تأملات وأفكارواحة المعرفة

المصداقية الدعوية

كثيرا ما تساءلت مع نفسي أن لو كان مبعث الرسول محمد صلى الله عليه وسلم في أيامنا هذه كيف ستكون دعوته إلى الإسلام والأخلاق والفضيلة والتشريع؟

بالتأكيد فإنه ليس بالإمكان الجزم بجواب شاف عن هذا السؤال ولكن من الممكن ترسم الخارطة الدعوية التي قد تكون مفضلة وفق التصور القرآني للدعوة وإصلاح الإنسان والمجتمع عامة، وأيضا الوقوف على أهم الاختلالات التي ستتجنبها الدعوة النبوية في حاضرنا.

لكن ما الذي يدعونا إلى هذا السؤال ابتداء؟! إن الواقع الذي تعيشه اليوم الدعوة الإسلامية أو لنقل جهاز التوعية في المجتمعات الإسلامية أثبت بمرور الوقت أنه أقل من التوقعات بكثير، بل أثبت فشله في مواكبة التغير الاجتماعي والمتطلبات المجتمعية الملحة للمسلم المعاصر، ولولا الدور الإيماني المغروز في جماهير المسلمين بقناعة أن الإسلام بحقائقه العظمى لا يمكن تجاوزه أو تجاهله لكان من المنطقي أن ينسلخ عن هذا الدين معظم معتنقيه، ولا يتمسك به إلا قلة قليلة ممن تستثنى قدراتهم عن التحليل المنطقي السليم، أو من ذوي الأغراض المصلحية العاجلة. والواقع اليومي للدعاة يظهر يوما بعد آخر كثيرا من الزيف في نماذج عديدة على مستوى العالم الإسلامي، يتجلى ذلك في المشكلات الأخلاقية التي تظهر كل حين ممن يصنفون ضمن الدعاة المنزهين عادة عن تلك الآثام، فتشهد من بعضهم تكالبا على منافع مادية عاجلة، وسعيا نحو شهرة إعلامية وسيطرة على قنوات فضائية، وتشهد من آخرين سرقات علمية، ومن آخرين… فإذا كانت تلك المنظومة الدعوية لم تنجح في إصلاح القائمين عليها أنفسهم؛ فكيف لأساتذة منحرفين أن ينشئوا أجيالا يحملون مشعل الفضيلة؟ أو أن يخاطبوا الناس بإصلاح ذات بينهم وهم متخاصمون فيما بينهم؟! ولا نستثني في هذا السياق ما أظهره منتسبون إلى أنظمة دعوية عريقة من خطايا وخصومات أضعفت رصيدهم التاريخي، وزعزعت مكانتهم العرفية العريقة، وكشفت بوضوح عن نوايا وأطماع ذنيئة لدى بعضهم!

تتفاوت صور الفساد الدعوي بين المجتمعات، وتتباين القضايا التي تتعثر فيها أفهام الدعاة وخطواتهم؛ لكنها في المشترك العام تعود لأصل واحد يمكن أن نطلق عليه مسمى المصداقية الدعوية؛ التي مبناها على شقين: الأول محله الداعية والثاني موضوعه المشروع الدعوي، واختلال أحد الجانبين سيؤدي حتما إلى فقدان المصداقية الدعوية.

وبالنظر إلى الجانب الثاني المشكِّل للمصداقية الدعوية فإن قلة نادرة جدا من الدعاة بالإمكان أن ينالوا وسام هذه المصداقية. لكن: من يكون الكاتب أو غيره ليصمم مواصفات المصداقية الدعوية أو يتحدث عن متطلباتها؟ استباقا للاتهام الدارج في الأوساط الإسلامية وبصورة أخص بين المشتغلين في الحقل الإسلامي خصوصا الدعاة فإن ما سنتحدث عنه ليس من قبيل الأمور التي تكون محلا للأخذ والرد؛ تماما كمثل مكارم الأخلاق؛ فالمجادل في كون الصدق فضيلة لا يجعله ذلك إلا ضمن صنف معلوم لدى الكافة!

المصداقية الدعوية في شخص الداعية لا يمكن أن تحصل إلا بالاستناد إلى منظومة خلُقية لا خلاف فيها بين المسلمين، بل لا خلاف فيها بين الإنسانية؛ فلا يمكن للداعية أن يبتغي من وراء دعوته مكاسب شخصية، ولا يشرع للداعية أن يوظف الحيل ومركزه الاجتماعي للسطو على ممتلكات الناس لتوسيع ثروته .. لا يمكن للداعية أن يتعامل بالحيلة والكذب والخديعة… قائمة الصور الواقعية التي نعاني منها لا يمكن أن نحصرها في عامل أو عاملين، ولكننا نكتفي بالإشارة إليها بمنظومة مكارم الأخلاق، فتلك الصور المذكورة وإن كانت مشمولة بالتشريع الإسلامي من حيث الحكم عليها غير أن بعدها الأخلاقي لا يجادل فيه عاقل (1).

يشكل المشروع الدعوي الشق الثاني الذي يكوِّن المصداقية الدعوية، وهو الكفيل بجعل الدعوة ذات مغزى وأهداف، ويقلل من الدعوة الفارغة التي لا تهدف إلا إلى تكثير المحاضرات والدروس وملء المنابر بالمتحدثين في شتى صنوف الكلام مع شيء من المعرفة! فغياب المشروع الدعوي للدعاة بوصفهم شريحة اجتماعية لها أدوار منوطة بها عرفا وشرعا يجعل عملهم الدعوي يدور في خانة الصدى الصوتي المتقطع، كمن يطلب منك التوفيق والتركيب بين جمل مختلفة المشارب المعرفية، كمعادلة رياضية مع بيت من الشعر الجاهلي، وشيء من الفيزياء وفن الديكور فقد لا تملك له جوابا إلا أن تسبح الواحد الأحد الخالق كل شيء، فلعل ذلك ما يجمعها!

حضرت ذات مرة ندوة في مناسبة اجتماعية تحدث فيها بعض الدعاة عن خطر أفلام الكرتون على الأطفال، وما يحويه بعضها من مخالفات إيمانية، ومعتقدات شركية… وخلصوا إلى التحذير من هذه الأفلام الكارتونية وضرورة مجانبة الأطفال لها وتجنيبهم إياها! لم أتمالك أن سألت: ما هي نظرتكم لمعالجة هذا المشكل على مستوى دوائر التغيير في الأسرة والمدرسة والإعلام و… فأجاب أحدهم: هذا درس دعوي وليس عرضا لبرنامج حزبي! لقد صعقتني إجابته وأوقفني في الوقت ذاته على مكمن الداء الذي يعيشه الدعاة في مجتمعنا! ولم أستغرب بعدها شهودي لبعض الدروس والمحاضرات التي تجد الداعية فيها مولعا بإبهار سامعيه بجديد معرفي (مع شيء من التهويل!)، قد لا يستغرق العثور عليه بدقة بضع ثوان تحسبها محركات البحث عند نقر تلك المفردة فيها!

لابد لأي مشروع دعوي من خطة منهجية واضحة المعالم تستهدف التغيير فعلا، وتتناول مشكلات المجتمع والإنسان بالبحث المستفيض، ولا تصدر عن منظومة بالية من الحلول الترقيعية التي لا تتجاوز عتبة المسجد أو العشيرة! لا يمكن لمشروع دعوي أن يؤتي ثماره ما لم يسند بمراكز بحث تتولى الدراسة العلمية للمشكلات والآفاق الدعوية التي يطمح الدعاة للوصول إليها! فبغير ذلك تصبح الدعوة مجرد لون من الصوتيات وفنا آخر له أنصاره ومحبوه!

غياب المشروع الدعوي الجامع الذي يهتم بالمضامين وينقحها، ويراقب مسيرة الدعوة والإرشاد مضامين وأهدافا ووسائل مكَّن للضحالات والتردي المعرفي، وسمح للوسائل السخيفة التي يتبعها بعض الدعاة لكسب قلوب الناس بإضحاكهم وإبهارهم والإلغاز عليهم، والقصد إلى توظيف النكت والنوادر لتكثير الجموع الحاضرة، أو الاستمساك بنبرة دعوية تستدعي الموتى وتمتع الحاضرين بمعزوفة التراث والسير التي تدغدغ عواطف الغيورين على المجتمع والأمة، أو التداعي إلى العصرنة والتجديد والإبهار بمناطق العالم وما فيها من غرائب ومناهج تثير حماس الشباب ومحبي الأفكار الجديدة، أو الركون إلى موجة إذاعة الزهد في الدنيا والتنفير من السعي فيها، وتصويرها من الحطام الذي يجب الحذر منه وتجنبه قدر الاستطاعة، والخلود بدلا من ذلك إلى المصحف للتأمل فيه، أو إلى ركن من مسجد لفترة زمنية محددة لترتيل بعض الأذكار والتراتيل، والقيام ببعض الجولات والزيارات مدى الحياة… كل هذه الفوضى الدعوية الفكرية تمكنت في مجتمعات عديدة نتيجة غياب مشروع دعوي منظم، يهتم بواقع الإنسان والمجتمع، ويدرس الحاجات الأساسية للتغيير، وكيفيات تجسيد مشاريع ميدانية لتغيير حال الأمة وتوظيف طاقة الشباب فيما ينفعهم وينفع أمتهم ومجتمعهم.

لا يمكن للداعية أن يكون متمكنا معرفيا إذا كان يقضي أوقاته في الدعوة والكلام في المنابر صبحا وعشية، وما يسميه تحضيرا لدرسه أو محاضرته لا يتجاوز تقليب بعض الكتب وصفحات الأنترنت وتجميع قصاصات منها لترديدها أمام العامة! لا يمكن للمشروع الدعوي أن يكتسب مصداقية إذا كان عمله محصورا بين جنبات المسجد، ولو كانت مواضيعه تنتقل خارجه بالكلام لا بالفعل، لا يمكن اكتساب المصداقية الدعوية إلا في مشروع يوظف كافة دوائر التغيير لخدمة أهداف محددة، ابتداء بالأسرة والمدرسة والمسجد والتجمعات والمؤسسات الاجتماعية، ولابد أثناء ذلك من ملامسة جوانب الحياة المتعددة من اقتصاد وسياسة وإعلام وغيرها وتحريكها لخدمة أهداف المشروع الدعوي.

بالإمكان تلخيص متطلبات المصداقية الدعوية من حيث الخطة الدعوية بوجود مشروع يدرس تفصيلات الواقع بكل موضوعية وعلمية، مستعينا بالمعرفة الإنسانية في كافة فروعها -لا علوم الشريعة فحسب!- لدراسة تلك المعطيات، موظفا كافة الآليات والوسائل والمؤسسات التي تسهم في بلوغ تلك الأهداف للربط بين الفكرة والواقع، ومن دون الصلة الوثيقة بين تلك الدوائر الثلاث؛ فإن الدعوة إلى التغيير لا تزيد عن أن تكون مشاعر متقدة، وعواطف آنية تصبو إلى الخير لكنها غافلة تمام الغفلة عن وسائله، ومن المتقرر أن أحقية المضامين الدعوية لا تغني عن التدبير المنهجي المعاصر. ولو كان خطر فشل المشروع الدعوي محصورا في عدم بلوغ تلك الأهداف لكان الأمر أيسر نسبيا؛ غير أن الخطر الأكبر أن ذلك سيؤدي حتما إلى فقدان مصداقية الداعية ولو كان مشهورا بالخير والصلاح، ويسهم ذلك في تشكيل مؤسسة دينية تعيش في الأوهام غافلة عن مجريات الواقع وحقيقة التغيير؛ فتبوء بهجران المجتمع مع السعي إليها للظفر بمباركتها في مناسبات اجتماعية معروفة!

وقبل الفروغ من هذه المقالة لابد من التأكيد أن المقصد من دروس الوعظ والإرشاد ليس تكثيرها، ولا بريق عناوينها، ولا تنوع موضوعاتها؛ بل المقصد تأثيرها وتغيير الواقع من خلالها ولو قلَّت، فليست العبرة بوجود درس مسجدي يومي بل بنفع ما يقال في منبر المسجد وتأثيره وقيمته العلمية والواقعية.


(1) وتلك إحدى سمات التشريع الإسلامي في موافقته لمنظومة القيم الإنسانية والفضائل الأخلاقية. ولقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم قبل بعثته في مكة يلقب بالصادق الأمين؛ وذلك ما أعطاه مصداقية أخلاقية أحرجت زعماء قريش، وجعلت دعوته تملأ قلوب الضعفاء الذين لم تفسد فطرهم، ولم تختل لديهم موازين الشخصية الإنسانية السوية، وذلك مما يفسر كون أتباع الأنبياء من المستصعفين، عكس الزعماء المتكبرين الذي تفسد فطرهم عادة وتزيغ عن ملامسة الحقائق والتنبه لعظم شأنها أمام وهم كبر نفوسهم! وذلك ما قد يفسر أيضا انتفاع العامة بما يقدمه بعض الدعاة من عديمي المصداقية، الفاقدين للحس الأخلاقي.

د. صالح بوشلاغم

مقالات أعزام

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى