حجوا قبل أن لا تحجوا

“حجوا قبل أن لا تحجوا” هكذا قال الحبيب صلى الله عليه وسلم، حديث يحمل الكثير من المعاني في أعماقه، البعض رأى فيه علامة من علامات قيام الساعة أي هو نذير بفناء الكون، ولكن ألا نرى فيه دعوة لأمر آخر؟؟؟
أليس فيه دعوة للحياة؟ دعوة لاغتنام الفرصة قبل فواتها؟ دعوة للعمل بما هو بين أيدينا واستفراغ الوسع في فرص الحياة وأوقاتها ودقائقها وليلها ونهارها؟ وكل ذلك قبل فوات الأوان وزوال الأيام، فنجلس نندب الخدود ونلعن الحظوظ… وكما يقول المثل العربي: من ضيع الفرص تجرع الغصص…
كنا في زمن مضى أو كنت أرى لهذا الحديث الوارد في أبواب الكتب في باب علامات الساعة وأنه إيذان بقرب فناء الأرض ونهاية الدنيا وبدأ حياة أخروية، وأن الكعبة سترفع يوما ولن يستطاع الحج إليها وذلك حين يراد هدمها من طرف أعداء الله… ولكن حينها لم أدرك حقيقته إلا بعد حين..
الآن أدركت معناه ومغزاه ومنتهاه، أدركت أنه ليس نذير فناء بل دعوة بقاء… وأنها دعوة للمسارعة قبل فوات الأوان، وهنا يحضرني ما رُوي عن الحبيب صلوات ربي وسلامه عليه حين قال فيما معناه إذا كان قيام الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها… كان يدعو في هذا الحديث لتقديم الوسع إلى آخر لحظة من عمر الإنسان، واغتنام الوقت مهما كان قد تبقى من الزمان…
هكذا وبهذا المعنى يمكن القول صلوا قبل أن لا تصلوا كناية على اغتنام وقت الشباب والصحة وإقامة الصلاة بكل أركانها قبل زلزلة الأمن ورحيل الوقت وخيانة الصحة فلا نقدر الوقوف والجلوس والركوع والقيام وقد لا نقدر على الصلاة أصلا لذهاب العقل…
وهكذا أيضا يمكن القول تعلموا قبل أن لا تتعلموا، نعم تعلموا قبل أن لا تتعلموا، أقول هذا بغض النظر عن مفهوم التعلم الواسع الذي يشمل أكبر مدرسة وهي الحياة بتجاربها وخبراتها وزلاتها وصوابها وخطئها، وما يستفاد منها حين نخوض غمارها، بغض النظر عن كل هذا وذاك نتكلم عن التعلم الذي يكون في مقاعد الدراسة ومدرجاتها… ذلك التعلم والعلم الذي إن فاتنا قطاره ولم نغتنم فرصته تجرعنا غصص الندامة، تلك المقاعد وما يقدم لنا فيها من معلومات وما يطلب منا تقديمه فيها من تقريرات وبحوث ومشاركات وأعمال، تلك الأوقات التي قد تضيع من بين أيدينا بتسويف أو ممطالة أو بحث للحجج والأعذار والمؤلم أن تضيع في فراغ يجر ويلات في الدنيا وأوزار في الآخرة وما ذلك ديدن طالب العلم أبدا.
تلك الفرصة وتلك الأوقات وتلك الساعات قد نظنها أحيانا ممتدة لنا لقيام الساعة ولا أحد ولا شيء سيحرمنا منها وأنها بطولها وعرضها ملك لنا نلهو ونمرح نضحك ونفرح نضيع الأوقات والساعات ولا نحسب للثانية حسابها ولا للدقيقة ثمنها، نلوك الكلمات ونبعثر الأوقات في خضم فوضى عارمة تجتاح كل شيء حولنا..
وبينما نحن كذلك ننسى أو نتناسى أنه قد يطرأ ما يغير مجرى الواد ومسرى الحياة… نعم وكل شيء ممكن في حكم وعلم الله…
تلك الأوقات التي تضيعها اليوم ولا تغتنمها ستنتهي بطريقة أو بأخرى ، قد تحول إلى حياة أخرى إما فانية أو أبدية… ولا يجب أن ننسى أبدا أنه بقدر ما تتاح لك فرصة التعلم ومزاولته والاحتكاك بأهله بقدر ما تكون المسؤولية التي تنتظرك، ستسأل ستحاسب على مسؤوليات كثيرة في الحياة والله تعالى الرحيم الرؤوف بنا لا يكلفنا أكبر من وسعنا وقبل أن يدخلنا في الامتحان يكوننا ويعلمنا ويقدم لنا مفاتيح الأمور وكل ذلك ليقيم علينا الحجة، وعلى قدر استطاعتك وتكوينك ستكون المسؤولية المنوطة إليك فما رأينا في دنيا البشر قائد طائرة تخرج بشهادة غواص ولا مدير مؤسسة لم يتلق تعليما قط.. إذا؟؟؟
أظنك أخي القارئ أختي القارئة توصلت واستنتجت ما أود قوله.. نعم هي رسالة مني إليك هاهي الفرصة بين يديك فماذا أنت فاعل بها؟؟ هل ستستغلها أم ستقضيها جالسا على مقعد الظروف والمعيقات ترقب الأوقات ترحل واحدة تلوى الأخرى؟؟؟ أم أنك ستسلك سبيل الرشاد وتغتنم كل لحظة وبرهة في أخذ المفاتيح التي بها تمضي في مفهوم العلم الشامل في مدرسة الحياة، وحين تمر سوف تقول ياليتني استزدت منها أكثر وأكثر وفي كل منعرج تجد شوقك وعطشك للعلم يزداد ويزداد.. وكل ما حملته في حقيبتك من علم تأكد علم اليقين أنه سينفعك..
ودعوني أدلكم إلى قاعدة توصلت لها مؤخرا وبها أختم قولي وهي: الحياة أكبر مدرسة.. الخطوة الأولى للنجاح فيها تبدأ وتبنى على قاعدة المدرسة الأولى.. فإذا تعلموا قبل أن لا تتعلموا…
تحيات المحبة لكم: نانة محمد زقاو
10ديسمبر 2013م




نعمة العقل والصحة والمال نعم سوف نحاسب عليها اذا لم نبلغ بها مبلغ الفرائض هلموا ياشباب محمد .