كورونا.. قراءات وعالم غامض

في الأشهر الأولى من أزمة كورونا اطلعت على عشرات المقالات في المجلات المتخصصة وكبرى الصحف العالمية وتابعت عدة حوارت لمتخصصين محاولا رسم صورة لما يحدث في الجانب الصحي، وأثر الجانب السياسي والاقتصادي في الموضوع، محاولا تكوين بعض القناعات الخاصة بي تعينيني على التحليل في المواضيع التي أهتم بها، ولكني أصبت بالإرهاق الشديد فتركت الأمر نهائيا لكثرة المعلومات واضطرابها وتغيرها السريع، ولأن الأمر ليس من تخصصي لأفرغ له الوقت والجهد الكافيين، ومما خلصت إليه من تلك التجربة:

أن المسائل المتخصصة لما يكون لها أثر على الحياة العامة فإن الأمر لا يتعلق برأي المتخصصين فقط وإنما بقرارات معيارية تحاول الموازنة بين المفاسد والمصالح، فالحياة هي لعبة توازنات معقدة في ظل موارد محدودة، فلا يمكن مثلا غلق الدول إلا لأجل محدود حسب قدرة التحمل الاقتصادي والاجتماعي، كما لا يمكن المخاطرة بحياة الناس بعدم اتخاذ إجراءات وحجر، ولا يمكن توجيه الميزانيات كلها للصحة العامة وإضرار الميزانيات الأخرى كما لا يمكن إهمال الإنفاق على الصحة والمخاطرة بحياة الناس، ولا يمكن التعدي على حريات الناس تحت شعار المصلحة العامة، كما لا يمكن المجازفة بالاعتماد على وعي الناس فقط...، وجميع هذه الخيارات ليست موضوعية محضة يبت فيها خبير برأي قاطع، وإنما هي خيارات سياسية وطبية واقتصادية وقانونية واجتماعية يجب تنوير الرأي العام بها وإشراكهم في اتخاذها، وإلا تزعزعت الثقة ووقعت المقاومة.

والأمر الآخر الذي خلصت إليه هو طبيعة هذا العالم المعاصر والتي أصبح يصطلح عليها VUCA World (Volatility, Uncertainty, Complexity and Ambiguity)، فهو عالم يتسم بالتقلب وعدم اليقين والتعقيد والغموض، وهذا نتيجة الكم الضخم من المعلومات، والصراع الرهيب على النفوذ من خلال إنتاج المعلومة وتسويقها وتطويعها، مع تطور آليات الصراع من علوم Big Data والهندسة الاجتماعية وغير ذلك، هذا العالم لا تجد دولة موطئ قدم فيه إلا بإتقان اقتصاد المعرفة والتحكم بالمعلومة، وإلا كانت مجرد مستهلك يستجدي المتحكمين في المعلومة، وطبيعة التحكم ليس بمنع المعلومة وإنما بالتضخم الكبير إلى درجة الإغراق وعدم القدرة على الفرز بين الغث والسمين، ومن تابع الوثائقي الفخم (the great hack) يدرك جانبا من هذا التصور.

وأمر آخر أن مهمة المتخصصين تزداد تعقيدا، أولا من خلال الجهد المستمر في تطوير الذات واللحاق بنهايات هذا العالم السريع، فلم تعد تشير الألقاب العلمية بالضرورة إلى وجود الرصيد العلمي المحيَّن عند صاحبها، وفي التقاعس خيانة لثقة الناس بهم، ومن جهة أخرى يجب أن يفهموا أن المسائل العلمية لما تؤثر على الحياة العامة فإن القرار فيها لا يتعلق فقط بقوة الحجة العلمية وإنما كذلك بالقدرة على إقناع الجمهور على التضحية ببعض رفاه حياتهم، وتزداد المهمة تعقيدا بأن كثرة المعلومة تعطي شعورا بوهم المعرفة عند كثير من الهواة. وهذه الملاحظات تصدق في نظري على جميع التخصصات والظروف التي تعرض للمجتمعات في شتى المجالات.

التعليقات

لا توجد تعليقات