملاذ للخلق، والحصن الحصين للحق…
15) حذار من أصحاب المصالح الضيقة:
يجب أن نتوخَّى الحذر ممن يغيِّر جلده، أي بالتعبير الجزائري “بياع تريكو”؛ وممن يحمل شعار “الدنيا مع الواقف” (بقاف مثلثة)، ويعمل بمنطق “المصلحة الآنية الضيقة”، وإنَّ الواحد من هؤلاء ليكون جائرا اليوم، وما يلبث أن يكون في عِداد الثوار بعد أيام؛ لا يقرُّ لهم قرار، ولا يؤمَن جانبهم؛ إنهم إخوان الشياطين، بل هم أساتذة كبار للشياطين.
16) الحِلم والصفح الجميل:
يجب أن نتصف – في كلِّ المستويات، وفي جميع الأوقات – بخلُق الحلم والعفو عند المقدرة؛ فمَن أخطأ، ثم تاب صادقًا، تاب الله عليه أكيدا؛ لكن يجب أن نتوب عليه نحن كذلك، وأن نعفو عنه (والكاظمين الغيظ، والعافين عن الناس، والله يحب المحسنين).
17) الصلاح عند فساد الناس:
مِن أعظم الثوار مكانةً وقدرا عند الله تعالى، وعند العقلاء من الناس، مَن أصلح نفسه حين فساد الناس، فرفض الرشوة وقد تمرغ الناس فيها، وتبرأ من الفساد المُغني وهو قادر على إتيانه، وقال الحقَّ يوم خرصت الألسن عنه، وابتغى الواجب بديلا عن الحق، ولزم الصدق في كلِّ شيء، ثم عمِل بجدٍّ وحزم وهو يرى أنَّ العلاوات تُكال للكسالى والمخادعين… فمِن هؤلاء معلمُّون، وتجار، وفلاحون، وموظفون، وطلبة، وحرفيون، وعلماء، ومسئولون، وعسكريون، ومدنيون… ومِن كلِّ شرائح المجمتع؛ إنهم صَمَّام الأمان لهذا البلد الجريح، وهم وارثو الأرض الحقيقيون (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أنَّ الأرض يرثها عبادي الصالحون).
18) فنُّ صناعة العدوِّ:
الثورة التي تغفل العدوَّ الحقيقَ للأمَّة، أي الصهيونيةَ والاستكبارَ العالمي، والتي تمالئهم، وتخطُب ودَّهم، وتذود عن حياضهم… هي ثورة (كاذبة خاطئة)… ولذا، وجب أن تكون فلسطين، وجميعُ مقدَّسات المسلمين، غايةَ حركاتِنا وسكناتنا، ومنتهى إرادتنا وإدارتنا، وإن لم نفعل، فإنَّ الله سبحانه سيهزمنا حيث ندعوه النصر، وسيخذلنا ونحن نسأله النصرة.
19) الثورة بين الغرب والشرق:
لنتذكر أنَّ الغرب يعمل بنظام وتخطيط، ويخصِّص باحثين ومؤسَّسات ومراكز لدراستنا، وينفق أموالا طائلة ليضمن عبوديتنا له، وهو ينتظر اللحظة المناسبة ليقفز فوق الرؤوس، وينقضَّ على الثورة، ويتبناها، ثمَّ يدَّعي المشاركة فيها، بل والتخطيطَ لها؛ حتى وإن لم يكن له فيها ناقة ولا جمل، وحتى إن كنَّا قد ثرنا عليه هو، من خلال ثورتنا على أذياله وأذنابه هو… ولنتأكِّد أننا في البلاد العربية، لا نزال نعمل بالمبادرات، وبالذكاء الجمعي، وبالروح الإيمانية والتاريخية… لكن ينقصنا التخطيط، والبحثُ، والدراسة… فالواجب هو تدارك هذا الخلل، وإلاَّ قطف ثمار ثورتنا غيرُنا، وبتنا جياعا ضائعين. ومما يؤكد ما ذكرت أنَّ الحكومة الأمريكية بعد تذبذبها، وهي راعية مبارك، هلَّلت وزمَّرت بعد سقوطه، ثم أعلنت أنها ستخصِّص للمعارضة “أي الثوار” علاوات ومساعدات، وهي تدرس حجمها وصيغتها، حتى لا تبدو كأنها في سوق لشراء الذمم… والعاقل مَن يعتبر بما يرى.
20) غايتنا رضوان الله تعالى:
لنعلم أنَّ كلَّ كلمة، وكلَّ حركة، وتنظيم، ومساهمة، وجهد، واجتهاد، وصبر، ومصابرة، وثورة، وحُكم… سيكتب عند الله تعالى، ولنُخلص النية فيما نأتي وما نذر، ولا ندَّعي أننا أوتينا ما أوتينا لقوة فينا أو على علم عندنا، ولنتفكر في قوله تعالى: “يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين، ما كان لأهل المدينة ومَن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه، ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله، ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار، ولا ينالون من عدوٍّ نيلا إلاَّ كتب لهم به عمل صالح، إن الله لا يضيع أجر المحسنين”.
والله يقول الحقَّ وهو يهدي السبيل.
د. محمد باباعمي
