للحق صولة هائلة وقوة عتيدة يتدجج بها من استمسك به واعتز بعزته ولهذا نرى كثيرا من الناس يتجاذبون اسم الحق إلى أنفسهم ويلبسون أشياء باطلة فيظهرونها إلى الناس في مظهر الحق، ليجلبوا بها ـ وهي في صورة الحق ـ عقول البسطاء والضعفاء، فمنهم من يلبسون به أهواءهم ويسمونها باسم الحق ويذهبون في ذلك إلى أن يجعلوا شعار الحق موافقته لأهوائهم، والباطل مخالفته لها، فيندفعون وراءها اندفاعهم وراء الحق، ويذودون عنها ذودهم عن الحق بكل ما كلفهم من الوسائل والغرض الحقيقي من ذلك كله هو شيء خلاف هذا، وهو اقتناصهم باسم الحق شيئا من متاع الدنيا عندما فاتهم نواله بغير تلك الوسيلة الفعالة.
ولكن الأهواء زيادة عن كونها متباينة متناقضة، فهي لم تكن مؤسسة على قاعدة قارة، ولا على رأي صحيح، وإنما هي كانت تبعا لعوامل الرغبة ودوافع الرهبة، والحق مبني على الحكمة ومراعاة المصالح العامة وقواعد ونظامات ثابتة إلى أبعد مدى (ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن) المؤمنون /71
ومنهم من يلبسون به الشخصيات البارزة ويقمصون بقميصه شيوخهم أو رؤساءهم فيظهرون ذواتهم، في مظهر الحق ويحمونها حمايتهم للحق بل يتخذونها شعارا له فيميلون مع ظلها حيث مال، ويطبعون كلماتهم وآراءهم ومبادءهم بطابع الحق لأنها صدرت من خصمه، على عكس القاعدة المأثورة ”يعرف الرجال بالحق لا الحق بالرجال“ فيضلون ويضلون شعوبا وأمما لأجل ماذا لنقطة واحدة إلا وهي تنزيه فلان عن الغلط، وجعله كوحدة لوزن الحق من الباطل وهو كسائر البشر غير المعصومين.
ومنهم من يعرف الحق وآثاره والباطل وأضراره، ولكن يصبغ أحدهما بصبغة الآخر بأساليب خلابة من الفصاحة والبيان، تعمية وتضليلا للناس لحاجات في نفسه.
ومنهم من يعرفهما ويصر على الباطل عمدا، لا لشيء إلا لأنه قال به وصعب عليه الرجوع فيه، وظهوره أمام الناس في مظهر المخطئ أو لأنه قال بالحق فلان، ويأبى هو إلا مخالفته مكابرة وعنادا.
ومنهم من يعرف الحق حقا والباطل باطلا ولكن لضعف نفسه وقلة يقينه بربه واستقلال أصحاب الحق واستكثار أصحاب الباطل تراه يهرول وراء الآخرين جريا مع السواد الأعظم فيخالف ضميره، ويعق وجدانه، طمعا في معيشة أو منزلة واعتزازا بعزته واستيناسا بجموعه، وهروبا من ذلة الأقلية واستيحاشا بقلتهم.
وقد يظن هؤلاء أن انتصار الجانب الأول وانخذال الجانب الثاني إنما هو لوجود وسائل الغلب والنصر في الأول لكون أبوابها فيه مفتوحة، ولفقدانها في الثاني لكون أبوابها فيه مغلقة، وفات هؤلاء أن سلاح الباطل وإن تعددت أنواعه فهو مفلول، فسرعان ما يخذل صاحبه عندما يحمي الوطيس في معارك الكفاح ويجول الحق فيها جولته فإنه لا قائمة للباطل إلا عند نومة الحق ولئن كانت للباطل صولة فإنها لا تدوم.
إن الذئب في انخذال الحق أمام الباطل لا يرجع إلى الحق نفسه فهو لا يخذل أنصاره طبعا وإنما يرجع إلى جهل الناس بحقيقته وحملهم له على غير محمله وعدم وثوقهم بقوته وخيانته لأمانته فلو أنهم علموا حقيقته حقا وحملوه على محمله ووثقوا بقوته وأدوا أمانته فهل ينخذل بهم أمام الباطل؟ كلا!
وهنالك قسم كبير من الناس يستصغرون صولة الحق، ويستضعفون سطوته، فيلبسونه لباس القوة المادية ويجعلون شعاره تلك القوة وشعار الباطل التجرد منها، ويرون أن كل ما يفعله القوي هو الحق وما يدعه هو الباطل، فيجرون وراءه ويتقصون آثاره شبرا بشبر وذراعا بذراع، ويدخلون مداخله غارا بغار وجحرا بجحر، يلحد فيلحدون، يستهتر فيستهترون، يستحسن فيستحسنون، يستقبح فيستقبحون، يقبل فيقبلون، يدبر فيدبرون، وهكذا يقلدونه في جميع أحواله ومظاهره، كما تقلد القردة سيدها في سائر ألعابه، يذهبون في سائر مذاهبه ويجارونه في جميع مجاريه فاقدي الإحساس مملوكي المشاعر، لا يشعرون بفقدان كيان، ولا بضياع مجد، ولا بتلاش قومية، ولا بتضعضع دين، إنما يرون كيان القوى كيانهم ومجده مجدهم وقوميته قوميتهم ودينه دينهم فيتكلمون بلسانه ويفكرون بدماغه ويعملون بيده ويحسون بإحساسه، لماذا هذا كله لأنه قوي والقوي هو صاحب الحق.
وقد خفى عليهم الفرق بين الصولتين صولة القوة المادية الباقية ببقائها والفانية بفنائها، وصولة الحق الدائمة بدوامها إلى الأبد، فألبسوا الأولى لباس الثانية وساقوها مساقها فضلوا وأضلوا، ولو أنهم علموا أن صولة القوة وإن ظهرت في رأي العين عتيدة فإنها لا تلبث أن تزول وتذوب، وأن قوة الحق وإن ظهرت في حد ذاتها ضئيلة فإنها لا تزال حية باقية تعمل عملها حتى تصرع الأولى فتتغلب عليها.
إن الحق يا هؤلاء ما عليه الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وما عليه سنة ذلك الرسول الكريم الذي لا ينطق عن الهوى، وما عليه إجماع المسلمين الذين لا يجتمعون على ضلالة، وما عليه سنة الله في كونه ولن تجد لسنة الله تحويلا ولا تبديلا، وما عدا هذا فهباء في هباء وعناء ليس يشبهه عناء.
ذلك هو الحق الذي عليه مدار السعادتين سعادة الدنيا وسعادة الآخرة، ذلك هو الحق الذي يقذف الله به على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق، ذلك هو الحق الذي لا يكشف من استتر به ولا يذل من اعتز به، ذلك هو الحق الذي ما أسست عليه قواعد العروش إلا ضخمت وتعاظمت، وما شيدت عليه الممالك إلا شمخت وتطاولت، وما وضعت عليه دساتير الأمم إلا سادت وخفقت راية العدالة على ربوعها، وما أنشئت المشاريع على مقتضاه إلا سارت مسارها ونجحت في مسعاها.
وما ثلت العروش، وتضعضع بناء الممالك، ونكست راية العدالة، وتدهورت المشاريع، إلا بترك ذلك العنصر الفعال ونبذه ظاهريا، فمن يريد العزة والمجد والسعادة حقا فليطلبها بين مطاوى ذلك الحق الصراح، فهل يعدمون حلالها بما فيه سعادة البشرية ورفاه الإنسانية؟ كلا وربك فإنهم والذي خلق الخلق ليتوصلون به إلى ما فيه عزهم وسعادتهم جميعا في الدنيا والآخرة.
مالي أذهب بعيدا إلى هذا المدى وأهيم بالقارئ في هذا الفضاء، فارجع معي أيها الأخ إلى المسلمين خاصة متسائلا لو أنهم حكموا ذلك الحق في مشاكلهم ومنازعهم وعالجوا به أمراضهم وآلامهم، فهل هم يعدمون منه مادة لذلك؟ كلا والله! ولكن هي الأغراض والمنازع والشهوات تضرب على البصائر غشاوة كثيفة فتترك أصحابها يتخبطون في الظلام يدورون حول أنفسهم ملتمسين أبواب العز والسعادة، ويضحون عليها ضحايا غالية، ويخسرون عليها النفس والنفيس أجيالا وعصورا، وهي ألصق بهم من خياشيمهم، وأقرب إليهم من حبل الوريد.
كأن قائلا يقول إنك ترسل كلامك في الفضاء، فها نحن أولاء معاشر المسلمين كما ترى فقرا وجهلا وذلا ومسكنة وتخاذلا وسقوطا وانحطاطا في كل مكان فما هو الدواء وما هو العلاج؟ وقد هجم علينا الغرب بخيله ورجله وقبض على الشرق بيد من حديد وسلك به مسلك التطواق والإحداق فكيف العمل وكيف النجاة؟
الجواب على هذا بسيط جداً وهو أننا لا نقل فقرا وجهلا وانحطاطا مما كان عليه العرب في الجزيرة قبل بزوغ شمس الإسلام على العالم، والدواء الوحيد الذي داوى به رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه هو موجود بين أيدينا ومحفوظ في صدورنا، ولا ينقصنا إلا أن نستعمله فحسب، فهل من رؤوس كبيرة؟ وهل من عقول راجحة؟ وهل من قلوب صافية؟ وهل من نفوس زكية طاهرة لاستعمال ذلك الدواء النافع وعلاج جراحات البشرية به؟؟؟؟…..
هيا بنا نعالج به أمراضنا، نعالج أمراض الزندقة والإلحاد ببث روح الإيمان الصحيح في قلوب الناشئة وتخليص العقيدة الصحيحة من الزيغ والضلال،
نعالج الثورات الفائرة على الدين ببث حكمة تشريعه وإقناع الأمة بوجوب امتثال أوامره واجتناب نواهيه، نعالج الجهل والأخلاق الفاسدة ببث التعليم الصحيح والتربية الصحيحة بأساليب صحيحة،
نعالج أمراض التخاذل والتنابذ ببث الأخوة الإسلامية الصافية بين المسلمين وجمعهم تحت راية لا إله إلا الله محمد رسول الله، وعلى قاعدة الاحترام المتبادل وعدم قطع العذر ما لم يكن هنالك خرق لتلك الراية العامة.
نعالج الدعارة والفجور والإباحة بتسهيل أسباب الزواج ووضع حد للبدع والإسراف وإلزام المرأة ببيتها وحجابها.
نعالج سائر الفواحش والخمور والقمار بتنفيذ الحدود التي رسمت لها ونستعين على ذلك بالصبر والصلاة.
نعالج البؤس والفقر والشقاء بالجد والكد والنشاط والاعتماد على النفس ونبذ الفشل والكسل والتواكل وبناء معاملتنا على القواعد الشرعية، والنظامات الحديثة التي لا تخرج عن حدودها.
نعالج مشكلة البلشفية والرأسمالية بأداء واجبات الزكاة والحقوق اللازمة لتعديل الأجور بما يلائم العمل والبيئة والزمان.
نعالج مضار الربا بتأسيس مصارف على القواعد الإسلامية المقررة.
هذه هي الأدوية الناجعة فيما نرى لحالة المسلمين البائسة، وهل يعسر على مفكري الإسلام وزعمائه أن يعالجوها بها إذا أرادوا وتوكلوا على الله، وإذا ما فعلوا فهل يعدمون العدة اللازمة لمواجهة سائر الطوارئ؟ وإذا ما حصلوا عليها فهل يجد الطامع فيهم ـ بعد ذلك كله ـ منفذا إلى حصنهم الحصين؟ ولئن بدت للناظر في ذلك صعوبة فالإرادة تذللها والعزيمة الصادقة تسهلها، والإخلاص الناصع يستحضرها.
فإلى الأمام أيها العاملون المخلصون فلا إياس حيث الرجاء، ولا قنوط حيث الأمل، فارجعوا إلى حضيرة الحق والرجوع إلى الحق فريضة.
مقال من جريدة وادي ميزاب بقلم الشيخ إبراهيم أبو اليقظان، ع: 27، يوم 15 أفريل 1927م
المصدر: موقع الشيخ أبي اليقظان
