تعزية: الشهيد حسان الحاج شعبان في ذمة الله

فجعنا مرة أخرى وفي نفس اليوم بنعي خبر وفاة شهيد آخر من شهداء فتنة غرداية الدامية، وهو السيد حسان بن موسى الحاج شعبان بحي أحباش أوشور في مدينة غرداية، توفي متأثرا بجراحه في اعتداء سافر عليه من عصابات إرهابية، ليشيّع شهيدا مع قائمة الشهداء السابقين، وبهذه المناسبة الأليمة نتقدم بتعازينا الخالصة لأسرته وكل عزيز لديه، ونسأل الله له الرحمة والمغفرة، إنا لله وإنا إليه راجعون.
ندعو الله أن يفرج عنا هذه الأزمة الحالكة، ونسأله الحفظ للوطن، وللظالمين جزاؤهم من الله عز وجل، “والله عزيز ذو انتقام”.
إنا لله وإنا إليه راجعون
الكلمة التأبينية التي ألقيت في جنازة الشهيد
بسم الله الرحمن الرحيم
( تَبَارَكَ الذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(1) الذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمُ أَيُّكُمُ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ) الملك: ١ – ٢
سبحانه هو الواحد القهار، العزيز الجبار، المتفرد بالملك والملكوت، وهو حي قيوم دائم لا يموت.
نحمده بما هو أهل ونشكره ونخشاه، ولا يحمد على مكروه سواه، وهو يجيب المضطر إذا دعاه.
تبارك ربنا جعل لكل أجل قدرا، وجعل نهاية الحياة موتا وقبرا، فاستوى في حساب الموت الأمير والمأمور، والغني والفقير، والمؤمن والكافر، والتقي والفاجر، ثم يكون الحساب يوم تبلى السرائر، فإما جنة ونعيم، وإما عذاب وجحيم.
فسبحان من جعل خاتمة الخلق يوم النشور، وتنزّه عن العبث والجور، وهو العليم الخبير، له الأمر وبيده الخير، وإليه المصير.
خلق المصائب قدرا منه وابتلاء لعباده، فقال في محكم كتابه: ( مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الاَرْضِ وَلاَ فِي أَنفُسِكُمُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ إِنَّ ذَالِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ) الحديد: ٢٢
نحمده سبحانه على كل حال، ونعوذ به من شر المآل، ونسأله حسن الخاتمة والنجاة من النيران، والفوز بجنة الخلد والرضوان.
ونصلي ونسلم على نبيه المصطفى ورسوله المجتبى، اختاره ليكون رحمة للعالمين، واختبره بألوان البلاء فكان قدوة للصابرين، وإماما لعباد الله الشاكرين، صلى عليه الله في الأولين والآخرين. وعلى آله وصحابته النجباء الطاهرين، السابقين بالفضل والأجور، ومن سار على هداهم إلى يوم النشور.
*****
أيها الجمع الحاشد في هذا الموقف الخاشع، سلام عليكم ينزل بردا على قلوبكم التي مزقتها الفواجع، ودعاءٌ يضيء دربكم الذي أطبقت عليه القوارع، ويرسم فجر أمل في مسلسل ليل الفتنة المتدافع، وتحية الإخلاص والتقدير والثناء، عليكم وأنتم تزفون عريسا جديدا إلى ملائكة السماء، بل إلى حور الخلد في دار البقاء.
فسلام عليك أخانا حسن في موكب الشهداء، وسلام على والديك وأهلك في الصابرين الأتقياء، من آمنوا بعدل الله وحكمة القضاء، فأسلموا له الأمر حين اشتد البلاء، واستحكمت حلقات المحنة والفتنة العمياء، واشتد الزلزال حتى قالها: ( الرَّسُولُ وَالذِينَ ءَامَنُواْ معَهُ مَتَى ا نَصْرُ اللَّهِ ) ؟ البقرة: ٢١٤ ثم أبصروا بنور الله فجر الفرج والنصر، فابتهجت بوعده الصادق منهم القلوب:( أَلآَ إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ) البقرة: ٢١٤
*****
أيها الجمع الكريم، إنه موقف الموت المهيب القاسي، بل موقف التقتيل والتنكيل وتوالي المآسي، وإن الخَطْبَ جَلَلٌ يهدّ الجبال الرواسي، وما يَملك أهل البيان أزاءه إلا الصمت الناطق، وإنه لأفصح من بيان اللسان، وأصدق في الكشف عن الصرخة المكتومة التي تدوي في حنايا النفس المكلومة.
إنها مؤامرة مفضوحة لئيمة عميلة، نُسجت في جنح الظلام لضرب أمتنا الكريمة النبيلة، وتقويض مقوماتها الأصيلة، في دينها وقيمها، وفي مقدساتها وهيئاتها، وفي معالمها ومؤسساتها، وأرادتها كبش فداء، وغفلت عن رقابة رب السماء، وعن عدالة القصاص في الدنيا ويوم الجزاء.
ونسي الظالمون موعدا ينتظرهم عسيرا، يصلون فيه جهنم وساءت مصيرا، جزاء بما عتوا في الأرض وعاثوا فيها فسادا كبيرا: ( وَلاَ تَحْسِبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُوَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الاَبْصَارُ(42) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ ) إبراهيم: ٤٢ – ٤٣
ويا ويلهم يومئذ من أليم العذاب: ( وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي الاَصْفَادِ(49) سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وَتَغْشَى ا وُجُوهَهُمُ النَّارُ(50) لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتِ اِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ) إبراهيم: ٤٩ – ٥١.
*****
إذن، فاطمئنوا بالاً أيها المؤمنون الصابرون، واحتسبوا أجركم عند رب كريم وهّاب، (اِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ ) الزمر: ١٠.
فهنيئا لكم شبابنا ورجال أمتنا الأباة، حين وقفتم سدًّا منيعا أمام البغاة، وكنتم أسود وطننا المغاوير؛ في وجه وحوش القتل والغدر والتدمير، وضربتم أروع المثل أنكم أهل الوطن الأصلاء، أعليتم ما بناه الجدود والآباء، وحميتم مكتسبات الأمة ومعالمها، وجددتم مسالك التضحية ومكارمها، فتبين الرشد من الغي، والوطني من الدعي، والمسلم من الخارجي.
إن المسلمَ مَن سلم المسلمون من لسانه ويده، ومَن أمن الناس أذاه، والخارجيَّ مَن خرج عن طاعة الله وهداه، واستباح محارم عباد الله، وإن رغم أنف سماسرة الفتن المجرمين، ودعاة التفريق والتكفير بين المسلمين.
تحية ودعاء لكل صابر موقن بقضاء الله، ملأ قلبه يقينا بوعد الله، رغم هول الفواجع المتتالية، وألوانها وضراوتها القاسية، من سفك للدماء، وتخريب وتحريق للأموال، وترويع للآمنين، وتهجير للساكنين، وقضاءِ أربعةِ أشهرٍ موصولة لياليها بأيامها بين حراسة ومدافعة، في استماتة رائعة، لم يشهدها بلدنا الأمين، في ما حفظ التاريخ عبر القرون، من بطولات أبنائه الصناديد.
(وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمُ إِلآَّ أَنْ يُّومِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) البروج: ٨
فما أعظم بشائر القرآن حين تطمئن هؤلاء الصابرين، بمصير الظالمين المتربصين: ( إِنَّ الذِينَ فَتَنُوا الْمُومِنِينَ وَالْمُومِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ ) البروج: ١٠.
وأي فتنة أكبر من ترويع الآمنين وإخراجهم من بيوتهم بغير حق، وتلك لعَمر الحق أعظم عند الله من القتال في الأشهر الحرم:
(يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرُ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ) البقرة: ٢١٧.
ولكن رغم هول الفاجعة، ووقع مطارقها الموجعة، فإن لنا في بشائر القرآن أنوارا ساطعة،
فلله ما أعطى ولله ما أخذ، وإنا بقضاء الله مؤمنون وبما أوصانا مستمسكون ( يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ(153) وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُّقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتُ بَلَ اَحْيَآءٌ وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ(154) وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الاَمْوَالِ وَالانفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ(155) الذِينَ إِذَآ أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا للهِ وَإنَّآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ )البقرة: ١٥٣ – ١٥٦.
*****
أحبة الإيمان، وشهود أخينا في هذا اليوم المشهود،
هذه خطوط رفيعة لمعالم شهيدنا المسجى، فهو الحاج شعبان حسن بن موسى بن إبراهيم، أبصر نور الحياة بمدينة غرداية يوم 27 جانفي 1972 ميلادية، ونشأ بقسنطينة حيث تجارة والده حفظه الله، وفيها قضى طفولته وانتظم في التعليم بالمدرسة الرسمية نهارا، وبمدرسة الهدى القرآنية مساء، وأكمل مرحلة التعليم المتوسط، فانتظم في ميدان العمل صحبة إخوانه، وهو أوسطهم عمرا، وثالثهم مرتبة بين سبعة ذكور وثلاث بنات، هم كوكبة والدِيهم وعماد أسرتهم الكريمة التي اشتُهرت بالكرم والخير، والسبق في الإسهام في مشاريع الأمة الحضارية التي نتفيأ ظلالها، والحمد لله.
شهيدنا متزوج وأب لثلاثة بنين، أكبرهم نبيل في السابعة عشرة، وأوسطهم عادل في الخامسة عشرة، وآخرهم فيصل له أربع سنين. وفي اختيار الأسماء معان يدركها الفطناء من مرهفِي الإحساس، معانٍ تحمل صاحبها على تجسيدها قيما حية في سلوكه بين الناس.
بعد أن قضى حسن في مدينة سرتا ما شاء الله من السنين، استقر في مسقط رأسه يخدم أباه بعد أن أقعده الكِبَر، وغدا بحاجة إلى سَند ومعين، فكان له اليد الحانية والخادم الأمين.
وشاء الله أن يدعوه الوعد إلى الرحيل، مساء الجمعة الماضي إذ آوى إلى فراشه بعد العَشَاء، ليستريح من يوم كله جهاد وعناء، فجاءته أخته من بيتها في حي أحباس نوشور، تستغيث من هجوم باغَتَ الآمنين ليلتَهم في ذلك الحي، فلم يتمالك حتى هبّ للنجدة، ومضى لا يلوي على أحد، وشعاره: حرام عليّ النوم ووحوش البغي تعتدي على حرمات المسلمين.
ولكن، سبقت مشيئة الله أن يلحق بركب السابقين من الشهداء، ممن دفعوا حياتهم فداءً لدينهم ووطنهم وشرف أمتهم، فنالوا بإذن الله بشائر الله وما أعدّ من كريم الجزاء، جزاءٌ اختص به الشهداء: ( وَلاَ تَحْسِبَنَّ الذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاَم بَلَ اَحْيَآءٌ عِندَ رَبـِّهِمْ يُرْزَقُونَ(169) فَرِحِينَ بِمَآ ءَاتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمُ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ )آل عمران: ١٦٩ – ١٧٠
وتلك إرادة الله يخلق ما يشاء ويختار، لقد أراد الحق أن يكرمك بوسام الفخار، وسام الاستشهاد دفاعا عن الحرمات والديار، بعد أن رميت عنك الدثار، واستجبت لاستغاثة الحرائر، حين فاجَأَهُنَّ البغي السافر، فكنت في الصدارة مِقدامًا لا تخاف، وحين كنت قاب قوسين من نهاية المطاف، فجعَكَ الغدر بخمس وأربعين طعنة نجلاء!
أجل؛ لقد كانت طعنات جنونية حاقدة توزعت الجسد وشوّهت الوجه الوضّاء، وأصابت الصدر واخترقت القلب فسقطْتَ مضرّجًا بالدماء، وتوالى عليك التنكيل بوحشية هستيرية أسلمت بعدها الروح للباري، وأعيا أخاك البحثُ عنك طول الليل، حين انقطع الاتصال بهاتفك النقال بعد منتصف الليل، حتى بزغت خيوط الفجر فجاءت الأخبار، تقول إنك في المستشفى، لا في قاعة الانتظار، وإنما كنت قد أحرزت شهادتك، وغادرتنا إلى دار القرار.
وقضيت ساعات يعلم الله مداها وما شعرت بالوحوش تجرّ جسدك الطاهر مسافات، وتلقيه بعيدا كما تُرمى النفايات، ثم اختفى الجاني الجبان في جنح الظلام، واختطف نقالك، ومضى معه بتفاصيل الجريمة سعيًا لمحو كل الآثار، ولكن ربي عالم الأسرار، سيفضحه ومن معه من المجرمين، ولتعلمن نبأهم بعد حين.
فياويل هذا الجاني من وعيد الجبار، وخلودٍ في جهنم وبئس القرار: ( وَمَنْ يَّقْتُلْ مُومِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ) النساء: ٩٣
إخوة الإيمان، من سِيَر سلفنا الصالح في مثل هذه الفظائع أن يؤوبوا إلى الله مستغفرين، ويتبرؤوا من هذه المظالم منكرين، فرددوا معي رحمكم الله أجمعين: ننهى أهل المنكر، ننهى أهل المنكر، ننهى أهل المنكر.
حسبنا الله ونعم الوكيل، حسبنا الله ونعم الوكيل.
شهيدَنا حسنَ الخلال كريمَ الفعال، نَمْ قرير العين مرتاح البال، لا تخاف ظلمًا بعد اليوم، ولا يحزنك خوف ولا همّ. فإنا نحسبك مكرّمًا عند الله بأعظم وسام، مرفوعا إلى مقام أصفياء عباده الكرام: ( الذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيئِينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَآءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا ) النساء: ٦٩.
*****
أيها الجمع الكريم، اعلموا علم اليقين، أن لله حكمةً بالغة في قضائه وقدره، وقد شاءت حكمته أن يبلونا بهذه الأيام الشداد، بل بشهور نهارها كليلها في السواد، بما روعت من العباد، وأهلكت الحرث والنسل، وقطعت على الناس السبل. وكادت تقطع خيوط الأمل، لولا الاعتصام بحبل الله، والاستمساك بالثقة بالله.
وذلكم أحبة الإيمان رأس مالنا في كل حين، وفي هذه المحن يغدو هذا الرصيد أنفس من قناطير الذهب الثمين، ويغدو ضرورة لا مناص منها حتى يتحقق الفتح المبين.
إن من ضرورات اليقين بالله، العودةَ إلى الله، فسارعوا إلى التوبة ومراجعة الذات، والتنصل من الحقوق والتبعات، ومداومة الاستغفار في الخلوات، والإلحاح في الدعاء في خشوع وإخبات، عسى الله أن يفرج عنا هذه المحن المتواليات، فإنه لا ملجأ ولا منجى من الله إلا إليه، ولا عاصم من أمر الله إلا من رحم، ونصره مرهون بنصر دينه والوقوف عند حدوده، “ولينصرن الله من ينصره”.
واستحضروا وأنتم في هذا الجمع الحاشد، موقف القيامة وما فيه من الأهوال والشدائد، يوم لا ينفع ما ل ولا بنون، ولا سلطان ولا نيشان، إلا سلامة القلب والعمل الصالح في الميزان. فاستعدوا أيها الشباب للموت الذي يترصدكم على غير ميعاد، ولا تغرنكم فتنة الحياة، فإنها خداع وسراب، لمن آمن بيوم الحساب، وأيقَنَ بما أعد الله للمتقين في جنات النعيم، واتقى جنهم وما فيها من عذاب مقيم.
*****
فاللهم بقضائك آمنا خاضعين، وإليك لجأنا ضارعين، وإلى بابك أتينا طائعين، ورحمتك قصدنا طامعين، ومن عذابك فررنا مشفقين، فارحمنا واكشف عنا هذا الضر وأنت أرحم الراحمين.
اللهم آمنا في أوطاننا بواسع رحمتك، وأرنا في هؤلاء الباغين عجائب قدرتك، واشملنا بعفوك وعاملنا بفضلك لا بعدلك.ولا تؤاخذنا بذنوبنا ولا بما فعل السفهاء منا فنهلك.
اللهم ثبتنا على الاستقامة على دينك، واحقن دماء المسلمين في كل البلاد، وخذ بأيدينا إلى سبل الرشاد، وهيء لشبابنا بطانة الخير واسلك بهم نهج السداد، وقهم من شياطين الغواية والفساد، واجعلهم شامة في جبين أمتنا؛ استقامة وصلاحا ونفعا للعباد، واجعل سعيهم لحماية الحرمات خير الجهاد، وأمتنا على التوبة والإنابة ورد مظالم العباد.
اللهم إنا نسالك وأنت واسع المغفرة، أن تسبغ على شهيدنا شآبيب رحمتك الواسعة.
ونضرع إليك يا قوي يا قاهر، أن تنتقم ممن استباح حرمة دمه الطاهر، وتشلّ يد كل ظالم وغادر، ساهم في تدمير وطننا، والكيد لأمتنا، والفتنة في ديننا، وسعى في المكر والتآمر، من مسلك خفي أو ظاهر، فأنت تعلم النجوى وما تخفيه الضمائر، فخذهم ربنا أخذ عزيز مقتدر، واجعلهم عبرة لمن اعتبر. وافعل بهم كما فعلت بعاد وثمود، وأغرقت فرعون وأهلكت النمرود، يا قوي يا ذا البطش الشديد.
اللهم وأرسل عليهم طيرا أبابيل، ترميهم بحجارة من سجّيل، واجعل مصيرهم عبرة تشفي بها صدور قوم مؤمنين، يا عزيز ياجبار، يا أرحم الراحمين.
اللهم احفظ أوطاننا، واشدد أزر شبابنا الغيورين، ورجالنا المخلصين، واجمع كلمتنا على الحق المبين، واغفر لنا ذنوبنا أجمعين، ربنا إنا تبنا إليك فلا تجعلنا من القانطين.
*****
تعازينا جميعا لوالدَيْ شهيدنا الصابِرَيْن، وأهله وأبنائه وإخوانه وسائر الأقربين.
ختاما، أطمئنكم إخوتنا الأعزاء أن صلاتكم وحضوركم مشاركة كافية في تعزية أهل الفقيد، وإنهم يتقبلون منكم ذلك، ولا داعي لإحراجكم بالتعزية الخاصة.
وإن أهله يطلبون من كل من له عليه حقّ أو تبعة أن يتقدم إليهم مشكورا لأخذ حقه كاملا موفورا.
جعل الله شهودكم هذه الجنازة شهادةً لفقيدنا عند الله، وثقلا في ميزان حسناتنا يوم نلقاه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
*****
وكتبه مصطفى بن صالح باجو
صباح الاثنين 14 جمادى الثانية 1435هـ يوافقه 14 أفريل 2014م
بمقبرة الشيخ بابا السعد.



