تأملات وأفكارواحة المعرفة

طائر البطريق: رسالة مفتوحة إلى حلقة الدرس المباركة

على طاولة المكتبة، مركز البحوث والدراسات الإسلامية، التابع للديانات، استانبول… أجلس وحولي ناس من كلِّ مورد ومشرب، يحملون آمالهم معتَّقة على أكتافهم، كلٌّ في سبيل، وكلٌّ إلى سبيل… لا أعرف من أحدهم إلاَّ نزرًا من المظهر والظاهر، أمَّا المخبر والباطن، فهو هنالك في أغوار عقولهم وقلوبهم، مكنونٌّ في صدورهم وسرائرهم… قد لا تُكشف إلى يوم الحساب: “يوم تبلى السرائر”.

ومِن حولي أسفارٌ، مئات الآلاف من العناوين، من مختلف اللغات والثقافات؛ تحيط بها الملايين من الوثائق، من أرشيف الدفاتر العثمانية المعطَّرة؛ جميعُها بلا استثناء – المؤلَّفاتُ والوثائق – تحكي قصَّة كاتبها وناشرها وطابعها وقارئها؛ مما لو نضِّد في رواية لفاق حجمُها جبال الهمالايا مرَّات ومرَّات؛ وهي مجتمعةً تذكِّرنا بقوله جلَّ شأنه: “وفي أنفسكم أفلا تبصرون”.

أمَّا أنا، فمِن بين الحضور مكابَدة، ومِن بين مَن كتب بعض الأسفار معانَدة؛ لا ريب أنَّ مَن يراني يقرأ فيَّ – ظاهرًا – قناعاته، فقد يدرك بعضًا من حقيقتي وقد لا يدرك؛ أمَّا مَن يقرأ ما كتبتُ فيُصغ إلى شيء من خلجات وجداني، قد يفهم بعضا منها وقد لا يفعل… لا لعجز فيه، لكن لضعف فيَّ، ولعيٍّ في قلمي وكلامي…

والله، لولا اللهُ، لما أقدمتُ على هذه الرسالة الخالدة، رسالةِ العلم والدرس؛ ذلك أنها من شأن الأنبياء الأطهار؛ تلقَّوها وحيًا من السماء، ثم مارسوها صبرا على أهل الأرض؛ ولقد ورثها العلماء الأفذاذ فأقاموها، ذلك أنهم كانوا على شيء من الحقِّ والصدق؛ أمَّا أنا فغريبٌ في هذا الموكب، أبحث عن مقعدي على ظهر السفينة فيُعييني البحث بلا طائل، أسأل عن مكاني في صفِّ الجندية، فأطرَد مِن أمامٍ إلى وراء، حتى أجدني واقفا وحدي مرتجفا مثل عصفور مبلَّل، أو كطائر مَهيض الجناح يرميه القرُّ بكلِّ هلاك…

تأبطت جريدتي، وحملت مَبخرتي، فرُحت أسافر من بلد إلى بلد، مثل صوفيٍّ أعياه سؤال الناس، فسعى ليسأل غيرَ الناس، حجرا أو شجرا، أرضا أو سماء، حيوانا أو طيرا… لا يهمُّ؛ فلكلِّ مخلوق لسان، ولكلِّ موجود لغة، إنما العجز في الفهوم والمدارك لا في الأعراض والجواهر…

غير أنَّ لسان الحال كان أفصح من لسان المقال: نطق الحقُّ مجلجلا، أن رويدك يا “محمد” رويدك… لا تستعجل، ولا تيأس، ولا تولي الدبر، ولا تفرَّ من الزحف… فهنالك وراء التلَّة جمالٌ وجلال؛ ومن هنالك قريبا ستشرق شمس المعنى، وسيعقبها ضحى وضاح، وستختفي الخفافيش في دهاليز الغرور، ويغادر البومُ إلى أرض الفناء والهباء: “ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء، وهو العزيز الرحيم”.

نعم، واصلتُ المسير سنينَ، بلا توقُّف ولا توجُّس؛ ذلك أني لو تردَّدت بُرهة لاعتراني ماردُ الجمود، فأصير تمثالاً، قد يكون محتفًى به، أو يكون “لا مرحباً به”؛ إلاَّ أنه تمثال على كلِّ حال؛ وما سكن الناسُ يوما خرائب التاريخ ولا عمروا بقايا الزمان؛ ولكنَّ اللبيب من “سَبح في النهر ثم لم يتحوَّل سائلاً مائعًا، ولا حجرًا صلدًا؛ وإنما بقي على فطرته وخِلقته: إنسانًا/إنسانًا”.

اليومَ، وقد جرَّبت المفاوز الوعرة والتلال السهلة، عاينت حرارة “عين صالح” وبرودة “قرص”، عرفت النجاح المؤيَّد والإخفاق المزلزِل؛ اليوم تيقَّنت أني كالبطريق تمامًا، لا فرق، إلاَّ فيما كرَّمني الله به من قلب وعقل، ومن رسالة ودين، وتكليف وحساب… لا فرق…

انظروا إلى البطاريق التي تعيش عادة في المناطق الثلجية الباردة صيفا وشتاء؛ وهي “من الحيوانات ذات الدم الحارِّ، تماما مثلي أنا الإنسان”، واسألوها أو اسألوا أنفسكم: كيف يستطيع البطريق البقاء دافئا في الأماكن الباردة وفي المياه الجليدية الصقيعة؟

قد تجدون الجواب في الدهون التي تحت جلدها، وقد تجدونه في الزغب الذي تعلوها، غير أنَّ فصل الخطاب، وحسن الجواب، في حكمة الله أنْ هدى البطاريق إلى العيش جنبا إلى جنب، في مجموعات، مع إبقاء أجنحتها مضمومة إلى جسمها، للمحافظة على دفء أجسامها. وقد تصل أعداد البطاريق إلى 5000 في المجموعة الواحدة… ولقد تعاني بعض البطاريق من مشكلة عكسية: فبطاريق الأباغوس تعيش في المناطق الاستوائية الحارة جدًّا، و تقوم بمد أجنحتها وزغب ريشها للشعور بالبرد”.

أخي المعتكف، ثنيتَ ركبتك لحلقات الدرس، وشمرت عن ساعدك صبرا وصدقا، ثم ركبت أمواج البحر أملا وعملا؛ تيقَّن أنَّ البرد مهما قسا، وأنَّ الحرَّ مهما اشتدَّ، فإنَّني وأنت… جزءٌ من كلٍّ، بعضٌ من مجموع، أفرادٌ ضمن سرب، بطاريقُ لا نقوى على مواجهة المصاعب إلاَّ بأن نكون جنبا إلى جنب… أفكارنا مضمومة إلى بعضها، وأعمالنا مكملة لبعضها، وأهدافها تبع لغاياتنا… معا، سويا، جميعا، كُلا…

هذا ما أفهمه من “المتحد العلمي”، ومن “الجماعة العلمية”، ومن “بركة الدرس”، ومن “حلقات بنيَّة العمل”… لا أكثر ولا أقلَّ؛ وإني موقن أنَّ عون الله لا يتنزل علينا مفترقين مشتتين، وأن نصره لن يرينا محياه مختلفين متلاعنين، وأنَّ الواحد منَّا – في عالم اليوم – تجرفه الأمواج مدًّا وجزرًا، إذا هو آثر العزلة والاعتزال، وأنَّ البركة كل البركة في المجموع وفي الاجتماع.

فهل نحن فاعلون؟

الأمل فيكم، والقلب معلَّق على عتبات باب الله، رجاءً ودعاء، وشوقا واحتراقا؛ ونحن نتلو كلَّ صباح ومساء في صفِّ الجماعة، تحدونا الملائكة من كلِّ جانب: “… إياك نعبد، وإياك نستعين، اهدنا الصراط المستقيم…” آمين، آمين، آمين

محمد باباعمي

المصدر: فييكوس نت

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى