التّحكّم من خلال الصُّور الإدراكية

يتمّ إدراك الأشياء والأحداث والشخصيات الفاعلة في هذه الحياة من خلال نظّارة الصّور الإدراكية أو موشور التّمثلات.
تختلف المصادر في استعمال المصطلح مع توافق في المعنى والدّلالة، فنجد في بعض المصادر استعمال مصطلح “الصّورة الذّهنية” (Mental images) أو “التمثلات” (Representations) وفي مصادر أخرى يشار إليها “بالصّور النمطية”. لكن مصطلح الصّور الإدراكية له دلالة أقوى لما نحن بصدده، ويمكن تعريفها بالصّور المترسّخة في أذهاننا والتي نتخيّل أو ندرك من خلالها واقعنا، ولا تكون لشيء مجسّم فقط بل حتّى للأشياء غير المجسّمة كالفكرة أو العلاقة … وهي أداة أساسية لبثّ الوعي الشّخصي والجماهيري، ويمكن استعمالها كأداة للتّلاعب والتحكّم، كما يقول الصّحفي الأمريكي “ولتر ليمان” في كتابه “الرّأي العام”: “هذه التصورات المسبقة تتحكم من الأعماق بعملية الإدراك كلّها، هذا إن لم نُحصَّن بتعليمنا”.
هناك صور إدراكية ايجابية يتولّد من خلالها فعل ايجابي بطبيعة الحال، وهناك صور سلبية تولّد فعلا سلبيا، وعادة ما تكون الصّور الإدراكية السّلبية قوالب جاهزة وجذابة، ومانعة من التّفكير، وممهِّدة لذهنية “القابلية للاستعمار”.
تتكوّن الصّور الإدراكية لدى الإنسان من خلال التّجربة، والممارسة، والمواقف، والصّدمات…، كما تُنقل إليه عن طريق شخصيات يُحـتكّ معها. وتلعب وسائل الإعلام دورا هامّا في تشكيل هذه التّمثّلات والصّور الإدراكية.
تركّز الماركات التجارية في الدّعايات الإعلامية على قوّة الصّور الإدراكية وذلك بتكرار الأشكال والصوّر والكلمات والأصوات حتّى يسجن التّصور في العقل اللاّواعي، وبمجرّد ذِكر تلك الماركة يُـقدح في عقولنا ذلك التصّور المشكّل تجاه تلك الماركة مقتـنعين تماما بدلالة ذلك المعنى.
مثلا كيف يرتبط في عقل المتلقي الاستهلاكي رابط بين مشروب “الكوكاكولا” وزوال العطش؟
إنه ومن خلال صناعة فنيّة محترفة لإشهار ما، تتشكّل صورة إدراكية مفادها أنّ أفضل مشروب لإزالة العطش هو هذا المشروب عوض الماء، وقد التقيت بشابٍّ يستهلك من المشروبات الغازية أضعاف ما يستهلكه من الماء، كما سمعت شابا آخر يقول: “إذا لم تَحضُر قارورة الكوكاكولا على طاولة الطعام، فليس لتلك الوجبة لذّة”، ويضيف نفس الشاب، معترفا بأنّه في أيام كثيرة من شهر رمضان يكسِر شوكة جوعه بقارورة الكوكاكولا، قبل التمر والحليب… فتخيّل معي تلك اللّحظات الروحانية لوقت الإفطار وآذان المغرب مع مشروب الكوكاكولا !!
لنستحضر مثالا آخر: كيف يحدث أن يشعر الإنسان بالخفّة والرّشاقة بمجرد ذكر ماركة “أديداس” “adidas” مثلا ؟
إنّ الصّورة المصنّعة في الإعلام عمِلَت عملها في المتلقّي وأدّت دورها في شعوره ووجدانه وعقله.
ومثال ثالث حول صورة “السوبرمان” الإعلامية، إنّ البنية النّفسية لهذه الصّورة تفترض وجود كائن فوق إنساني “super”؛ مستّقل عن منظومة الأسباب والسّنن الكونية، له قدرات خارقة للعادة ومهارات استثنائية، عادة ما يتدخّل لينقذ الموقف في آخر لحظة عندما تتأزّم الأوضاع كليّة، وكأنّ في الأمر سحر أو سرّ من الأسرار.
كذلك، فحريّ بنا أن نتساءل عن تصرفات الطفل المتلقي لهذه الصّورة بفم مفتوح وعقل مشدوه من واجهة التلفاز، الأكيد أنّه سيحاول أن يفعل الشيء نفسه أمام واجهة الحياة.. لتغدو المكابدة في الواقع، واتخاذ الأسباب الحقيقية…، كلّها بعد ذلك معانٍ لا ضرورة لها، مادامت الحلول “السوبرمانية” حاضرة!
ثم لنتّجه إلى الطّالب الذي يدخل قاعة الامتحان بهذه الذّهنية، سوف ينتظر حتما “سوبرمانا علميا” ليحلّ له إشكالاته العلمية، وكذلك الحال بالنسبة للخائض في دواليب السيّاسة، فهو يتصوّر بأنّ البلد كلّه سيتغيّر برمي ورقة في صندوق الانتخابات، لكن سرعان ما يُصدم أيّاما بعد إعلان النتائج وفوزِ مرّشحه، بأنّ الأمور لم تتغير، وأنّ رجل السّياسة أو “السّوبرمان السّياسي” الذّي كان يأمل فيه الكثير، ليست بحوزته العصا السحرية، ولا صندوق الأماني!
مع استحضار البعد النّفسي في احترافية صناعة هذه الصّور الأخيرة، فالكسل والوهن أقرب إلى قلب وميول الإنسان.
إنّ أمثال هذه الصّور الإدراكية تُصنع باحترافية في فرن بعض المخابر التّي تتلاعب بعقول البشر، وتدعّمها منظمات فلسفية فكرية تنفث سمومها في سهام هذه الصّور، وتوجّهها إلى عقل وقلب الإنسان، مراهِنةً أولا وآخراً على نزع إنسانيته.
إذا نظرنا لأيّ ظاهرة اجتماعية بنظّارة الصّورة الإدراكية المصنَّعة لفائدة المتلاعِب والمتحكِّم، نجد أنّه من الصّعب تغيير هذا الإدراك، وإقناع المجتمع بالتفكر والتأمل والتحليل والتركيب قبل اتخاذ القرار وفقا لما تمليه النّظارة… فمن الممكن أن يحدث الاقتناع فكريا، لكنه بحاجة إلى جهد كبير ليتحقّق من ناحية الفعل، ما يُنتج انفصاما بين الفكر والسّلوك.. وهنا يأتي “نموذج الرّشد” بطرحه في تصنيع صور إدراكية بديلة كخطوة مفرقية نحو تحويل الفكر إلى فعل.
وللمساهمة في الوعي الاجتماعي وترشيد الأمّة يجب امتلاك خارطة أو شبكة صور إدراكية مصنَّعة ضمن نسق أو نموذج أو بُنية فكرية، هذه الصّور تُوَلَّد من قواعد كليّة وتُصبَغ بسؤال أزمة واضح، يمثّل محور الانتقال من مخطّط الفكر إلى حقيقة الفعل.
الكثير من الأسئلة تتبادر إلى أذهاننا، خاصّة بعد أن يفكّ أحدنا شفرة بعض الصّور الإدراكية النّشطة في وعينا الاجتماعي، ويعرف مغزاها ودورها –مثلا- في نشر الفتن والأزمات، حيث يكون المجتمع في هذه الحالة -حالة الفتنة- في حركية ودينامكية، فتظهر البراديغمات دون نقاب والصّور الإدراكية دون حجاب.
تطرّقنا هذه المرة إلى صور إدراكية من خلال مدخل “الاستهلاكية”، وسنحاول في فرص أخرى التعرض لها من مداخل مختلفة: كدور الإعلام في نشر السّوداوية، وزرع اليأس والشّقاق، واقتلاع فسائل الخير والأمل.
بنيّة العمل:
* ما السبيل لفكّ شفرة هذه التّصورات –الصور الإدراكية السلبية- المتحكِّمة في السلوك؟ وما هي آليات توعية الآخر بخطورتها؟ وهل يكفي أن نكتشف الصّور الإدراكية السّلبية الكامنة المصدَّرة لنا من الآخر، أم حريّ بنا أيضا أن ننتقل إلى مرحلة أهمّ هي: صناعة صور إدراكية بديلة، ضمن منظومتنا التّوحيدية الإسلامية، تمسّ الإنسان في تركيبيته؟
* كيف يمكننا تحويل نصوص وأفكار مجرّدة إلى شعلة من المعنى الناضج، الباعث على العمل؟
* ماهي الوسائل والآليات التّي نكشف من خلالها تمثّلاتنا وصورنا الإدراكية؟
بعض المراجع:
– قواعد فقه الحضارة، د.محمد باباعمي.
– وسائل الإعلام وصناعة الصّور الذهنية، د.سليمان صالح.
– الصورة الذهنية والعلاقات العامة، د. باقر موسى.
– التلاعب بالوعي، سيرجي قره – مورزا.
– الرّأي العام، ولتر ليمان.
حمزة موسلمال
المصدر: فييكوس نت



