محجور في زمن الكورونا

"اعترت والدي اليوم خيبة أمل عميقة عندما اكتشف بعد نصف ساعة تسجيل أن الميكروفون لم يكن مُشغلا منذ البداية دون أن ينتبه لذلك.. قبل نصف ساعة من الآن نشر صديقي لقطة شاشة من داخل قسمهم الافتراضي يظهر فيها تعليق للمحاضر وهو ينبه أحد الطلبة إلى إيقاف صوت تلاوة القرآن الذي كان يشتغل عنده أثناء الدرس!.. البارحة قدم أحد الدكاترة درسا طبيا على المباشر من فرنسا عبر قناة المسجد على اليوتيوب.."

قطعة كهاته التي سبقت تبدو للوهلة الأولى لإنسان يعيش نهايات عام 2019 أشبه بتسريبات من مذكرات يومية خاصة مستقبلية لأحدهم كان قد عاش عصرا أصبحت فيه المدارس تعتمد على منصات الكترونية لنشر دروسها، وأصبحت فيه منابر المساجد مفتوحة على الجميع من أهل التخصص.. لكن الحقيقة أنها بضع حوادث من واقع سيعيشه، ولا تفصل عنه إلا بضعة أسابيع.. بضعة أسابيع ويغزو فيها كائن دقيق لا يرى بالعين المجردة العالم فيغير ملامحه، ويغير قوانينه، ويجعل ما كان مستحيلا أمرا واقعا.. المدارس مغلقة والملايين من روادها ماكثون في بيوتهم بينما تحولت هواتفهم وحواسيبهم لنوافذ تعليمية نحو مدارسهم ومدرسيهم ومقرراتهم.. الناس مطالبون في المكوث في بيوتهم كأقوى أداة حرب ضد كائن غير مرئي.. المنصات الالكترونية لقيت رواجا أكبر، سواء الموجهة للتواصل الاجتماعي، أو تلك المخصصة لنشر الدورات والمواد الالكترونية، أو تلك المخصصة للقاءات والاجتماعات عن بعد.. تعطلت أمور الناس ومصالحهم، توقفت الأعمال وتغيرت ملامح السوق بشكل غير متوقع.. 

وفي خضم كل هذا وجد الإنسان الفرد نفسه في بيئة مختلفة غريبة عنه.. مختلفة عن كل ما خبره وألفه وعاشه من قبل.. في بيئة أقرب إلى مشاهد تحدث بالعرض البطيء من جهة، ممزوجة بأحداث أخرى تجري بسرعة جنونية غير مفهومة ولا معتادة.. بيئة لم يتوقع معظم الناس أن يجدوا أنفسهم فيها بين ليلة وضحاها.. بيئة اختلطت فيها الدوائر والمساحات، فمكان العمل ومكان الدراسة ومكان الاستراحة أصبحوا أقرب من أي وقت سابق، حتى أنهم اتحدوا وأصبحوا مساحة ودائرة واحدة عند الكثير.. وضع فرض علينا إعادة النظر مرة أخرى وبطريقة مختلفة للكثير من المفاهيم والتطبيقات حول العزلة، الصمت، العائلة، الصالح العام، التعاون، التواصل، التلامس والعناق، وحتى الثقافة الصحية من غسل الأيدي ولبس الكمامات، وأهمية المنظومة الصحية والاهتمام بها والاستثمار فيها..  

تعامل الناس مع هذا الوباء كان مختلفا، فمنهم من انغمس في متابعة الأخبار اليومية من عدد المصابين الجدد وعدد الوفيات وأخبار تجارب اللقاحات والأدوية وما جرى مجرى هذا من الأنباء المتعلقة بالجائحة، بدافع القلق والخوف في كثير من الأحيان أو بدافع الفضول ومعرفة الجديد أحيانا أخرى، فوجد الكثير منهم أنفسهم وهو يصرفون جهدهم وطاقتهم العقلية في الشائعات أو القلق المبالغ فيه.. أما من كان أوعى من ذلك فلم يعطِ إلا وقتا محددا وفرصة محدودة معقولة لتلك الأخبار، بينما صرف الباقي في الاستثمار في هذا الوضع الجديد، على مختلف المستويات النفسية والشخصية، الأسرية، المالية، أو المجتمعية..

العزلة الاجتماعية واكتشاف الذات

عندما وجد الناس أنفسهم في هذا الوضع الجديد محبوسين داخل بيوتهم انطلق العديد منهم بحثا عما يشغلون به أنفسهم ويملؤون به أوقاتهم.. عن الألعاب والمسلسلات المطولة وقضاء الأوقات الطويلة على مواقع التواصل الاجتماعي.. كأني بهذا الإنسان قد أدمن السرعة والتسارع، والتشتت والانشغال، حتى أصبح أي ظرف يمده بمدد من السكون والسكينة والتريث والرويّة والتُّؤدة يجعله ينفعل بحثا عن أي شيء ليمارسه وكأن الهدوء أصبح داعيا من دواعي الخوف والقلق.. 
ها هي الفرصة أمامك، فلطالما احتججت بالانشغال وعدم توفر الوقت من أجل نفسك ومن أجل الحديث إليها والتعرف عليها عن قرب.. فرصة استثنائية لكل البشر، قسرية، حيث تقلصت الأعمال والمهام لعد غير يسير من البشر.. استثمر هذا واجعله فرصة لعزلتك التي لطالما أجلتها، أو لمواجهة الأسئلة التي أدمنت إرجاءها، هل أنت في الطريق الصحيح الذي أردته لنفسك، هل ما تقوم به الآن يخدم أهدافك ومرادك؟.. ولاكتشاف الحسن منك وما يحتاج للتحسين والتعديل منك..

بناء العادات

"ما تعيشه اليوم نتيجة حتمية للعادات التي داومت عليها طوال السنين الماضية".. كان هذا الوضع الجديد فرصة لي شخصيا لاستكشاف علم وعالم العادات الذي يذهب بعيدا في تحليل تصرفاتنا ولماذا نميل للقيام بعادات ما بينما نستصعب القيام بعادات أخرى.. كيف نبني عادات جديدة حسنة وصحية اعتمادا على العلم ونتخلص من عاداتنا السيئة وإدماناتنا التي نجد أنفسنا مكبلين بها وتجعل حياتنا في وضع غير مريح لنا ولا لمن حولنا.. ربما من أفضل الكتب، أو من أمهاتها إن صح التعبير، في هذا المجال هما كتابَيْ: قوة العادات لتشارلز دويج والعادات الذرية لجيمس كلير.. العزلة الاجتماعية فرصة استثنائية لمراجعة عاداتنا وسلوكياتنا من أجل تحسينها وتطويرها..

الدورات والتكوينات المجانية

وكما هو واضح فقد انتشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي الإعلانات والإشهارات لدورات وتكوينات مجانية على مختلف منصات التكوين ومنصات المحاضرات الالكترونية.. الأمر في نفسه دون الأخذ بأي اعتبارات أخرى صحي جدا.. لكن ما على المرء الانتباه له هو عدم الوقوع في فخ التسجيل في أي محاضرة وفي أي تكوين، فيجد نفسه بعد أيام وقد جمع بين يديه ما لا ينتهي من المواضيع المتشعبة.. "مادامت مجانية فعلي أن أستغل"، أمر كهذا أشبه بما يحصل للإنسان عندما يدخل متجرا ما فتقابله لافتات التخفيضات من كل جهة، فيجد نفسه وهو يخرج من المتجر حاملا بين يديه من كل ألوان وأنواع المنتوجات، ما يحتاجه وما لا يحتاجه، كل شيء باستثناء ما قَدِم من أجل اقتنائه بالفعل.. لذا على المرء أن يضع كل شيء ضمن خطة كبرى تخدمه وتخدم أهدافه واحتياجاته والمهارات اللازمة التي يحتاج لتطويرها ضمن إطاره الشخصي..

الكتب وأشياء أخرى

لا شك أن وضعا كهذا فرصة لا تعوض لمحبي الكتب والقراءة والمطالعة.. وكما أفعل في كل مرة فأنا أنصح بالقراءة ضمن خطة رشيدة.. القراءة بوعي، القراءة خدمة لقضية ما، لسؤال طالما راودك، لمجال أردت اكتشاف معالمه وزواياه أكثر فأكثر.. ومن أخذ خطوة أخرى للأمام نحو الكتابة فذاك خير كبير.. وفرصة كذلك ووقت وفير لأي هواية أخرى، سواء على أرض الواقع أو بالوسائل التقنية.. 

هكذا كانت بعض الجوانب والمساحات التي خبرتها في فترة الحجر الصحي.. الزموا بيوتكم، حافظوا على صحتكم وصحة أحبائكم.. أطباؤنا واقفون في وجه الخطر، فلندع الله لهم بالقوة والثبات، ولنساعدهم بالتزامنا بتعاليم الوقاية التي نصحونا بها ولا زالوا يفعلون.. ولنستغل الوضع ولنجعل منه فرصة استثنائية تحول الوضع من محنة لمنحة لا تعوض..
 

التعليقات

لا توجد تعليقات

مقالات ذات صلة

يحيى الأطرش
كاتب وإعلامي
بداية أعترف أن هذه القراءة السطحية أو المقاربة ربما ليست عادلة، وقد أثير بها غضب بعض أصدقائي الأطباء (صداقة صحبة وليست زمالة دراسة طبعا)، لكن لا ضير إن تحملتم شيئا من توهماتي وهذياني؛ سيما في هذا الظرف الذي نمرّ به، ...
277
قاسم موسى وعلي
إعلامي وباحث
ستزول الأزمة ويأتي الفرج قريبا؛ وتعود الحياة إلى طبيعتها والأمور إلى مجاريها والبشرية إلى نشاطها وحيويتها.. لكن ماذا سيتغير؟ من كان في هذه الأزمة مستمثرا لأوقاته؛ مستغلا لمكوثه في المنزل، حريصا على تعلم لغة أو اكتساب ...
85
عبد الله مصباح
طالب صيدلي
"فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف" صدق الله العظيم، هذه الآية الكريمة ذكرت خطرين من المخاطر الثلاثة التي كانت تهدد حياة البشرية قديما هي: الحروب، والمجاعة، أما الثالث فهو الأوبئة هذا الثلاثي كان ...
67