أنفاس قلم

أنفاس قلم (11): أدخلوها بسلام آمنين… رحلةٌ في غداةِ يومٍ بــ “مزاب”

سار بي الزّمان في صبحٍ تتقطّر في بُكرته زخّاتُ هذا الشّهر الفضيل، وطارت بي على أجنحة رفرافةٍ طمأنينةٌ رقصت لشجنهاَ الطيور وارتوت الخلائق من لحنها الرّخيم، من علٍ أطلّ علي سقفُ سمًا أحاطتها زخارف ترشحُ زرقةً تحيي القلوب، قد ارتسمت على خدودهاَ الفتيّة ظلال سُحب بِشر خميلةٍ زادتها إلى حُسنهاَ بهاءً وملاحةً، تسرّ النّاظرين وترمي بشراراتِ برَدٍ سخيّة كلّ قلبٍ مكروبٍ، أعلنت في مخاضها عن ميلادِ شمسِ الضّحى العروسِ الفاتنة، زفّتها إلى يومِ مبارك جديد أذرعُ أنوار ازدانت بمخملٍ وإستبرقٍ بديع، في هذا القرانِ الملائكيّ عُزفت بألق سيمفونيات سعف النّخيل العذبة، ورقصت في الوادي الغالي ما فيه من ذي نفَس وحجارة، وعلا صادحًا مُغتبطًا دويُّ “أَخمَّاسْ” قد اختلطت طهارةُ روحِه بنداوة ماءٍ فُراتٍ يجري في “تَرْجَا “رقراقًا، تلك السّاقيةُ التي امتزج في بنيانِها الجصّ وعرقُ رجالٍ غُرٍّ، قد طُيّب ثرى قبورهِم بتسابيح الشّجر والدّواب والبشر عند كلّ شربةٍ تروي العروق وتغسلُ الجنان…

رَفعتُ رأسي فإذا بباب خشبيّ غابت جلدتُه في أخاديد غائرةٍ في بشرتِه يدعوني لأفتحهُ، أبعدتُ قفلهُ المهترئ فَعَلتْ في الكونِ آيُ الحقّ الحكيمِ ببهاء مناديةً أن “أدخلوها بسلامٍ آمنين”.

“آمنين” من جنبات هاته الكلمة الطيّبة أبعدتنا لأمدٍ إرادةُ العليّ القدير، فتلطّخَ ثوبُ “مزاب” النّاصع بقطراتٍ من الدّم النّفيس، ومسّ النّفوس شيءٌ من الخوف والهلعِ المرير، وسرى في وادينَا بدلَ الماء فيوضٌ من دمعٍ واجمٍ حزين، وفي خضمّ هوج العاصفةِ العاتيةِ، وصِرِّ الابتلاء القارس، برزت لوحاتٌ تنضخُ بقيم الصّبر والمصابرة والمرابطة، اعوّجت لحماوتها معادنُ الفتنِ والمصائب، وأحيطت بعد حينٍ ببركة الله سبحانهُ وتعالى إذ أعاد إلى مهجةِ بلدتنا الطيّبة كُحل عينهاَ ونور بسمتِها وحليّ ردائها: نعمة الأمن.

فارفع معي أخي أكفّ أذرعِ الدّعاء الضّارع الواجل الصّادق، إلى ذي الملكوت الذي فرشَ للاستجابة لعباده وعدًا أزليّاً دائمَا، نسأله بدعاء خليله إبراهيم عليه السّلام أن “اجعل هذا بلدًا آمنا” وتفطّن أخي أنّ هذه الدّعوة قد ارتبطت في جمالهاَ بأواصِر شرطٍ أساسيّ جاء ليتمّ بهاءها، فجاء على لسان النبي في الذّكر الحكيم “من آمن منهُم بالله واليومِ الآخر”…

فاللّهم عمِّر قلوبناَ بعبقِ الإيمان الفوّاح وأنزل على وادينا الحبيب وجزائرنا الطيّبة وجميع بلاد المسلمين أمطار الأمن المغيثة، التي توحّد في هطولها الألباب وترفعُ عن النّفوس قسوتها وجفافها وتُقلّ ريحُها سحابًا ثِقالاً يرسي رعدُه وبرقُه أمارات التّمكين في أرضِك ونصرةِ شِرعتكَ إنّك أنت سميعُ الدّعاء، اللّهم اغسِل بنقاوتِه أرواح شهداء غزّة التي تفِد أبواب السّماء هذه الأيّام أفواجًا وأغرق في سيله جبروت الطّغاة والجائرين إنّك أنت القويّ العزيز، آمين يا ربّ العالمين.

عمر بن إبراهيم بوغالي

الصورة: يحي تيزوقاغين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى