شخصيات خالدة

الشيخ إبراهيم أداود.. رحمك الله عالما عاملا

مقال كنت قد كتبته من حوالي ست سنوات عن الشيخ إبراهيم وتوجهه الفكري أقتطف منه مايلي:

نبذة مختصرة عن حياة الشيخ: إبراهيم بن عمر أداود من مواليد غرداية سنة 1924م، زاول دراسته الابتدائية بغليزان. ثم استقر بعدها في معهد الحياة بالقرارة فاستظهر القرآن وتدرج طالبا لدى الشيخ بيوض ثم مدرسا بالمعهد. انتقل سنة 1953م إلى وهران فشغل بمحكمتها الإباضية منصب كاتب “عادل” ثم عين بها قاضيا سنة 1959م، وفيها تبلور توجهه في إحياء السنة أكثر فبدأ ينشر أفكاره بين أوساط الشباب أثناء عطله الصيفية. عاد إلى غرداية سنة 1974م التي عمل بها موثقا بمكتبه ببني يزقن. وكان نشاطه قد تطور أكثر فأسس مع ثلة من أولئك الشباب ما سمي بحركة “الواد”.

أما من ناحية المؤثرات التي أذكت فكر الشيخ إبراهيم فأهمها التحاقه بمعهد الحياة بالقرارة عام1357 هـ/1938م، ومكوثه به دارسا ثم مدرسا، وقد ذكر عنه الشيخ عدون (ت 1425هـ/2004م) أنه بقي بالمعهد (… مُجِدًّا، فوضع من تأليفه سلسلة من الكتب الدراسية في الفنون التي يزاولها؛ من حديث وأصول ومنطق؛ في نظام بديع وأسلوب طريف، لا تزال مقررة في المنهاج ومستعملة.)(1)

وهنا لا يمكن إغفال التأثير البالغ الذي تركه فيه أستاذه الشيخ بيوض (ت 1401هـ/1981م) ، والذي يدين له الشيخ أداود بالفضل الكبير في ما انتهى إليه من رؤية واتجاه (وهو يقول ذلك بتأثر بالغ في أحد الحوارات معه)(2). والحقيقة أن الشيخ بيوض نفسه كانت له صلة خاصة بتلميذه، بقيت إلى ما قبل وفاته، فربما رأى فيه إضافة أخرى لمشواره الإصلاحي، ويؤكد ذلك منعه من السفر إلى تونس لمواصلة دراسته على غرار طلبة دفعته آنذاك فأوصاه بالمكوث بمكتبته ووعده بأخرى مثلها إن هو استنفذها لما وجده فيه من نبوغ وبالغ نهم واهتمام، ويذكر الشيخ أداود أنه لم يندم على التزامه بقرار أستاذه فكان أن بقي وحيدا أمامه مثلا وهو يدرس “أسرار البلاغة” في بعض المناسبات التي يغادر فيها الطلاب إلى بعض شؤونهم. تلك الصلة التي تواصلت حتى بعد مغادرته لمعهد الحياة نهاية عام 1373هـ/1953م، حيث كان الشيخ بيوض يواكب مسيرته في التفسير ويسأله عنها عند كل زياراته، وكان يسأل الله أن يجعل له نصيبا فيها مع تلميذه، إضافة إلى بعض رسائل المباركة الشفوية التي ظل يتلقاها منه إلى ما بعد تأسيسه حركة “الواد”.

وكان من آثار مكوث الشيخ أداود بالقرارة مطالعته الكاملة لـ (فتح الباري شرح صحيح البخاري)(3) لابن حجر العسقلاني (ت 852هـ/852م)، وكذا مطالعته الكاملة والمتفرغة لـ (نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار) وهو مصنف في فقه الحديث وعلمه للإمام محمد بن علي الشوكاني (ت 1255هـ/1834م)، وقد دون الشيخ خلاصات له بعد مطالعة ثانية، فشكل ذلك لديه – كما يقول- منعرجا هاما في حياته الفكرية إذ ألهمه وأوقد رغبة جامحة لديه في دراسة الحديث والتفرغ له. ويبدو تأثره به أيضا من جهة منهج الشوكاني في نبذ التقليد واجتهاده خارج خلفيته الزيدية محققا وممحصا.

كما لا يغفل الشيخ أيضا تأثره الكبير تحديدا في علم المصطلح بالمحدث محمد ناصر الدين الألباني (ت 1420هـ/1999م) الذي تعرف على كتاباته أثناء أدائه فريضة الحج عام 1385هـ/ 1966م، فواكب منذئذ تآليفه رغم اختلافه في النهاية مع بعض نتائج أبحاثه، ما جعله يتراجع عن بعض ما اعتمد فيه عليه.

وقد ظل الشيخ إبراهيم لعقود يزاول نشاطه بالمسجد مفسرا ومحدثا وفقيها مفتيا في انكباب والتزام عجيبين دونما ملل أو كلل وفي هدوء عبر عن شخصيته التي كانت تنشد الحقيقة وتؤثرها على حظوظ نفسها فعافت الأضواء وظلت تلتزم بما كانت تراه كذلك حتى أقعدها الهرم فنالت بذلك شرف التواصي بالحق اجتهادا، وشرف التواصي بالصبر جهادا..، كذا نحسب الشيخ، وكذا نحسب منهجه.

أ. صالح عبد النور

———–

الهوامش:

1- معهد الحياة نشأته وتطوره- الشيخ سعيد بن بالحاج شريفي (الشيخ عدون)- ص69 – ط2- نشر جمعية الحياة وجمعية التراث القرارة غرداية- 1430هـ- 2009م

2- حوار مسجل أجراه معه بعض الطلبة (جوان 1991م) تناول جوانب من حياته ومن تاريخ حركة “الواد”.

3- مما قد يكون الشيخ أداود قد تأثر به أيضا إدراكه تدريس الشيخ بيوض لكتاب (فتح الباري) الذي اختتمه بحفل كبير سنة 1945م، والذي يذكر الشيخ أداود أنه ألقى فيه كلمة بالمناسبة، كان ذلك قبل أن يعيد مطالعته كاملا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى