هل هي معركة أحجار، أم صراع أفكار؟

نسلط الضوء على خشبة المسرح القديم، فنرى المكان فارغا، والأثاث مبعثرا، وموسيقى الحزن تخيِّم على المشهد؛ ثم يدخل الممثِّل الأوَّل وهو يلعب دور الضحية، ينزف دما، وقد مُزِّقت ثيابه شرَّ ممزَّق، وانتفخت عينه على إثر ضربات تلقَّاها عبر السنين… وهو في هذه الحال، يحاول أن يقول شيئا… أيَّ شيء… يعبِّر به عن حاله، ويشكو به ما آل إليه… فتخونه الكلمات، ولقد قامت مقامها آثار اللكمات…
ثم، يلحق بالضحية، من يُفترض أنه المجرم، والمعتدِي؛ وهو يحمل حجارة، وعصيًّا، وسيوفا… ويخفي وراءه بندقية، يقول: إنه ورثها من جدِّه، وأنها لا تعمل، وإنما القصد منها الإخافة والتحذير… وتصدر من فمه، مثل فوهة بركان، كلماتٌ بذيئة، وأصوات وحشية، وادعاءات، وافتراءات… ثم يواصل ركل هدفه، وتتعالى أصوات الظالم لتختلط بأصوات المظلوم…
إلى هنا، الجمهور يصفِّر ويصفِّق، وينعث الظالم بأشنع الأوصاف، ثم يكيل للمظلوم أسوء الأحكام؛ وهو يرى أنَّ الجميع مذنب، إمَّا لضعف فيه، أو لغرور يعتريه… المهمُّ أنَّ الصنف الأوَّل (الضحية) والثاني (المجرم) هما جميعا أهل للعتاب…
غير أنَّ الذي نشاهده، ونتفاعل معه، ونُصدر أحكامنا حياله… ما هو إلاَّ الجزء الذي سُلِّط عليه الضوء، ووُضع تحت زاوية الرؤية، وحيكت حوله مؤثرات صوتية وفنية حزينة؛ أمَّا الجزء الأهمَّ، والجهة الفاعلة، فقد بقيت تحت دائرة الظلِّ، لا أحد يفكِّر فيها، أو يتوجَّه وجهتها، أو يحمِّلها جريرة بعض ما يقع… هي دوما فوق التقدير، وفوق كل اعتبار.
نعم، أنا ضمن الجمهور، يظهر لي ما يظهر له، ويخفى عني ما يخفى عنه… غير أني أسمع همسات خافتة من هنا وهنالك، وأنظر في عيون الممثلين أيَّ جهة يُبصرون، وأتتبع إيقاع الأحداث، فأقرأ ما بين الكلمات، وأحلل الأفكار المتناطحة تحليلا دقيقا، في “مختبر الأفكار”… وأرسم خارطة زمنية تعيدني إلى مسرحيات سابقة أتذكر أني قرأت عنها، أو شاهدتها، أو شهدتها… فأجمع قطع “البوزل” قطعة قطعة… وأطالع في كتاب “الصراع الفكري في البلاد المستعمرة”، و”مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي”، و”تحول السلطة” وغيرها… ثم أنتهي إلى قناعة لا تشوبها شائبة، وهو أنَّ المخرج، والمحرِّك للمشهد، والذي يحدِّد ساعة البدء وساعة الختم، والذي يوحي لهذا ويوهم ذاك، ويسوق جميع الماء لحوضه… هو طرف ثالث، من خارج المسرح…
الآن: من يكون هذا المخرج؟ وهل هو واحد أو متعدِّد؟ وما هي مصالحه؟ وفي أيِّ مسافة يقف؟ وهل يسكن داخل جغرافية المسرح أم خارجها؟ وما هي تفاصيل مخطَّطاته؟ وما هي وسائله التي ينفِّذ بها سياساته؟
كلُّ هذه أسئلة أجزم أني لا أملك جوابا لها، وهي أحوج ما تكون إلى “مراصد للأفكار”، وإلى “عقل ووعي جمعي”، وإلى “ذاكرة تاريخية وإدراك حضاري”، وإلى “مسافة معقولة” من الحدث، وإلى تحليل يعيد الأمور إلى “عالم الأفكار”، وإلى تحرُّرٍ وانعتاق من “عالم الأشياء”، ومن “عالم الأشخاص”…
أعود إلى وطني وبلدي وأمتي، وإلى أحداثها، وأتخذها نموذجا ومثالا؛ ولا أريد أن أعيِّن بالإصبع الممثلين، ولا المخرجين، فقد يكون البعض من هذه الجهة والبعض الآخر من تلك الجهة؛ غير أن هذا البلد هو اليوم مسرحٌ مفتوح، وخشبة مكشوفة، مصيرها مشترك، ومستقبلها مرهون بمدى الوعي الذي يتحلى به الجمهور والممثلون والمخرجون… بل إنها سفينة تعبر محيطا مضطربا، الحاجةُ إلى الجميع في إيصالها إلى برِّ الأمان؛ وأيُّ حماقة، وأيُّ أنانية، وأيُّ تهور… سيذهب بالجميع إلى هاوية قد يصعب أو يستحيل الخروج منها بأمان.
في مستوى الاستراتيجية المستقبلية أجد من الضرورة إعادة تعريف الانتماء، تعريفا دقيقا يمكن من الخروج من ثقل “الوعاء الحضاري”، ويستوعب حيثيات “النسيج الحضاري”؛ وتبني صورة تدفع إلى فتحٍ أو فتوح جديدة، وإلى القدرة على تجاوز الدائرة الفاسدة “الفعل-ردُّ الفعل”… وهذا لا يتأتى بالمبادرات السياسية الضيقة، ولا بالآراء المبثوثة المشتطة، ولا بالمصالح الآنية الضاغطة… وإنما بعمل دؤوب، وتدبير مسؤول، وتخطيط فعال.
د.محمد باباعمي
المصدر: فييكوس نت



