إذا أصبحت الوسائل غايات!!

نعلم أن الإنسان في هذه الحياة تحكُمُه مجموعة من التَّصورات والمفاهيم، كما أنّنا نتّفِق على أنَّ كلَّ سلوك وراءَه مفهوم وكلُّ مفهومٍ يُنتِج سلوكاً، فإذا ضبط الإنسان هذه المفاهيم وَفِهمها فهما صحيحا من أوعيتها الأصليّة؛ كالقرآن والسنة عاش مُطمئنا ومُرتاحا وتحقَّقت مقاصدُ وُجُوده، ولكن إذا اختلطت عليه المفاهيم ولم يضبط تلك التصورات عاش مُضطرباً ولم يتحقق مَقصِد وجودِه في هذه الدنيا، ومِن هذه المفاهيم “مفهوم الغاية والوسيلة“، فما المقصود من كل واحد منهما؟ وما العلاقة التي تربط الواحد بالآخر؟ وما مدى إدراك الإنسان لهذين المفهومين في وقتنا الراهن؟
الغاية والوسيلة:
تعرَّف الوسيلة على أنها كلُّ ما لم يُقصَد بعينه وإنَّما استُعمِل للوصول إلى مَقصِد، أما الغاية فهي الهدف والمقصد الأسمى، وبهذا المثال يتَّضح مفهوم المصطلحين: هَبْ أنّ مجموعة أشخاص أرادوا التنقُّل من منطقة A إلى منطقة B فحدَّدوا وقت الانطلاق، وعندما حان الموعِدُ أتى أحدُهُم بسيارته والآخر بدرَّاجته النَّارية وآخر بدرَّاجتِه الهوائيَّة وآخر بدابَّته والأخير مُرتَجِلا، فانطلقوا ووصلوا كلُّهم بعد ساعات – مع الاختلاف في الزمن المستغرق- إلى منطقة B. فالغاية كانت هي الوصول إلى المدينة B، أما الوسيلة فكانت مختلفة من شخص إلى آخر.
الغاية والوسيلة في القرآن الكريم:
في مواضع عدة يُبيِّن القرآن الكريم غاية من الغايات دون تحديد الوسائل، وإن حدد فمجرَّد مثال وليس حصرا، ومنه قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات: 10]، وقوله تعالى:
﴿ وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [آل عمران: 104] فالدعوة إلى الإصلاح والخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر غايات أمّا وسائِلُها فتتعدَّد.
كيف تتحول الوسائل إلى غايات؟:
قدْرَ ما يُركِّز الإنسان نَظَره في الوسائل يزيد ابتعادُهُ عن الغايات، إلى أن تُصبِح الوسيلة هي غاية، وعلى سبيل المثال هؤلاء الذين اجتمعوا للذّهاب إلى المدينة B، لكن اختلفوا في الوسيلة فأخذوا يُناقِشُون في اختيار الوسيلة ساعات طوال حتى استغرقوا من الوقت ما يكفيهم جميعا للوصول إلى غايتهم، فهم ضيَّعُوا الغاية بتركيزهم على الوسيلة.
ومثال آخر: “السّيارة والعمل” فالسيارة هي الوسيلة للوصول إلى الغاية التي هي العمل، بمعنى آخر إن الشّخص يشتري السيارة لاستعمالها في الوصول إلى مكان عمله، لكن عندما تختلُّ العلاقة بين الغاية والوسيلة فتتحوَّل السيارة إلى غاية والعمل إلى وسيلة فيبدأ الشخص بالبحث عن عمل لشِراءِ السيارة.
اختلاف النظرة إلى المال والقوة:
يعتبر المال أهمَّ وسيلة في بناء الحياة وتحقيق العيش الحسن، إذ نَجِدُ أنّ الله تعالى في كثير من الآيات يُرشِدنا إلى اتخاذ الأسباب في كَسبِه فيقول مثلا: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ﴾ [ الملك 15]، إذن المال وسيلة يستغلُّها المسلم لتحقيق مقاصدَ وأهدافٍ كبرى كـ “الاستخلاف في الأرض” و”التمكين لدين الله تعالى”.
والآن لِنُقَارن بين نظرة سيدنا “سليمان” عليه السلام للمال والقوة وبين نظرة “قارون”:
- مواطن الاتفاق:
- كلاهما يملكان المال الوفير، فقد قال تعالى عن سيدنا “سليمان”: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ، فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاء حَيْثُ أَصَابَ، وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاء وَغَوَّاصٍ، وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ، هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [ص: 35-39]، وقال عن قارون: ﴿ …وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ …﴾ [القصص: 76].
- كلاهما رُزِقا المال والقوة ابتلاءً من الله.
- مواطن الاختلاف:
- سيدنا سليمان:
- اعتبر سيدنا “سليمان” المال وسيلة وابتلاء من عند الله تعالى يستوجب وضعُها في المكان المناسب، وهذا من تمام شكر الله تعالى، فهذا الاعتقاد تَولَّدَ عنه سلوكٌ عمليٌّ إذ يقول تعالى في القرآن الكريم: ﴿قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ﴾ [النمل: 40].
- استعمال المال والقوَّة في الدعوة إلى الله تعالى، وهذا ما نجده في الحَدَث الذي وقع بينه وملِكة (سبأ): ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَّا قِبَلَ لَهُم بِهَا﴾ [النمل: 37].
- قارون:
- اعتبر “قارون” المال والقوة هي الغاية الأسمى والتي خلق من أجلِها، فهذا التفكير كذلك تولد عنه سلوك عمليٌّ سلبيٌّ إذ يقول تعالى في القرآن الكريم: ﴿ قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي… ﴾ [القصص: 78].
- استعمال المال والقوة في إضلال الناس وغوايتهم والتكبر عليهم قال تعالى: ﴿ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴾ [القصص: 79].
أمثلة من واقعنا للخلط بين الوسيلة والغاية:
- أ- جمع المال: هو وسيلة لنفع المجتمع والتكافل بين أفراده، إذ يساعِدُ الغنيُّ الفقيرَ ويقفُ إلى جانبه، ولكن حين اختلطت المفاهيم أصبحَ المالُ غاية حيثُ تُتَّبع كلُّ الطرق والسبل ولو محرمة للوصول إلى ذلك المال.
- التغيير: كثيرا ما نسمع في وقتنا الحاضر عن (التّغيير)، وهذه غاية أَمَرَنَا الله بتحقيقها، إلا أنَّ أغلب الناس خلطوا بين التَّغيير كغاية وبين الوسائل التي انتهجوها في ذلك، فتجد عند البعض أنَّ المظاهرات وإتلاف الممتلكات والفوضى الجماعيَّة في حدِّ ذاتها غاية؛ فمجرد أن تُحدِّث هذا الصنف من الناس عن الواقع المرير الذي نعيشه تلفظ لسانه: “الثورة” “إسقاط النّظام”… وكأنها الوسائل الفريدة والوحيدة للتّغيير.
- الدراسة خارج الوطن: وهذا مثال آخر يهمُّ الشباب أكثر؛ فتجد البعض يتمنَّى الخروج للدراسة في الخارج مهما كانت الأحوال، فأحيانا تجد بعض الشباب تخصُّصاتهم متوفِّرة في بلاده بأعلى المستويات، أما البلاد التي ينوي الذّهاب إليها أقل مستوى من بلاده، لأنّ الغاية أصبحت هي “الخروج” وليس الحصول على (التّعليم المتميِّز).
عندما تصبح الوسيلةُ غايةً، النتائج والمخرجات:
- عدم الإبداع في الوسائل: لأن الإنسان عندما يهتم بالغايات فإنّه يحاول تطوير الوسائل والإبداع فيها حتى يحقِّق غايته في أقرب وقت وبأقلِّ جُهد. ولكن إذا كان الاهتمام بالوسائل ذاتها فإنَّها تبقى ثابتة ومنحصرة على بعض الوسائل فقط.
- غياب المرونة: لأنَّ الاهتمام بالوسائل يجعل الإنسان يتشبَّث بها مهما كانت الأحوال، فالمجموعة التي أرادت الذهاب إلى مدينة B، وبالضّبط الذي أراد الذهاب مرتجلا، ولو بعُدت تلك المسافة أكثر لتشبّت بتلك الوسيلة رغم أنها غير صالحة في هذا الظرف.
- تضييع المقاصد وغياب الوٍجهة: فلو تسأل ذلك الذي يجمَعُ المال بالطُّرق المحرمة عن الغاية التي يبتغيها؟ لكان آخر جواب هو “العيش الرغيد”. فهنا نجد أن الوِجهة ضاعت والمقصد تلاشى أمام عينيه، لأن “العيش الرغيد” ليس بالغاية المثلى والسويّة. كما أنّك لو تسأل الذي يغُشُّ في الامتحانات عن الغاية من الامتحان لأجاب هو “النجاح” في الامتحان وكسب “الشهادة” إلا أن الرؤية خاطئة لأن الغاية من التعلُّم هو “التمكّن العلمي” والانتفاع به دنيا وأخرى، فوُضِع الامتحانُ وسيلة لتقييم مدى ذلك الكسب. إذن فالامتحان وسيلة لغاية كسب العلم. وعلى هذا المثال فقسْ.
“انقلاب الوسائل إلى غايات = ضياع الوجهة والرؤية”
- الوقوع في المحظور: لأن الاهتمام بالوسائل فقط تجعل الإنسان يسعى إلى الحصول عليها بكلِّ الطرق ولو كانت محرّمة، ومثال ذلك ما يلي: “جعل الله تعالى المال للعيش الحسن وكسب رضاه، فإذا ما أُهمِلَتْ هذه الغاية وعَزَلْنا كسب المال عنها حصلت الوسيلة بالغشِّ والسَّرقة والرِّبا وغير ذلك…
ثمرة التفريق بين مفهوم (الغاية) و(الوسيلة):
عندما يفرِّق الإنسان بين مفهوم الغاية والوسيلة بإدراك حيْثِيّات كلِّ واحد منهما وعدم فصل أحدهما عن الآخر تحقَّقتْ الثَّنيتيْن:
- تَحْقِيق الغايات: أي الوصول إلى كلِّ ما أراده الله تعالى لنا كأهداف في هذا الوجود، وأَشْمَلُ هذه الغايات هي حصول عبادة الله تعالى لأنه يقول: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56].
- تطوير الوسائل: بتكيِيفها مع الظروف والتّحسين منها ابتغاء تحقيق الغايات.
ختاما:
لابدَّ لكل إنسان في هذا الوجود قبلَ أن يُقدمَ إلى أي عمل أن يصنِّفه في خانة “الوسائل” و”الغايات”، فإذا كان (وسيلة) فكَّر في (الغاية) التي توصله إليها، وإذا كان (غاية) فكّر في الوسائل المشروعة والمناسبة التي توصله إليه، وبعد ذلك يُباشِر عمله وفق هذين المنظورين، كما تجب الإشارة إلى ضرورة تَنشِئَة جيلٍ يفرق بين المفهومين منذ الصِّغر، وذلك باتِّباع مناهجَ تربويةٍ توصلنا لتحقيق ذلك.
عمر بورورو
——————————
* المقال منشور في مجلة الأصالة والثقافة -العدد 40 – وهي مجلة سنوية يعدّها ويصدرها طلبة معهد عمي سعيد بغرداية.



