الخطبة الأولى
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله كاشف البلوى وسامع النجوى، خلق فسوّى، وقدر فهدى، له الأسماء الحسنى والصفات العلى، وله الحمد في الآخرة والأولى، وله الحمد في السراء والضراء، وهو الحكيم الخبير.
ابتلانا ليعلم الصابرين، ويبلو أخبارنا حين مسنا بلاه، وهو يجيب المضطر إذا دعاه، فله الحمد على كل حال، وله الحمد إذ بصرنا بنهج الهدى ووقانا سبل الضلال، فأنزل إلينا خير كتاب، هُدًى وموعظة لأولى الألباب، ودليلا للنجاة من العذاب، والفوز بالسعادة وحسن المآب.
ونصلي ونسلم على سيدنا محمدا عبده ورسوله، اجتهد في تبليغ دعوته، والنصح لأمته، وكان بالمؤمنين رحيما، يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلّموا تسليما، صلى الله عليه وسلم صلاة وسلاما دائمين ما توالى الليل والنهار، وسبح الطير بالأسحار، وتضرع لله عبد بالاستغفار.
أما بعد.
فاعلموا أيها المؤمنون أن الحياة الدنيا دار ابتلاء، وأنها مجال كشف لحقيقة الإنسان، وجسر رفيع على نهر الأحداث المتلاطمة الأمواج، جسر تهزه رياح عاصفة لا تهدأ إلا لتهبّ من جديد، ولا ينجو من تلك العواصف والأمواج إلا من عصم الله، من كان له من الإيمان حصن حصين، ومن اليقين ما يثبته في ذلك الصراط حتى يصل إلى شاطئ النجاة، وما شاطئ النجاة إلا رحمة الله في الدار الآخرة والفوز بالجنة ونعيمها والنجاة من النار وجحيمها.
فاللهم قنا عذابك يوم القيامة، وأكرمنا بدار الكرامة، حسنت مستقرا ومقاما، تلقانا الملائكة فيها تحية وسلاما.
إن البصير من أدرك حقيقة الحياة، بدءًا ومصيرا، وأبصر الغاية من خلقه، واهتم برسالته في هذه الدار.
وأما من عمي عن هذه الحقيقة فقد ضل الطريقة، وتاه في الأوهام وتوزعته السبل، وتملكته الحيرة والضيق، وذاق ألوان الشقاء، (وَمَنَ اَعْرَضَ عَن ذِكْري فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىا(124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِيَ أَعْمَىا وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا(125) قَالَ كَذَالكَ أَتَتْكَ ءَايَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَالكَ الْيَوْمَ تُنسَىى ) طه: ١٢٤ – ١٢٦
أحبة الإيمان؛
إن ما اصابنا هذه الأشهر من ألوان الابتلاء الداهية، وصنوف الضر والمحن المتوالية، قدر من الله لا محيص عنه ولو كنا في بُرُج عالية، وإن لنا في ذلك دروسًا وعظاتٍ بالغةً هادية، وذلك شأن المؤمن المستمسك بربه، المستسلم لحكمته اللامتناهية. فإن كان مقصرا في جنب الله أسرع إلى التوبة والاستغفار، وإن فرط في حق أخيه بادره بالمسامحة والاسترضاء، وإن أصاب أحدا بمظلمة في بدن أو عرض أو مال؛ عجّل بردّ المظالم قبل الزوال، وقبل أن تبدل الأرض غير الأرض وتسير الجبال، إنه يوم الساعة وما أدراك ما الساعة، يوم لا تنفع محاللة ولا توبة ولا شفاعة.
وإن صدق العبد نفسه، واجتهد في استذكار شريط حياته، فلم يتذكر شيئا من المظالم بينه وبين عباد الله، ولا تفريطًا لواجبات الشرع المقدرة لله، عاد على نفسه باللائمة عساه أتى أمرا لا يرضي ربه، أو قصّر في حق الله من حيث لا يشعر، فيحمله ذلك على تجديد الاستغفار والمداومة عليه آناء الليل وأطراف النهار.
لقد كان هذا عهدَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الذي غُفر له سالف ذنبه ومتأخره، ثم يقول معترفا لربه معلما لأمته: إني لأستغفر الله في اليوم سبعين مرة، وفي رواية: مائة مرة.
هل نحن أحبة الإيمان أشرف مقاما عند الله من رسوله ومصطفاه؟
حاشا لمقام أشرف خلق الله أن يضاهيه بشر.
ومع ذلك فقد لقي من ألوان البلاء ما لا يخفى على أحد، وكذلك يبتلي الله عباده الأصفياء، فينزل البلاء على العبد اختبارا لإيمانه، وإرادة من الله لتكفير ذنبه، ورفع درجاته تجسيدا لمحبة الخالق لعبده الأواب، مصداقا لقول رسوله المصطفى صلى الله عليه وسلم: إن الله إذا أحبّ عبدًا ابتلاه، حتى يسمع تضرعه([1]).
وقوله في حديث آخر: “أشدّ الناس بلاء الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل“([2]).
ويزيد المبتلى رضًا بقضاء الله حين تبشره آيات الله في كتابه الصادق: (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ(155) الذِينَ إِذَآ أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا للهِ وَإنَّآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ(156) أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبـِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) البقرة: ١٥٥ – ١٥٧.
إخوة الإيمان لا يخفى على مبصر ما نال أمتنا من ألوان الظلم الفظيع، من صنوف التعديات والمناكر، وهول المظالم التي عقدت النفوس، وتركت الكثيرين حيارى، لا يدرون أين يتجهون، وأي سبيل يسلكون.
وإنها لفاجعة كبرى وأيم الحق أن تزهق الأنفس البريئات، وتحرق الديار والمحلات، وتنهب الأموال والممتلكات، وتهجّر الأسر والعائلات، ويروّع الآمنون طيلة أربعة اشهر حالكات، ويخوّف المسافرون ويقاطعون في المسالك والطرقات.
ولكن الله العليم الحكيم، السميع المجيب جعل لكل شيء قدرا، ونحسبه قد استجاب الدعاء إذ رفعناه سرًّا وجهرا، فبدأت خيوط الفجر ترسم بسمتها في الأفق بشرًا، وقد مضى حدث الأمس هادئا وليال قبله دون نبإ يقض المضاجع، وإن ظل المرابطون في الثغور والشوارع. وذلك واجب اتخاذ الأسباب وبذل الوسع في حفظ حرمات المسلمين، والتوكل على الله وحده في كل حين.
والأوكد من هذا استمرار الدعاء والالتزام بالتوبة والاستغفار، وعدم الغفلة عن مكايد الشيطان، وعن جدّه في استدراج الإنسان، وشغله أثناء المحنة بسخط الأقدار، ودعوته الإنسان بعد انفراج الكرب إلى معصية الواحد القهار، والإسراع إلى اللهو والمجون و الاستهتار. فالحذر الحذر أيها الأحبة الأخيار.
فإن الشيطان لن يدعكم أحرارا وإن اعتقدتم أنكم أحرار، وإنما على الراشدين ملازمة النشء والشباب، وتوجيههم نحو العمل البناء، والاستمرار في بناء الوطن، وترسيخ قيم التلاحم، وتجسيد معاني التناصر، والاستمرار في التواصي بالحق والخير، والتواصي بالاستغفار والصبر.
لقد أيقظت المحنة فينا شعور المراقبة، وبعثت فينا روح المثابرة، ودفعتنا إلى المراجعة والاستغفار. وحملتنا على المصارحة ونقد الذات، ووضع اليد على موضع الداء، وكانت ثمة جهود ومساع لا يرصدها الراصدون، ولكن أحصاها من لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.
وحذرا ثم حذار أن نقع في ما حذر منه القرآن في آياته الزاجرة، ونتشبه بمن قصّ علينا نبأهم من الأمم الغابرة، إنها أمم خاسرة، تجأر إلى الله عند اشتداد البلاء، ثم تجاهره بالمنكرات عند الرخاء: (هُوَ الذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّىآ إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَـيِّـبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَآءَهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنـَّهُمُ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنَ اَنجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ(22) فَلَمَّآ أَنجَاهُمُ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الاَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَآ أَيـُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْـيُكُمْ عَلَىآ أَنفُسِكُم مَّتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَـنُـنَـبِّـئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) يونس: ٢٢ – ٢٣
تلك إذن خلاصة القصة، متاع واختبار، ثم مصير وحساب، حيث ينبأ كلٌّ بما عمل، ويجازى على كسبه عدلا وحكمة.
فمن كان من الأِشقياء، فبما كسبت يداه، ومن كان من السعداء فبسعيه لمرضاة الله.
جعلني الله من السعداء الآمنين يوم لا ينفع مال ولا بنون، وجعلنا من عباده المخلصين.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفرون إنه هو الغفور الرحيم، وادعوه يستجيب لكم إنه هو البر الكريم.
الخطبة الثانية
الحمد لله المنعم الوهاب، والصلاة والسلام على رسوله التواب الأواب.
أيها المؤمنون المسبحون بحمد الله، نحمد الله أن يسر الأقدار، وذكّرنا بالنوازل عبرة لأولي الأبصار،
وموعظة يهتدي بها الضالون، ويتذكر بها الغافلون.
إن هذه المحنة أيها المؤمنون، درس للجميع، للعاصي والمطيع، والغافل عن مصيره والمثابر على الخط السريع، علينا جميعا أن نعقد مراجعة شاملة لمسارنا، ونقوم لله مثنى وفرادى لإصلاح أوضاعنا، ترسيخا للمبادئ، وتجديدا للقيم، وتقويما للسلوك، وبعثا للفضائل في النفوس.
ومجال العمل واسع وطريقه طويل، وأولى أولوياته بناء الجيل على الاستقامة، ومحاربة الرذائل التي بدأت تنخر جسد أهل الاستقامة، وضبط سلوك النساء وتجديد معالم القوامة، وإلا فقد قامت علينا القيامة.
وندائي إليك يا شباب الأمة الغيور، أن تجتهدوا لكسب أندادكم، وتأخذوا بأيديهم إلى طريق الرشاد، فما أثر في الشباب مثلُ الشباب، وكل قرين بالمقارن يقتدي.
وندائي لأبناء الأمة، أن نتعاون جميعا لوضع بصمة بارزة في مسار أمتنا الرائدة، بصمة خير، ولبنة بناء، وكلمة نصح، وخطوة جمع لتلاحم الصفوف، في الأسر والعائلات، وفي المؤسسات والشركات، وفي النوادي والجمعيات، وفي المساجد والهيئات، كل ذلك يحتاج منّا رغبة صادقة، وعملا مستمرا لتوحيد الرؤية، وتحقيق اللحمة، وتنسيق الجهود، لما يعيد لأمتنا عافيتها، ويؤمن لها طريقها، ويجعلها صفا متلاحما، موصولا بالله إيمانا ويقينا، ومرصوصا بعضُه ببعضٍ مودة وصفاء، حيث يلتحم الفتيان تدفعهم فورة الشباب، مع الشيوخ المحنكين تدعمهم حكمة التجارب، ليكونوا نسيجا متضامنا يرسم لوحة المجتمع النموذج، مجتمع يقوم على التكافل والتعاون، ويعتصم بالهيئات الخيرية المضحية للمصلحة العامة، وحراسة الدين، مجتمع كان ولا يزال محميا بسياج الأخلاق سموًّا وتزكية وتواضعا، وسيظل بحفظ الله مستمسكا بحبل الله، محصنا بالعلم تكوينا وخطة ومآلاً.
لا ريب أن هذه الأحداث قد أذكت نور البصيرة في النفوس، وشحذت همم التسامي في الأجيال، وعلمتنا أن الحياة جهاد ونضال، وأن رضوان الله غاية عزيزة المنال.
وأن الواجب بذل الوسع في درك هذه الحقيقة، وتوظيف كل المواهب والطاقات لبلوغ هذا الهدف النبيل، ومن أعرض عن هذه الحقيقة فهو معطوب الحواس، مصاب بإعاقة خطيرة مستديمة، عواقبها في الدنيا والآخرة وخيمة، وكفاه عارا أن يصنفه الخالق ضمن شر الدواب: (إِنَّ شَرَّ الدَّوَآبِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ ) الأنفال: ٢٢.
وكفاه مصيرا مشؤوما أن يكون من الخاسرين لتعطيل حواسه عن وظيفتها الأولى، وغفلته عن هذه الحقيقة الكبرى.
(وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالاِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمُ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمُ ءَاذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَآ أُوْلَئِكَ كَالاَنْعَامِ بَلْ هُمُ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) الأعراف: ١٧٩.
وقد أمرنا الله بالسير في الأرض للنظر في عواقب الأمم، وقد صرنا اليوم قصة تروى، فهلا اتعظنا بها، وأيقظنا فينا العقول والآذان والأبصار، حتى نقي أنفسنا وأجيالنا سوء المصير: (فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الاَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ التِي فِي الصُّدُورِ) الحج: ٤٦ ؟
اللهم ابسط علينا حلل الأمن والعافية، واجعلنا من الصابرين في الضراء، الشاكرين في السراء، واحفظ بلادنا من كيد الأعداء، وثبتنا على الاستقامة والاهتداء، وقنا شر الفتن ما ظهر منها وما بطن يا رحيم يا رحمن.
اللهم أورثنا دار الكرامة لا يمسنا فيها نصب ولا لغوب، واستجب دعاءنا برحمتك يا قريب يا مجيب. واحشرنا مع أوليائك في دار النعيم: ( لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلاَ تَاثِيمًا(25) اِلاَّ قِيلاً سَلاَمًا سَلاَمًا ) الواقعة: ٢٥ – ٢٦. ( جَزَآءً مِّن رَّبـِّكَ عَطَآءً حِسَابًا ) النبأ: ٣٥ – ٣٦.
ونجّنا اللهم من عذاب الخزي يوم يبعثون، واجعلنا غدًا ممن ( لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتَ اَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ ) الأنبياء: ١٠٢.
(وَسَلاَمٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ(181) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) الصافات: ١٨١ – ١٨٢.
———————————————————–
([1]) – عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” إن الله تعالى إذا أحب عبدا ابتلاه ليسمع تضرعه ” . كتاب الزهد لهناد بن السري – باب شدة البلاء على المؤمن، حديث:399 .
([2]) – عن مصعب بن سعد ، عن أبيه قال : يا رسول الله من أشد الناس بلاء ؟ قال : ” الأنبياء ، ثم الأمثل فالأمثل ، ويبتلى العبد على حسب دينه ، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يدعه يمشي على الأرض ، وما عليه خطيئة.
صحيح ابن حبان – كتاب الجنائز وما يتعلق بها مقدما أو مؤخرا، باب ما جاء في الصبر وثواب الأمراض والأعراض – ذكر الإخبار عما يجب على المرء من توطين النفس على تحمل، حديث:2952.
د. مصطفى باجو، غرداية
الجمعة: 18 جمادى الثانية 1435هـ 18 أفريل 2014م بعد فتنة غرداية
المصدر: موقع أعيان غرداية
