الأستاذ والمحامي اسماوي عمر بن عيسى بن ج بكير في ذمة الله

فارس آخر من فرسان القضاء ورجال العطفاء والجزائر المستقلة يترجل
الأستاذ والمحامي اسماوي عمر بن عيسى بن ج بكير في ذمة الله

غادرنا في صمت بالجزائر العاصمة اليوم رحل اليوم إلى دار البقاء
الأستاذ والمحامي الضليع اسماوي عمر بن عيسى بن ج بكير رحمه الله
بعد معاناة مع المرض دامت سنوات وهو صابر ومحتسب لله
ولد الفقيد بالعطفاء خلال الأربيعينات من القرن الماضي وفيها تربى وتدرج في مراحل التعليم الأولى ثم انتقل إلى معهد الحياة العامر لينهل من معين أساتذه وشيوخه
وكان مجاوراً في بيت أستاذه فضيلة الشيخ الناصر مرموري رحمه الله
يعده أحد أبنائه وقد ظل الأستاذ اسماوي وفياً لشيخه بعد تخرجه يكرمه ويزوره ويستضيفه ولم يفرط في ذلك إلى أن فرق بينهما الموت.
سنة 1967 استظهر القرآن الكريم وهو يحفظه عن ظهر القلب لم يهجره أبداً صحيحاً أو مريضاً مقيما أو مسافراً، يطبقه ما استطاع ويستشهد به في قوله وعمله في سلك القضاء
التحق مطلع السبيعينات بجامعة الجزائر قسم الحقوق بعد جهاد كبير إذ كان والده يرجوه للتجارة بجواره في مدينة مسعد كبعض إخوته وأبناء عمومته لكن طموحه كان أكبر في تشريف العائلة وتسجيل اسمه في سجل إطارات الوطن يدافع عنه ولا يفرط فيه قيد أنملة، ففهم والده رغبته تلك، وكان يتفرس فيه النجابة منذ الصغر ويلقبه بـ"بومدين" الرئيس الجزائري خلال الستنينات والسبعينيات من القرن الماضي، لما يتميز في نظراته وطباعه من الجدية والصرامة وقلة الكلام إلا فيما يفيد...

التحق سنة 1984 بالمحكمة العسكرية بورقلة (الناحية العسكرية الرابعة) فكان مثالاً في الجدية والصرامة مع المجندين حتى وإن كانوا من ذوي الرتب العسكرية الرفيعة.
وبرز الأستاذ واشتهر بعد أحداث قمار الأليمة (أول عملية إرهابية تطال ثكنة عسكرية في وادي سوف سنة 1991 راح ضحيتها جنود أبرياء)، وضع الملف على طاولة الستاذ عمر اسماوي رئيس المحكمة العسكرية، وعرض أمامه المجرمون الذين نفذوا الهجوم الإرهابي الجبان، وهي أول سابقة قضائية من نوعها تعرض عليه، يعتدي فيها مدنيون على عسكريين ويساق المعتدون إلى محكمة عسكرية، فيأتي هنا الاجتهاد القضائي الذي بادر به الأستاذ عمر اسماوي باستحداث طرف مدني يدافع عن أولئك المعتدين داخل المحكمة العسكرية حتى لا يظن أوليائهم أن ليس لهم حق الدفاع عن أبنائهم ... وقد تداولت الصحف الصادرة آنئذ مجريات المحاكمة وتداعياتها... وكيف كان رئيس المحكمة الحافظ لكتاب الله يصحح لأولئك المعتدين أخائطهم في الاستدلال ببعض الآيات القرآنية يبررون بها أفعالهم...

وقد أصبح هذا الاجتهاد القضائي الذي بادر به الأستاذ عمر اسماوي محل دراسة في قسم الحقوق والدراسات القانونية بجامعة الجزائر وجامعات الوطن.
1994 تعرض والده في مسعد لمحاولتي اغتيال من قبل الدمويين وأرسلوا للمحامي برقيات تهديد شخصية لم يكن يأبه لها، إلاّ أنه أشفق على والده التاجر في مسعد والذي نشأ فيها ولا يريد مغادرتها، والذي ترجاه أن يعتزل العمل العسكري، فقبل مضطراً الانسحاب من منصبه والانتقال من المحكمة العسكرية إلى القضاء المدني ليفتح مكتباً للمحاماة بغرداية اشتغل فيه بما أوتي من حنكة ودراية وكان مقصد الأعيان وهو منهم في عديد القضايا التي تهم الأمة والمجتمع...
عرف بجديته وصرامته وكان مهاباً في نظرته، لكن من يجالسه مرة يكتشف معدنه وصفاء سريرته، فهو شديد في الحق ولا يخاف في الله لومة لائم...
أديب وكاتب قدير، وله بعض المقالات والأبحاث المنشورة وأعمال أخرى مخطوطة نسأل الله أن يوفقنا لإخراجها حتى ترى النور ويستفيد منها القراء...

أصيب حوال سنة 2015 بداء الكولون العصبي وقد اشتد معه حتى استأصله وتابع علاجاً بالكمياوي كان سبباً -بعد الأجل المحتوم- في ازدياد المرض بعد أن تعافى منه أو كاد خلال 2017 - 2019

رحم الله الفقيد وأسكنه فسيح جناته وتجاوز عن سيئاته وتقبله في عباده الصالحين
ورزق الأمة من يخلفه ويقوم مقامه
آمين يا رب العالمين ويا أرحم الراحمين

كتبه: أ. د. يحيى بن بهون حاج امحمد
أولوال - تجنينت / 01 جويلية 2020