خطبة عيد الفطر المبارك 1435هـ بمدينة غرداية

بسم الله الرحمن الرحيم
اللهُ أَكبَر، اللهُ أَكبَر، اللهُ أَكبَر،
اللهُ أَكبَر، اللهُ أَكبَر، كبيرا. والحمد لله كثيرا.
وسبحان الله بكرة وأصيلا.
اللهُ أَكبَر، ما تقرّب عبد بالصيام، وتضرع لربه عند الإفطار.
اللهُ أَكبَر ما تُلِيَ القرآن المجيد، وأخلص داعٍ بالأسحار.
اللهُ أَكبَر ما استبشَرَ المسلمون بالعيد، وشَكَرُوا نِعَم العَزيز الغفار.
اللهُ أَكبَر له الحمد وإليه المصير، وهو الله الواحد القهار،
ونصلّي ونسلم على رسوله البشير النذير، وعلى آله الأطهار،
وصحابته الأخيار، ومَن اهتدى بهداهم وسَار،
مَا سَرَى بدْرُ الدّجَى وأشرقَت شمسُ النهار.
*****
اللهُ أَكبَر سلام تزفُّه الملائكة الكرام، تحيةً مِن ذِي الجلال والإكرام،
يغمر القلوب بنفحاتِ فجر العيد. فهنيئا لكم فرحةَ العيد السعيد.
واستبشروا بنِعَمِ الوَلِيِّ الحميد، واشكُروهُ يزِدكم، ويُدخِلْكُم جناتِ الخلود.
وحُقَّ لمن قضى رمضان مجتهدا عابدا، قائما وراكعا وساجدا، أن يَهْنَأ ببشارة ربِّه يوم الجائزة، يومَ يُباهي اللهُ بعبادِه الصائمين ملائكتَه في عِليّين: اشهدوا أني منَحْتُهُم وسامَ العِتق من النيران، وكَسَوتُهُم حُلَلَ المغفرة والرضوان.
*****
اللهُ أَكبَر تحلو بها الحياة، وتحيا بها النفوسُ بَعد مَوات.
اللهُ أَكبَر أمل يرسم البسمة في الوجوه، ويزرع الطمأنينة في القلوب،
(الذِينَ ءَامَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) الرعد: ٢٨
اللهُ أَكبَر انطلاق موسم مبارك لصلة الأرحام، وتبادل التهاني والأماني تغمر الأهل والخلان، وترسل نسائم الصفح والاعتذار، عن التقصير في حقوق القريب والجار.
اللهُ أَكبَر، فرَحُ المسلمين وهم يستقبلون يوم العيد، ويعلنون منطلق عهد جديد؛
عهد العودة إلى الله، أن يعيشوا له وينصروا دينَه، ويعلنوا القطيعة مع الشيطان ويهْجُروا مَيَادِينه.
عهدُ العمل لزرعِ الأمل، والاجتهادِ لنبذ العنادِ، وتوحيدِ الصف؛ ومحاربةِ الفساد.
*****
اللهُ أَكبَر، اللهُ أَكبَراللهُ أَكبَر،
شِعارُ دينٍ مَتينِ مُحكَم اللَّبِنَات، أوصانا المصطفى أن نُوغِلَ فيهِ برفقٍ وأنَاة، وأن نُقيمه على التوحيد الخالص لله، واليقين به في الشدة والرخاء.
اللهُ أَكبَر، روح تبعث الرجاء في النفوس المهمومة، وتمنح الشفاء للقلوب المكلومة، فتمسح عنها سحائب الحزن وتُنسيها جلائلَ المصاب، وتشرق في حناياها بشائرُ اليقين بوعد الله للصابرين.
واللهُ أَكبَر، مرآةٌتُجَلّي حقيقة الإيمان والرضا بما جرى به قلم القضاء، والصبرِ على صنوف الابتلاء، ويقينٌ أنه لا ينفع حذر من قدر، ولا مفرَّ مما قضى الله وقدّر.
اللهُ أَكبَر، تذَكِّرُنا أن سُخْطَ الأقدار جهل وضلالة، وأن اللبيب من وعى الدرس فراجع أحواله، واتَّهَمَ نفسَه بالتقصير في حق مولاه، ثم استغفر ربه وجدَّد عهدَه مع الله.
*****
اللهُ أَكبَر،
شجرةٌ باسقةٌ يهفو إليها كلُّ قاصد، ويتفيأ ظلالها مجتمعٌ فاضلٌ عليهَا يَحيَا ويجاهد،
اللهُ أَكبَر غُرِسَت في الضمائر، فبنى بهَا الراشدون مجتمعَ التَّضحيةِ لا التَّفَاخُر، وأنشؤوا الهيئات في القصور والحواضر، وعمروا بها المساجد والمحاضر والعشائر، فسطعت شمسًا تُشِيع نورَها في القلوب، ويدّا حانية تعطف على الضعيف والغريب، وعينًا ساهرة تقيم شعائر الله في ميدان الحياة الرحيب.
وسرَتْ روحُ اللهُ أَكبَر في كيان هذه المؤسسات، فمنحتها ماء الحياة، وحصّنتها من العوادي والأعداء، وضمنت لها البقاء، واستوى هذا العِقد النَّضِيد في أفق الجمال، فحقّقَ الانسجام والتوافقَ بين الأجيال، واستمرّ قرونا بحمد الله ولا يزال.
شَبابنا الغيور، إن غِيرتكم على هذا المجد الأزهر، تعنى الاستقامََةَ على نهجِ اللهُ أَكبَر، وذلك يقتضي إيمانا صادقا بكل يقين، وتوحيدا خالصا لرب العالمين، ووحدة بين المسلمين، وتناصُحًا وتناصُرًا على الحق المبين.
*****
اللهُ أَكبَر،
حصنٌ صان هذه المعالم من التصدع فلم يَجرِفْها التَّيار، وحَفِظَ للأمة سلامة القلب ومتانة الأسوار، وبَعَثَ في الخلائف روحَ العزة وأمل الاستبشار، وطهَّر الصُّفوف من دَعَاوَى الانكسار ومَن دُعاةِ الاِنتحار، فاستمسِكُوا بحبلِاللهُ أَكبَر شبابَنا الأبرار، والتَفُّوا حولَها تُحرِزُوا أشرف انتصار، ولا يَضِرْكُم بعدََها أن يَكيد لَكم من البُغَاة ألفُ مليار.
حين تنصرون دين ربّكم، تستحقونَ مَعيَّته ونصره لَكُم (إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتَ اَقْدَامَكُمْ) محمد: ٧.
*****
اللهُ أَكبَر،
دِرعٌ نتحصَّن به من سموم الشقاق والتفريق والعصَبيَّة، وتِريَاقٌ نقضي به على فَيروسِ الأنانية والنِّرجِسية، ونبعٌ نسقي به شجرة الإخلاص الزكيَّة، فتزكُو أعمالُنا، وتَلتحِم صفوفُنا، ويبارِكُ الله جهودَنا، فنَبلُغَ بالسَّعي المحمود، ما وراءَ الأفق الممدود.
*****
اللهُ أَكبَر،
كلمة شريفة صادقة، تهدينا إلى صون اللسان، وأن نَقول خيرًا أو نصمت، كما يدعو منطق الإيمان، ويرشدنا القرآن (وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا) البقرة: ٨٣، وحين نلزم القول السديد تصلح الأعمال وتغفر الذنوب بوعد الله الأكيد (يَآ أَيـُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا(70) يُصْلِحْ لَكُمُ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) الأحزاب: ٧٠ – ٧١ .
وهل أَضَرَّ بنَا وبأُمَّتِنا أيها السادات؛ إلاّ ترويجُ الإشاعات، وتراشقُ التُّهمِ والاِفتراءات، ثم كانت طامَّة الطامّات، نشرُ غسيل السقطاتِ في الانترنَتْ، وغدت بعض صفحاتها قمامة لنفايات أمراض القلوب، ونارًا سرَت عدواها في الجموع كاللهيب، فكم جرّدَت من سيوف، ومزَّقَت من صفوفٍ، وأهلكت من أُلوف، ومنَحَتْ فرصةً للشانئين والكائدين، كانت تُكَلِّفهم مَلايين، فوهبَهَا لهمْ طَيْشُ اللسان، على طبق من ذهبٍ بالمَجَّان.
فهل وعينا الدرس سادتي الحاضرين؟ أم لا نزال في غمرة الغباء سادرين، ولمصائب ألسنتتا وأقلامنا منكرين، وبغطاء الكبر والعناد متستّرين؟.
*****
اللهُ أَكبَر،
نداءٌ لكل مسلم شهد فرحة العيد، أن يكون سندًا وعونا للوحدة والتوحيد، وهذا خطاب الأمة إليكم مُوَحَّدَ المحَاوِر، فاستجيبُوا له تَسُدُّو البابَ أمامَ كُلِّ مُغَامر.ولْيَسْعَ كُلُّ واحدٍ إلى كبح جماح نفسه وأهوائها، ولا يكُنْ مِعوَل هدمٍ لحصن الأمة وصدع بنائها.
ومعاول الهدمِ أحبّةَ الإيمان، وحشان ضاريان عظيمان: المعاصي والشهوات، والأنانية وعبادة الذات، ويحسبها كثيرون أمورًا فرديةً أو شكلية، وهي عند الله إعصارٌ وقنابلُ نووية، تنشر في الأمة دمارًا وخرابا، وتتركُ عمران الديار يبابا.
*****
اللهُ أَكبَر،
جرسُ إنذارٍ من فيروس الانفلاتِ منَ الجماعة، يدعونا للانسجام مع اختيار المسلمين ولزوم الطاعة، ، فإن إعجاب المرء بآرائه الفردية، تحت شعار الحرية والديمقراطية، ضوءٌ أحمرُ ونذيرُ سوءٍ يعجًِّل بقيام الساعة.
ويا ويح المسلمين من ديمقراطية الشعارات، تلك التي مَزّقَتْ شملَ الجماعات، فانطلقوا معها شتاتًا في الفلاة، يَلهثون خلفَ السراب، حتى غَدَوْا صيدًا ميسورا للذئاب.
فافتحوا أعينكم أيها الشباب، وسُدُّوا على رياح التفرق كل باب، قبل أن يجرفكم التيّار، فتصبحوا خبرا من الأخبار. وأثرا لقوم كانوا يوما ما في هذه الديار.
*****
اللهُ أَكبَر،
منَبِّهٌ يوقظ الغافل من سكرة الدنيا، ونذير يهزّ المتمادي في أودية الهوى، قبل أن يبغته الردى، (فَأَمَّا مَن طَغَى (37) وَءَاثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا(38) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى) النازعات: ٣٧ – ٣٩.
اذكر أيها المغرورُ بِبَسطِ النِّعَمْ، أن ربّكَ سريعُ العقاب شديدُ النِّقَم، لقد أسأت العمل، ولكنه أمهل لك في الأجل، ومنَحَك فرصة رمضان، لتُعتق نفسك من النيران، فأَسرِعْ بالتوبة والإنابة إلى حمى الرحمن، ولا تحقِرَنَّ ذنبًا مهما كان، فإنك عصيت إلهًا عظيمَ الشان، وخالِفِ النفسَ والشيطان، فهو عدوّك الخطير، (اِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنَ اَصْحَابِ السَّعِيرِ) فاطر: ٦.
فبادر الفرصة قبل الندامة، فإنه لا نجاة ولا سلامة يوم القيامة، إلا لمن سلك سبيل الاستقامة، ومن بغته الموت في أودية الفجور، لم يمنعه الندم من سوء المصير، حينها يدعو بالويل والثبور: (وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَآءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ) فاطر: ٣٧
*****
اللهُ أَكبَر،
تحملنا أن نعلن النكير على المجاهرة بالمعاصي في مجتمعاتنا النقية، وكان الواجب أن نتعاون على تطهير أوكار المنكرات الخفية، فصِرْنَا نرى مظاهرها عَيانًا بكرة وعشيّة، بين سرقات تُقترَفُ جهارًا، ودخانٍ وخَمرةٍ تباع نهارا، ومعاكساتٍ للنساء والبنات، في الشوارع والمحلات والساحات، وسبٍّ لخالق الأرض والسماوات، ولَعْنٍ للدين والوالدين في نهار رمضان، وكلام فحش يصمّ الآذان، في مشاهدَ تطعن قلب أهل الإيمان، وتعلن الحرب على الواحد الديان.
أَوَ مَا يخشى هؤلاء غضبَ المنتقمِ الجبّار، يأتيهم بغتةً مِن ليلٍ أو نهار.
لقد أذاقنا الله من البلاء ما يوقظ كل عاقل مِنَّا، وكان رحيما بنا؛ حين كفَانَا أهوالاً كانت قاب قوسَين أو أدْنَى، فاحذروا أيها العصاةُ المجاهرون، أن تكونُوا سببًا لأعظم وبال، فإن ربك شديد المحال، وأسرعوا بالإنابة قبل أن يَعُمَّ البلاء، فالعاقل من وُعظ بغيره قبل أن يغدو أضحوكة العقلاء.
*****
اللهُ أَكبَر،
صرخة تدوّي في نفس كل مسلم غيور، أن يقوم بالدعوة إلى الله، أمرا بالمعروف ونهيًا عن المنكر، فإنهما جندان من جنود الله، إن سادَا في أمة أمنت خطر الزلازل والفتن, وإن تخلت عنهما حلّت بها صنوف البلاء والمحن.
*****
اللهُ أَكبَر،
راية نَغْرُزُها في قلوبِنا فتَثْبُتَ على أرض الإيمان، وإسمَنْتٌ نُفرِغُهُ على أسُسِها فنَشمَخُ بها إلى السماءِ، عِزَّةَ نفسٍ، وثباتَ مبدإ، وتجسيدًا لمبدإ الولاية والبراءة في الله، ورفضًا لشعارات أعداء الله، ممن يُمجَّدُون في وسائل الإعلام، وهم قدوة في المعاصي والآثام.
ورائدنا في موقفنا هذا هدْيُ نبيِّنَا الأمين: “المرء مع من أحبّ يوم القيامة“. وميزاننا قوله صلى الله عليه وسلم: “المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل“، بهذا الميزان تفرزون شبابَنا بين الأبطال والأنذال، فتُحرِزُوا دينكم من الابتذال، وتكونوا مع خيرة الرجال.
*****
اللهُ أَكبَر،
شعاعٌ يَمتدّ في الأفق الفسيح، ويهديك أيها المسلم المقدام، لتبصر به رسالتك، وتسير دوما إلى الأمام، وتَنطَلِقَ نحو غايتك بعزم ومَضَاء، وإرادةٍ لصنع التحدّي حتى تبلغ الجوزاء.
اسع بطموحك أن تحتل الصدارة باستحقاق وجدارة، ولا تكن وسط القافلة أو في ذيلها فتَلْحَقَكَ الخسارة.
كن الرائد في الخَير، تَقودُ وتَهدي مَن حَوَالَيْك، وتشيع التفاؤل والإيجابية في الأجيال، وترفض أن يسوقك الأرذال أو يقودك الأنذال، فيُمْلَى عليك ما يَضُرّ بشرفك أو سمعتك أو دينك.
*****
اللهُ أَكبَر،
بَوصَلَةٌ تَهديك، جيلَنا الرشيد، وتسمُو بك لإنجاز كل عمل مفيد، وتنأى بك عن أوحال التواني والكسل والخمود.
إن العمل النافع مهما كان شكله ومجاله، شرفٌ وعزّ وسيادَة، بل إنه يغدو بحسن النية قُربةً إلى الله وعبادة. وتِلك جماع القوة والأمانةِ شبَابَنَا الميامين (إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَاجَرْتَ الْقَوِيُّ الاَمِينُ) القصص: ٢٦.
وما تردّى المسلمون إلا حين اعتبروا العمل مهانة للفرد المكرَّم، وظَنُّوا أن شرف الإنسان أن يُخْدَم لا أن يَخْدِم، فانتكسوا من أعلى القِمَم، واحتلوا ذيل قافلة الأمم، حين انقلبت لديهم القيَم، وفسدت فيهم الطباع والعوائد، فغَدَوْا عالةً يتكَفَّفُون فُتاتَ الموائد.
أمامك أيها الشباب مجالاتُ الإبداع ملءَ الأرض والسماوات، في التقنية والاختراعات، في ميادين العمارة والمنشآت، وفي الصناعة والزراعة والخدَمات. وفي مجال الإدارة والتنظيم، وفي مؤسسات التعليم، وما أدراك ما التعليم، وإنه ميدان جهاد عظيم.
اِستمسِكْ بدينك الحقِّ دينِ الإسلام، والْزَمْ حكمَ الله في الحلال والحرام، واسأل أهل الذكر في ما أشكل حتى تطمئن إلى الجواب، ثم خُضْ غِمار الحياة غيرَ وَجِلٍ ولا مُرتاب، تَرَ مِن فتوحِ اللهِ العَجبَ العُجاب.
وإذا العنايةُ لاَحظَتْكَ عيونُها سِرْ؛ فالمخاوِفُ كلُّهنَّ أمانُ.
سافر أخي في شتى الأقطار، وامخر عباب البحار، وطاول نجوم السماء، طلبا للرزق الحلال، فأنت جالبٌ مرزوقٌ مبارَكُ الخطوات، ما التزمت حدود الله ولم تَركَبِ المحرمات. وإن عَدَوْا عَليك وأحرقوا لكَ جُهْدَ سَنوات، فسيخلف الله لك من خزائن الأرض والسماوات.
احذروا ثم احذروا أحبَّتَنا الكرام، خطرَ الكسب الحرام، فهو مفتاح كل الآثام،
اُصدُقُوا في التجارة والمعاملات، وانْصَحُوا في الصنائع والمقاولات،
اجعَلُوا سور الصين بينكم وبين الربا ومال اليتيم والمسكين، واذكروا إعلان الله الحرب على المرابين، وويلَ جنهم للمطففين، واعلموا أن تلك المكاسب سبب لزوال النعم وحلول النقم، ومحق البركة، وحجب الدعاء.
اللهُ أَكبَر، درس يذكّرنا أن ثمرة التقوى في رمضان، ليست محصورة في صوم ساعات وقيام ركعات، بل تحرٍّ للحلال في الأقوات، والتزامٌ صارمٌ بِه مدى الحياة.
*****
اللهُ أَكبَر، ليست شعارا بلا مضمون، ولا دعوى تنال بها شفاعة الرسول الأمين، اتكالا على الأنساب، واحتماء بدثار المذاهب والأحساب. فتلك مزاعم باطلة وأنساب زائلة، لن تغني لاهيًا أو عاصيًا، يوم لا نجاة بغير عمل صادق قويم، (يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ(88) إِلاَّ مَنَ اَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) الشعراء: ٨٨ – ٨٩
*****
اللهُ أَكبَر، استمرار للعهد مع الرحمان. وحفاظ على مكاسب رمضان بعد رمضان.
فيا من قضيتم شهرَه صِيَاما، وأحييتُمْ ليلَه قِياما، دوموا على العهدِ تموتوا على الإسلام كراما. ويؤتكم ربكم أجرا ومَغفرة ومَقَاما.
وحقِّقُوا وصية أبيكم إبراهيم (إِنَّ اللَّهَ اَصْطَفَىا لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) البقرة: ١٣٢.
*****
اللهُ أَكبَر فيها للمؤمن أمل ورجاء، مهما اشتد الكرب وعظم البلاء.
لقد فَرِحَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بالعيد رغم ما كان يلقى من مكر الأعداء، وما يلاقي المستضعفون بمكة من ضرّ واعتداء؟. ولنا في سنة نبينا أسوة واقتداء.
وقد شاء الله أن يَمَسَّنا ضُرٌّ وعذاب، فعدَا علينا الباغون بصنوف البغي والاستلاب، وكان ابتلاءً حيَّر أولي الألباب، ودافع شرفاؤنا عن العرض والأرض، وضحّوا بالنفيس من الأموال والدماء، ومَضَى منهم عشْرةُ شهداء، ولا نملك إزاء هذه المظالم النكراء إلا أن نقول (حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) آل عمران: ١٧٣ فنحن له مسلمون، ولحكمه مستسلمون، (وَلاَ تَحْسِبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ) إبراهيم: ٤٢
ولكنّ ما أصابنا أيها الإخوان، رغم شدته وهوله على الأنفس والأبدان، ليس شيئا يذكر مقابل ما نزل بأمة الإسلام من ألوان الظلم والعدوان، وصنوف الذلّ والهوان، فهذه غزّة اليتيمة ينهال عليها وحوش اليهود، بوابل التدمير والتقتيل والتشريد، وإخوانُكم هناك يلاقون من الخسف والتنكيل؛ ما تعجز عن تَصوُّرِه العقول.
إنها وأيم الحقّ جرائمُ نكراء، وفتنٌ عمياء، تدع الحليم حيران، ولا يملك المؤمن فيها إلا صدق الالتجاء وخالص الدعاء، وذلك أضعف الإيمان.
فاللهم ارفع عنا وعن المسلمين كل بلاء، واكشف الضرّ عن عبادك المستضعفين، وفرِّج كَربَ المكروبين من إخوتنا في الدين.
اللهم انصرهم على اليهود الظالمين، واكف عنا وعنهم مقتك وغضبك يا أرحم الراحمين.
اللهم لا تؤاخذنا بذنوبنا ولا بما فعل السفهاء منا، ولا تسلّط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا.
اللهم احفظ أبناءنا وشبابنا من الزيغ والانحراف، وحصّن نساءَنا بالحياء والعفاف، وادفع عن أوطاننا كيد الكائدين، واقصم ظهور المعتدين، واجعلنا أنصارا للحق وبه مهتدين.
اللهم أعِدْ علينا رمضان بالأمن والإيمان، واختم لنا بخواتم أهل الرضوان، واجعلنا من (إِنَّ الذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبـُّهُم بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِن تَـحْتِهِمُ الاَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ(9) دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وَءَاخِرُ دَعْوَاهُمُ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) يونس: ٩ – ١٠
د. مصطفى بن صالح باجو
غرداية مساء الجمعة 27 رمضان 1435هـ 25 جويلية 2014م
المصدر: موقع أعيان غرداية



