من وحي القلمواحة المعرفة

الأزمة، صعقة إنعاش أم مسمار على النعش؟

أخط هده الكلمات، وغسق الليل البهيم يبسط ضلاله على أرجاء عالمنا ويحكم قبضته المؤلمة على أعناقنا، فنصارع الموت كمن يصارع الأمواج العاتية في بحر لجي، إنه سيد الموقف الآن، فوقع سياطه الرهيب يقطع أوصالنا، ضرباته القاهرة جمدت الدم في عروقنا فانقطع الإحساس بالحياة من حولنا.

من مخيم اليرموك إلى صحراء الجزائر، مرورا بميدان التحرير، ومن جزيرة بورما إلى صحراء السودان، السؤال نفسه يسكن العقول ويحاصر القلوب والكلمة نفسها تتردد في الأعماق، الأزمة، الأزمة…

وأنت  تتحسس الطريق تحت جنح الليل الحالك هذا، وسط الجيوش الجارفة من الخلق الحائرة مثلك، كأنما أصابها مس من الجنون فأضحت كألسنة اللهب الطائش الذي يذر المكان قاعا صفصفا لا معلم فيه ولا أثر، هنالك تختلط عليك المعاني وتهيم بك السبل، فتحاول تفسير الواقع بعقلك فيستعصي وتجيش بك العواطف فتحاول البكاء فلا تستطيع وتبحث عن كلمة تصدح بها بأعلى صوتك وتزعزع بصداها أركان النفوس البائسة فلا تجد إلا كلمة الله “أليس منكم رجل رشيد”.

هي صورة قاتمة تسيطر على مخيلتي وكابوس مرعب لا يتركني وشأني ولكنه في نفس الوقت واقع أليم ترزح تحته الشعوب المسلمة منذ أمد قد طال، فما المخرج من كل هذا يا ترى؟ أم قدر لنا أن نقبع خلف قضبان الهزيمة والتخلف إلى الأبد؟

من سنن الله أن الدنيا دار ابتلاء وموطن امتحان “ونبلوكم بالشر و الخير فتنة” فالأصل فيها بالنسبة للإنسان الكدح والمعاناة والتراوح بين الخوف والرجاء، ومجال الحركة فيها يتم بين كفَي الوعد والوعيد، فالإنسان فيها في حالة توازن حرج تحده الآيتان الكريمتان  “فلا يامن مكر الله إلا القوم الخاسرون”، “و لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون”، هذه الحدود هي في الواقع تعريف لإنسانية الإنسان التي ليست خيرا محضا ولا شرا مطلقا، فالإنسان بالتعريف ليس ملكا معصوما ولا شيطانا ملعونا.

في هذا الإطار نحاول فهم الواقع من حولنا فيتبين جليا لنا بأن الأزمة جزء من الظاهرة الإنسانية ونتيجة للحرية التي أودعها الله في العبد لاتباع السبل واتخاذ الأسباب. إذن فالأجدر بنا اليوم أن ننظر للأزمات المتعاقبة أمامنا بعين المتألم المتأمل من ورائها مخرجا، لا بعين المنهزم المستسلم أمام القدر، بهذا ستكون الأزمة صعقة إنعاش لا مسمارا على النعش، صعقة توقظنا من غيبوبتنا وتقدح شرارة العزم في نفوسنا لإعادة الحياة إلى شرايين جسمنا المثخن بالجراح. وتدفعنا إلى استقصاء حقائق الأمور ومعاينة الجبل الجليدي من قاعدته، هي صعقة تتطلب منا تتبع المقدمات الصحيحة في مقاومة الورم الخبيث بتجاوز دائرة (الفعل ورد الفعل) الفاسدة الآنية التي تصطبغ بالمزاج العابر وتحكمها العواطف، إلى بناء نموذج حقيقي محكم الأركان نابع من الذات لا تهده العواصف.

الأزمة من هذا المنظور من شأنها أن تثير في أفئدتنا العشق الدفين إلى زمن النصر والتمكين، وتبعثنا على النفور والاشمئزاز من ضحضاح الوهن والذل، فيتولد فينا بعد الصعقة أمل في الانبعاث من جديد، أمل يستتبع مسؤولية أمام الخلق وواجبا شرعيا أمام الحق ببذل ذواتنا وأعمارنا في مقاومة الذات المنكسرة وتمكين الذات المنتصرة.

الأزمة باختصار تخاطب الذات فتلومها وتعاقبها وتنبهها كذلك، وانحلال عقدتها المشؤومة متوقف على رشد العقول واحتراق القلوب وسبب انفراجها كامن في النفوس فهو شرط جواني “إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم”.

هي كلمات يحدوها دعاء لرب العزة أن يري الشعوب التواقة لفيض من غزير رحمته يوما أبيض تلتف فيه البشرية حول إنسانيتها، وتستعيد دفء الإيمان في أعماقها يقول تعالى: “إن مع العسر يسرا”.

محمد باحريز

المصدر: فييكوس نت

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى