حول الفن والجمال هذه المرة

بين العلم والفن..
عالج الكاتب والمفكر علي عزت بيجوفيتش في كتابه الإسلام بين الشرق والغرب عدة قضايا مهمَّة جدا ومحوريَّة في الفكر والحضارة والعلم وعلاقة ذلك بالدين والتاريخ الإنساني، ويعتبر الكتاب من المراجع البارزة في الفكر الإسلامي، ومن بين القضايا التي أولى لها تركيزا وعناية مفهوم الفن وعلاقته بالدين والعلم وأفرد لذلك فصلا كاملا سماه ظاهرة الفن، وطبعا يمكن ان يكون ذلك نابعا من تحديات لاحظها الكاتب على هذا المستوى، فبيجوفيتش –من خلال تجربته الحياتية الخاصة الدينية والعلمية والاجتماعية والثقافية والسياسية وباعتبار النسق الذي نشأ فيه والمنتمي الى النسق الغربي- يقابل مفهوم العلم مقابل مفهوم الفن، حيث انه يرى ان تطورهما وحركيتهما المتوازية ضرورية لبقاء أي مجتمع او حضارة في شروط صحية ملائمة للنشاط الإنساني المشترك كما تعبر عنه حنة ارندت "بشروط الحياة" العملية في كتابها الوضع البشري.

يقول بيجوفيتش "العلم والفن، فيهما يكمن جوهر الاختلاف بين نيوتن نبي الكون الآلي، وبين شكسبير الشاعر الذي يعرف كل شيء عن الإنسان، نيوتن وشكسبير وأينشتاين ودستويفسكي يجسدون فكرتين، كل واحدة منهما تنظر في اتجاه معاكس"، ثم يكمل كلامه: "فقضية المصير الإنساني وغربة الإنسان في الكون وهشاشته والموت والخلاص من هذه المعضلات، كل ذلك لا يمكن أن يكون موضوع علم من العلوم، في حين أن الفن -حتى لو حاول-لا يمكنه أن يتغاضى عن هذه القضايا. الفن هو معرفة الإنسان، كما أن العلم هو معرفة الطبيعة" وما يريد بيجوفيتش قوله هنا هو أن الفن والشعر يعبران عن الإنسان، عن خواطره واحتياجاته وطموحاته وأحلامه ومخاوفه وأحزانه، عن شعوره بالذنب والرضى. ومن خلال ذلك يحاول ان يبرز أهمية الدور الذي يمارسه الفنانون فيقول: "إن الفنانين والشعراء هم ضمير هذا العالم".

إذا يملك الفن في أي حضارة ومجتمع انساني أهمية كبيرة بالغة، إلا أنه لا يمكن من خلال هذا المقال المقتضب والذي كان سبب كتابته أفكار مختصرة تحاول أن تمس الجانب التوجيهي والعملي والتطبيقي لموضوع الفن على المستوى التربوي والقاعدي والبسيط، بعيدا عن ضبط المفهوم وتعريفه وإبراز أهميته والثنائيات التي تجمعه بالدين والعلم والسياسة والتاريخ والحضارة، والتشوهات او التحديات التي مرت به خلال مسيرة الانسان التاريخية.

الطفل والفن...

ينشأ أي انسان خلال مراحل طفولته الأولى في الحياة في نسق بيئة ما، ويتعلَّم فيها خلال مرحلة الطفولة أهم القيم والمبادئ والمقومات التي من خلالها يستطيع فهم الحياة وفقه الواقع خارج أسوار المنزل، أين يعيش فئة من الناس لا تربطه بهم أي صلة رحمية او اسرية ولكن سيتشارك معهم يوما ما رقعة جغرافية واحدة وانتماء لصلة اجتماعية واحدة.

ينتقل بعد نسق الأسرة الى المدرسة والتي تعتبر هيكلا مفتوحا يخطو هنالك أولى خطواته في مسار العلم والفهم والمنطق من جهة، ودراسة الواقع وفهم الحياة من جهة أخرى، كما يتعلم هنالك أساسيات العمل الجماعي التشاركي وكيف يتناغم مع مجموعة من القرناء ويكتسب الأصدقاء وكيف يتعامل مع الأعداء، باختصار ينتقل من محيط أسرى جنيني الى وسط مفتوح –بالنسبة له-يعتبر مرحلة انتقالية لمرحلة المراهقة والشباب أين يكتسب شيئا فشيئا استقلاليته الذاتية في الحياة ويبتعد شيئا فشيئا من سلطة اسرته الى تحمل مسؤوليته الشخصية الخاصة.

إلا أن الاشكال المطروح هنا يتمثل في أن الأسرة او المدرسة المسؤولة على مرافقة ذلك طفل البريء والذي سيمثل مواطنا مسؤولا غدا في المجتمع الكبير، قد يختلف رؤيتهم لمفهوم التربية وتختلف بينهم القناعات والتوجهات والانتماءات بشكل متباين بعيدا كل البعد عن فلسفة اجتماعية مشتركة خاصة في المجتمع المفتوح أين تغيب المرجعية الأحادية او ما يتحدث كثيرا عنه المفكر فيليب ميريو بالمجتمعات الأوليستيكية او المجتمعات الكلانية، فكل يكون له مبادئ مختلف في التربية يربي بها من جهة، ومن جهة أخرى قد يركز كل هيكل خلال ترقبيته لذلك الطفل على جوانب ويهمل أخرى، أو مجالات على حساب أخرى، فيغدو ذلك الطفل مواطنا كبيرا في السن لا محالة ولكن غير متوازن ربما، غير متناغم، غير مردك للبعد المركب للحياة، خاصة ان لم يدرك هو نفسه ذلك الخلل ويقوم بتداركه في وقت مبكر قبل فوات الأوان.

من التشوهات الحاصلة والمنتشرة بكثرة في العديد من المجتمعات، والتي قد لا ينتبه لها الكثيرون، مسألة التركيز في تربية الطفل والفتى على التحصيل العلمي والملكات العقلية والحفظ والتفكير الرياضي والحسابي المنطقي العقلي بشكل كبير جدا على حساب الجانب الفني الجمالي وجانب الذوق، وارى ان هذا في نظرا من بين التشوهات الأكثر انتشارا في مجتمعنا وفي مجتمعات عدة والذي يترتب عليه تداعيات مقلقة في مستقبل ذلك الطفل في حين ان هنالك تقصيرا جذرا في تعليمه وتربيته منذ خطواته الأولى.

اقصد بجانب الفن والذوق والجمال كل ما يرتبط بوجدان الانسان وقلبه ومشاعره وأحاسيسه، فالتطرف العقلاني للإنسان يمكن ان لا يمنع الانسان من عيش حياته والنجاح فيها وفق ما يسطره من اهداف ومشاريع ومخططات، الا ان ذلك يمثل تحديا يجب ان يوازيه بالمقابل نفس من الذوق وقبس من الفن واعتبار للجمال ليتمكن من رؤية الحياة بألوانها الزاهية ويرسم تفاصيل يومه بريشة بديعة بداية من تنظيم فراشه الى تزيين غرفته الى المحافظة على جمال محيطه الى غير ذلك من مختلف مفاصل حياته اليومية.

توجيهات وأفكار عملية:

سنحاول هنا تسليط الضوء على هذا المجال وإضاءة نقاط الظل في هذا المجال، من خلال الإجابة على السؤال الآتي: كيف يمكن تنمية الحس الفني والجانب الجمالي والذوقي في شخصية الفتى او الطفل لينشأ على ذلك المنهج وذلك النسق حينما يكبر؟ وكيف نعلم الفتى الاهتمام بالجانب الفني في حياته على مستوى القيم بنفس درجة اهتمامه بالعلم؟ او كيف يدرك الفتى ان الجانب الفني ضروري محوري في حياته وله أهمية كبيرة جدا؟

•    جانب الأسرة:

وذلك على مستوى التنشئة الأولى منذ الصغر من خلال التركيز على الجانب الفني في التربية والتوجيه الى ذلك قدر الإمكان، مثلا عدم رمي الأوساخ في الشارع، تنظيف المحيط، تزيين غرفة الطفل وتحميله مسؤولية ذلك بنفسه، ففي الكثير من الأحيان تقوم بذلك الأم حبا منها بدلا منه، وذلك خلال غيابه وهو في المدرسة مثلا خاصة الذكور، فتقوم بكل ما يتعلق بالتزيين وتنظيف الغرفة، وتنسيق الألبسة، جمع اللعب في مكان خاص بها... الخ، الا ان اشراك الطفل الصغير في ذلك وتحميله المسؤولية على ذلك يجعله يتحمل مسؤولية ذلك من جهة وكذا يغرس فيه تلك القيم المتعلقة بالنظافة والمبادرة والجمال من جهة أخرى.

•    جانب المدرسة:

وذلك على مستوى المواد البيداغوجية المدرسة من خلال التركيز على الجانب الذوقي والفني في الأنشطة المدرسة الصفية في كل المواد، والتركيز على مواد الفن كالرسم والموسيقى والشعر والمسرح... الخ وتدعيم ذلك بالأنشطة اللاصفية المرتبطة بالتربية الفنية والتشكيلية والبيئة والمحيط وإبراز ذلك في مختلف مراحل السنة الدراسية خاصة الحفلات الموسمية.

كما أرى ان اعتبار القدوة بالنسبة للأساتذة في هذا المجال من خلال تنظيمهم للسبورة خلال شرحهم واستعمالهم للأوان وتقديم المعلومات للطلبة في طبق ابداعي فني جميل جدا يغرس فيه تلك القيمة من جهة ويسهل لهم فهم تلك المعلومات وادراكها من جهة أخرى، هذا بالنسبة للمعلومات ناهيك عن تنسيق الملابس والهندام اللائق والحرص مع الطلبة على ذلك.

تشجيع الأبناء وتنمية ما يملكون من مواهب كامنة وتطويرها وتفعيلها وإيجاد انساق خصبة لدعمها وابرازها، والحرص معهم على ان تكون تلك المواهب الفنية موازية لهم خلال تكوينهم العلمي والدراسي او الوظيفي مستقبلا، وبذلك يمكن ان نجد أشخاصا متخصصين في الكيمياء والفيزياء والمنطق والرياضيات وفي نفس الوقت شعراء ورسامين او فنانين تشكيليين بالموازاة من جهة اخرى... الخ.

•    جانب المجتمع:

الحرص على انشاء النوادي الثقافية والفنية والابداعية: من خلال تشجيع الجمعيات والمنظمات على ذلك فيما يتعلق بنوادي المسرح والفن والابداع والرسم والتربية الفنية والتشكيلية، ودعمها ومساندتها بمختلف الاشكال... وتحفيز الأبناء للانضمام اليها منذ سن مبكرة ما يسهم في تنمية حسهم الفني من جهة وكذا ملء أوقات فراغهم من جهة أخرى.

إضافة الى ذلك تشجيع المبادرات الفنية في المجتمع والحضور في التظاهرات والحفلات والبرامج التي تعرض إنجازات الفنانين والاسهام فيها بفعالية الا ان ذلك قد يكون تحصيل حاصل من جهة فلا يمكن ان يشجع مجتمع فنا إلا في حال إدراكهم لأهميته وضرورته، ومن جهة أخرى ثقافة الفراغ المنتشرة بكثرة والتي تستقطب اهتماما كبيرا من الناس والتي تتعلق فقط بما هو مضحك وكوميدي او ترفيهي وسطحي مما يطلبه المستمعون ويستهويهم بعيدا عن العمق والمعنى الحقيقي للفن والفنون.

•    جانب السلطة وعلاقتها بالفن:

أي تشجيع الدولة والسلطات المحلية والعرفية ذلك لتنمية الجانب الفني لدى الطفل او المواطن من خلال المسابقات، الحفلات، المعارض ومختلف المجالات الفنية من خلال استغلال المناسبات الرسمية والدينية والوطنية، وتشجيع ذلك ماديا لان اشكال الفن عموما انه يرى اليه كوظيفة ثانوية لا فائدة مرجوة منها، وكلنا سمع بالقصة التي يمكن ان ترسم صورة ادراكية بخصوص الموضوع حينما قال أستاذ لطالبه حينما سأله ماذا تريد ان تكون في المستقبل؟ أجاب الطالب اريد ان أكون رساما ناجحا. وأجاب الأستاذ: رسام !!؟ انتبه جيدا يا بني وأعد التفكير مليا في الأمر لأن الرسم لا يدفع الفواتير.

•    المناخ الطبيعي:

أكيد أن للمناخ الطبيعي للمحيط الذي ينشأ فيه الانسان دور في كل ما نقول، فالنشأة في بيئة صحراوية او باردة او ساخنة او في ظروف قاسية تؤثر كثيرا على الطبع الإنساني واللغة والسلوك والتعبيرات والخلفيات السلوكية بالضرورة والحل هو الاهتمام بنوع من الفن يتماشى مع البيئة المحلية وعدم استيراد نماذج جاهزة.

•    المسؤولية الشخصية:

بالنسبة لأي شخص ناضج قد يلاحظ عجزه الكبير والواضح وافتقاره الكبير الى الاهتمام بالجانب الذوقي والفني والجمالي في حياته خلال تقييمه لنفسه او مقارنته لنفسه مع اشخاص اخرين، فيحاول تنمية هذا الجانب في نفسه ولو في الكبر وهذا يحتاج طبعا نوعا من الوعي، ولك أن تدخل إقامة يعيش فيها مجموعة شباب في التل يتشاركون نفس مكان الأكل والشرب والنوم ولك ان تستنتج اهتمامهم بالجانب الذوقي والفني والجمالي، وأكيد أنك أخي القارئ وأنت تقرأ هذه الكلمات تخطر في ذهنك صور عديدة لما اقصده من نماذج إيجابية كانت او سلبية.

•    التكوين الفني:

وذلك من خلال تفعيل دور معاهد ومؤسسات الفنون الجميلة وتقديد الاهتمام لها قدر الإمكان من حيث تموقعها بين التخصصات الأخرى، خاصة على مستوى توجيه الطلبة للإسهام والاثراء في هذا المجال.

•    الاستفادة من تجارب الغير:

إشكالية العلاقة مع الغرب دوما تصب محور نقاش وجدل متواصلين، بين ما يمكن أخذه وتركه، خاصة ما هو خارج الإطار التقني والتطبيقي، الا انه على المستوى الفني فلدينا ما يمكن ان نستفيد منه وما نستلهم أفكارا تحتاج منا الى اهتمام ودراسة طبعا مع التمحيص بعيدا عن النقل الجاف والميت، فتجربة المسرح عموما والمسرح المدرسي بالخصوص في التجربة البريطانية لدينا ما يمكن ان نستفيد منه الكثير والكثير، ونجد النمسا بلد موزارت في الموسيقى والتجربة الفرنسية والإيطالية حول الرسم والنحت... الخ

كما يجب علينا كذلك العودة الى ما تاريخنا الحضاري على مختلف الأصعدة وسنجد العديد من التجارب والحقب التي كان فيها للفن صوت مسموع ومقام رفيع، تحتاج منا الى العودة اليها ودراستها في إطار نسقها الحضاري والتاريخي.

أخيرا... طبعا هنالك الكثير من المقاربات التي يمكن من خلالها ان يفعل الانسان جانب الفن في حياته على المستوى الاجتماعي وخاصة التربوي، ويحتاج ذلك الى تفكير جماعي والتفاف جهود حول الموضوع نظرا لكونه استثمارا ضروريا في مستوى الحياة العملية والضمير الاجتماعي في المسيرة الحضارية لأي مجتمع.

 

التعليقات

لا توجد تعليقات

مقالات ذات صلة

يحيى الأطرش
كاتب وإعلامي
مصطلح التباعد الاجتماعي له أكثر من دلالة، وربما من الآثار غير المرغوب فيها -إن استمر طويلا- أن العلاقات الاجتماعية (خارج الأسرة الصغيرة) ستهتز أكثر مما كانت مهتزة بفعل التواصل الافتراضي، لكن من جهة أخرى ستنمو العلاقات ...
66
د. طه كوزي
باحث ومؤلف
كنتُ مثل أقراني وأبناء جيلي مولَعا بكرة القدم، وكمْ كانت مشاغباتُنا عنيفةً في الأزقة والشوارع في مباريات ماراطونية لا تعترف بقواعد "الفاف"، ولا تؤمن بعقوبات "الفيفا"، فتنطلق من التاسعة صباحا إلى أن تتوسط الشمس اللافحة ...
66
د. محمد باباعمي
مدير معهد المناهج، الجزائر
صلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي سأل ربه فقال: ""وإني سألت ربي أن لا يهلك أمتي بسنَّةٍ عامة"... وحّدوا الله تعالى وكبّروه واحمدوه، ولقد أجاب: "وإني أعطيتك لأمَّتك أن لا أهلكهم بسنَّة عامَّة"؟ ******* لم تشهد ...
28