• “إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا، وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً، وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ”(النمل، 34).
o “إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ” (الرعد، 11). “ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ” (الأنفال، 53).
في إطار استشارة ملكة سبأ للملأ من قومها، وبعدما أحالوا إليها الرأي في أمر سليمان، وقد عرفت أنه ملكٌ من الملوك؛ أطلقت حكما يقينيا من خلال خبرتها بالملوك، الذين عرفت طبائعهم، وخبرت أحوالهم؛ وهو أنهم يفسدون كلَّ قرية يدخلونها، ويفسدون ما بها، ومن أشدِّ الإفساد “إذلال أهلها”، وهذا ديدنهم غالبا.
إلاَّ أنَّ الآية تستدعي منها استعارة قاموس معاصر، يعتمد الحقيقة القرآنية منطلقا ومرجعا، والواقع المعاش حقلا وتطبيقا؛ ولا شكَّ أنَّ ظاهرة الاستعمار الغربي للعالم الإسلامي بخاصة، سواء في ذلك “الاستعمار الحربي” أم “الاستعمار الاستراتيجي” بكل أبعاده… لا شكَّ أنه يجد معانيه ومفاهيمه في هذه الآية، وفي الآيات التي تعضدها، وفي سياقها من قصة سيدنا سليمان عليه السلام.
ولقد عالج مالك بن نبي ظاهرة الاستعمار، من مختلف جوانبها، النفسية والاجتماعية والحضارية والفكرية… وغيرها، وألّف لذلك مؤلفات عديدة؛ ثم إنه أسس نظريته على قاعدة: “القابلية للاستعمار”؛ ومن هذا المدخل نقارب الآية، ونحاول فهمها وتدبرها، ثم العمل بمقتضاها.
البذور(1):
*أخرِجوا الاستعمار من قلوبكم يخرج من أوطانكم.
*إذلال العزيز من أشدِّ أساليب التحكم فتكا بالشعوب.
*الاستعمار عنصر من عناصر فوضى العالم الإسلامي؛ فلا هو السبب الوحيد، ولا هو سبب غير معتبر.
*الاستعمار لا يحطِّم جانبا من الحياة دون آخر، بل يحدق على كلِّ الجوانب: الإيمانية، والفكرية، والنفسية، والاقتصادية، واللغوية… ومن الخطأ اختزال إفساده على الجوانب الظاهرة فقط.
*الإفساد في الأرض، بكلِّ أشكاله، مقدِّمة للاستبداد، ومظهر من مظاهره.
*الاهتام بالصور الإدراكية التي تصف المستعمَر والمستعمِر، والتي تصنع بعناية في مخابر القويِّ، واجب حضاريٌّ عينيٌّ.
*العلاقة بين الدولة والمجتمع، عبر جهاز الأمن، تكشف حقيقة العدل في تلك الدولة.
*الوعي بحقيقة الاستعمار وبأشكاله وتلوُّناته، وإعداد خطط المواجهة وتنفيذها، من أوكد واجبات المثقف.
*إنَّ للمناظر اليومية دلالتها ومغزاها، فهي تكشف لنا عن فلسفة الاستعمار، التي تعبر عنها الآية الكريمة: “إن الملوك…”.
*إنشاء مراصد حضارية، تدرس الخط البيانيَّ للأمَّة، في مختلف مناحي حياتها، من أوكد واجبات العلم في هذا العصر.
*تجسير الهوَّة بين علوم العقيدة والوعي بحقيقة الصراع الفكريِّ الحضاريِّ ضرورة معرفية ملحَّة.
*تكاد تكون صورة “الأطفال الشحاذين” في الشوارع، مؤشِّرا وعنوانا على المستوى الحضاريِّ لأيِّ بلد.
*ثمة مستعمر من الخارج، ولكن كذلك يوجد له ظلٌّ وامتداد في الداخل، يُعرف بالمهامِّ التي يتولاها لتحطيم قدر الإنسان وإهانته في بلده.
*غالبا ما يوجَّه طالب العلوم الاجتماعية في الغرب إلى دراسة “المستعمَر”، ولا يسمح له بالتعرف على “المستعمِر”، ذلك أنَّ التحكم من أهداف البحث العلمي في الغرب.
*إذا كان العالم والمثقَّف نفسُه غرًّا، أو جاهلا بحقيقة الصراع الحضاري، أو متورطا فيه ضدَّ ذاتية أمَّته وقيمها؛ فُقد الأمل في التحرر والنصرة والتمكين.
*لا عفوية في الاستعمار، وإنما هو تخطيط محكم، إذ له نظام للإفساد والإذلال والتخريب، يمحو به كلَّ كرامة أو شرف أو حياء.
*مِن أخبث وسائل الاستعمار في التحكم ضربُ العلاقات بين المستعمَرين بعضهم ببعض.
*يجتهد الاستعمار في إعداد نخب متفوقة معرفيا، مسلوخة حضاريا، حتى تكون له لسانا ويدا بين أهلها وقومها.
*يحاصِر الاستعمار المستعمَر داخل دائرة مصطنعة، يساعد كلُّ تفصيل فيها على تزييف وجود الأفراد، وهي دائرة فاسدة لا أوَّل لها ولا آخر.
*يحول الاستعمار بين الشعب وبين إصلاحه نفسه. *يدافع الاستعمار عن فكرة مجنونة دامية، هي إيقاف سير الحضارة في البلاد المستعمَرة.
*يستغلُّ الاستعمار أدقَّ التفاصيل، ويغتنم أتفه الظروف، لإحكام قبضته.
*يعمد الاستعمار الحديث إلى برامج التربية يشوِّهها، إذ يتحكَّم في الشعوب ومقدّراتها، من خلال النخب المتخرجة في تلك المدارس والجامعات، من أبنائها.
*يمكن أن نلاحظ آثار الاستعمار في أصغر تفاصيل الحياة اليومية للمواطن.
القواعد الكلية:
* لا أثر لأيِّ عامل خارجي، إلاَّ باستجابة العامل الداخلي.
* إذا استعمر بلد ما، فلأنَّ لديه قابلية للاستعمار.
* أوَّل خطوة التحرر تبدأ من النفس.
* من أفتك أنواع الاستعمار: الاستعمار المفاهيمي.
الصور الإدراكية:
يستطيع المتنزه في شوارع الجزائر أن يلاحظ في جولته ثلاثة مشاهد على الأقل لها دلالتها:
*صبية صغارا يبيعون البرتقال، وإذا بالشرطة تطاردهم. ثم إذا بأحدهم ينجو بنفسه ملقيا بضاعته التافهة خلف ظهره، بينما الشرطي يلاحقه وعلى وجهه أمارات الجدِّ، كأنه يقوم بمهمَّة خطيرة.
*أطفال راحت نظراتهم الزائغة تتربص مرور غرٍّ ينخدع بمظهرهم، بينما هم يمثلون (رواية البؤس) بطريقة تشوه من قيمة بؤسهم، وهم يلحون على من يستجدونهم بأدعية مثيرة، كل هذا يحدث ورجل الشرطة رائح غاد أمام المشهد المهين دون أن ينبس بكلمة.
*بعض قارئي الكفِّ المنجّمين، وقد تعمَّموا بعمائم فخمة، يدعون كلَّ سائح يتجوَّل، وكلَّ امرأة تمرُّ، دون أن ينبس الشرطيُّ أيضا ببنت شفة.
إنَّ لهذه المناظر اليومية (بتمثلاتها) دلالتها ومغزاها، فهي تكشف لنا عن فلسفة الاستعمار، وعن نفسية المستعمَر.
المصطلح والمفهوم:
الجيل الرابع من الحروب: هو جيل يختلف بنيوياً عن الحروب السابقة، تنتهي معه الحروب بشكلها التقليدي التي كانت تعبُر فيها الجيوش النظامية إلى الدول المعادية للسيطرة عليها أو على جزء منها، عنوان هذا الجيل واستراتيجيته هو “إفشال الدولة”؛ أي إنهاك وتآكل إرادة الدولة المستهدَفة ببطء وبثبات، بتوظيف خلافات داخلية غالبا؛ من أجل اكتساب النفوذ وإرغامها على تنفيذ إرادة أعدائها فى النهاية.
التشغيل والتفعيل:
*لا يمكن إصدار الأحكام من الجزئيات مباشرة، أي بالاختزال والفذلكة؛ ولكن بتأمل هذه الجزئيات، وتكثيفها، والبحث في الأسباب الكامنة والمشتركة بينها، يمكن الاهتداء إلى النماذج التي بها نفهم الواقع فهما عميقا. فلنقرأ مظاهر القابلية للاستعمار في واقعنا الذي نعيشه اليوم.
*المخطط العالمي لمعالجة “برامج التربية” في العالم الإسلامي، لتلائم معتقدات جهاد دولية استعمارية؛ مع الاستجابة الجبانة للكثير من الدول المتخلفة، يضعنا أمام مسؤولية تاريخية، تجاه استعمار، يسمى بالاستعمار المستقبلي.
*المعالجة العقدية القرآنية لظاهرة الاستعمار في حاجة إلى جهود تتجاوز العمل الفردي، إلى بحوث جماعية، ضمن “مراكز تفكير” متخصصة؛ حتى لا تنفصل عن النصِّ، أو تنفصل عن الواقع؛ وإنما تصل النص بالواقع، وتعالج الواقع من منطلق “النصِّ الشفاءِ والهداية”.
* للمطالعة: بيوض إبراهيم: في رحاب القرآن؛ ج8/أحمد داود أوغلو: البعد الاستراتيجي/ألفان توفلر: تحول السلطة/ماكس مانوارينج (الأستاذ الباحث فى الاستراتيجية العسكرية الامريكية): الجيل الرابع من الحروب (فيديو للمشاهدة، يوتوب)/مالك بن نبي: الصراع الفكري في البلاد المستعمرة/إدوراد سعيد: تغطية الإسلام (عبارة عن نفد للتقارير المنحازة للصحافة الغربية، وخصوصاً وسائل الإعلام، حول ما اصطلح عليه المؤامرات الإسلامية ضد الغرب)/جورج قرم: قراءة دنيوية للنزاعات؛ مجلة العالم السياسي، جانفي فيفري 2013. محمد باباعمي: ثوابت في سبيل التغيير، حتى لا تغتال الثورة، موقع فييكوس.
Michel Collon – Grégoire Lalieu: La stratégie du chaos. ed. nvestig’Action – Couleur Livres
د.محمد باباعمي
المصدر: فييكوس نت
