تأملات وأفكارواحة المعرفة

عن أحداث غرداية، من “الحوار الفعَّال” إلى “الخطوات الفاعلة”

من نعم الله تعالى أن لا شيء خُلق عبثًا في ملكه وملكوته: “وكلُّ شيء عنده بمقدار”، “خلق كلَّ شيء فقدَّره تقديرا”؛ وهو سبحانه “الذي خلق فسوَّى، والذي قدَّر فهدى”؛ ثم جعل الابتلاء والفتنة من تمام قدَره على العباد، بل إنَّ الموت والحياة، والسموات والأرض، ونظام الكون كلَّه إنما خلق ليُبتلى الناس أيهم أحسن عملا. سبحانه وهو العزيز الغفور.

وأحداث غرداية، هي من قضاء الله تعالى وقدره، لا تندُّ عن علمه وحُكمه، وكذا كلُّ أحداث الدنيا بلا استثناء؛ وهي نعمة باعتبار، ونقمة باعتبار:
نعمة إذا أحسن الناس الاستفادة منها، وكانت منطلقا لهم لتصفية حسابهم مع الزمن، وإعداد العدَّة لما هو أفضل وأقوم قيلا، عند الله، ثم عند عباده الصالحين؛ غير أنها تكون نقمة إذا سخط الناس القدر، ولاذوا بالبكاء والشكوى، ثم أعرضوا عن العمل الصالح وأسباب الصلاح والتقوى.

والحقُّ أنه بالنظر إلى فتن سابقة، في المدن المختلفة لوادي ميزاب، نتيقن أنَّ ما يعقب الصراع والفوضى من أحداث غالبا يكون أصعب وأقسى؛ بخاصة أنَّ “بنية المجتمع” تكون في المحكِّ، وتظهر الخلافات داخل “نسيج المجتمع”، ثم تبدو مواطن الضعف، ومقدِّمات الوهن.

من هنا، بات من الواجب الدعوةُ إلى فتح “حوار فعَّال”، بقصد الخلوص إلى “خطوات فاعلة”، يتحمَّل فيها كلُّ طرف “مسؤوليته” كاملة غير منقوصة، ويتَّسم فيه الجميع بـ”سعة الصدر” “والأفق الرحب”.

يتمثل هذا الحوار في نقاط، ليس الغرض البثُّ فيها نهائيا وبسرعة، بقدر ما هو دفعها إلى طاولة النقاش الجادِّ؛ حتى ترسو على برِّ الأمان وشاطئ الإيمان؛ والنقاط هي:

* من الصيغة التقليدية إلى الاحترافية: تدار المؤسَّسات العرفية بجميع أنواعها وتخصُّصاتها، باعتماد “التضحية” وروح “الخدمة”؛ وما من شكٍّ أنَّ ذلك هو عصب العمل الاجتماعي؛ وأنه قد قدَّم الكثير في التاريخ القريب والبعيد لهذا المجتمع؛ غير أنَّ الضرورة باتت ملحَّة لتلقيح هذا الأسلوب بشيء من الاحترافية؛ وأعني به تخصيص أعضاء يمتازون بـ: التخصُّص، والتفرُّغ، وروح الجماعة، والمنهج العلميِّ العملي، يكونون محركا للهيئات، ويكون الأعضاء الآخرون، غير المتفرِّغين على رأس “مصدر القرار”، وذلك بعد أن تكون الملفات قد أنجزت باحتراف.

* مركز التفكير وإعمال العقل الجمعي: العالم اليوم لا تسيِّره الحكومات، ذلك أنها باتت واجهة لما يعرف بمراكز التفكير “think tank”، التي تجمع تحت مظلتها طاقة المشتغلين في العلم، مع طاقة المشتغلين في الفعل والواقع؛ ذلك أنَّ دور العالم والمثقف بات محلَّ مساءلة، وكذا دور السياسيِّ والممارِس البعيد عن مصادر المعرفة والبحث العلميِّ؛ ولا يجمع بين الدورين سوى مراكزُ التفكير. علما أنها ليست المصدر للقرار، ولا تلغي الهيئات العرفية، وإنما تسندها بالعمل الاحترافي المؤسَّس.

* الإعلام والمعلومة: الواقع شيء والمعلومة عن الواقع شيء آخر؛ وقد باتت المعلومة والإعلام أخطر من الحدث نفسه، في كثير من الحالات؛ منها حالة أحداث غرداية وقبلها بريان، والقرارة، وبرج باجي المختار… وغيرها؛ ذلك أنَّ الإعلام تحوَّل إلى دوائر صحفية كثيرا ما تكون متحيزة، ناقمة، أو مشوَّهة الصورة في أحسن الظروف؛ ومن ثم يعمَل هذا الإعلام على تشويه الحقيقة، بما يعرف في الغالب بـ”الحقائق الكاذبة” (وهي تعني أنك تقول ما تريد، وتسكت عما لا تريد)؛ فترسم “صورة ذهنية” مشوهة مبتورة، تكون مصدرا لبناء القناعات والتصورات، ومن ثم المواقف والتحركات. لهذا وجب الاستعجال في إحداث “مركز للإعلام”، يكون حرا، وتابعا، في آن واحد. بخاصَّة فيما يحوم حول شبكات التواصل الاجتماعي؛ حتى لا تصير غابة لكلِّ نابح، وميدانا لكل ناعق.

* السلطات وتضارب المصالح: يقوم وادي ميزاب على جملة من السلطات، بعضها عرفية محلية تاريخية، مثل نظام العزابة، والكرثي، والعشائر، والحراسة؛ وسلطات أخرى حديثة، مثل: الحزب، والإدارة، والجمعيات؛ وسلطات رابعة، مثل: الإعلام بكل أنواعه، والهيئات الدولية… مع وجود سلطات خلفية خفية، تعمل باحتراف، وتحرك الأحداث بعناية فائقة؛ كلُّ ذلك يستدعي العاملين بوعيٍ إلى تحديد واضحٍ ودقيق لحدود السلطات؛ والخروج بخارطة فعلية عملية تمنع التخبط والتعارض؛ وتضمن الديناميكية والفعالية.

هذه أربع نقاط، هي للتمثيل لا للحصر، وهي معروضة للحوار على جملة من الفعاليات، والمقترح هو أن تصدر من “المجامع العلمية”؛ لتملك خاصيَّة الوثاقة؛ والمطلوب هو السعي حثيثا للخروج بمبادرات فعلية جادَّة؛ والله من وراء القصد، وهو يهدي السبيل.

محمد باباعمي،
استانبول – تركيا
السبت، 9 ربيع الأول 1435هـ
الموافق لـ 11 جانفي 2014م

المصدر: فييكوس نت

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى